; الدكتاتوريات وباء الأمم | مجلة المجتمع

العنوان الدكتاتوريات وباء الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1858

نشر في الصفحة 39

السبت 27-يونيو-2009

 الدكتاتور شيطان بكل ما تحمل الكلمة من معنى يحمل صفاته، ويسير سيرته ويتقلد شخصيته التدميرية والنفسية والانحرافية، وقد يزيد عليها لعنات إنسانية ووقاحات بشرية. 

1- فهو قاسي القلب، دموي التوجه، ويروي التاريخ كثيرًا من أفعالهم وتوجهاتهم في القديم والحديث، ومن ذلك ما يروى في العصر الحديث من الصراع الذي دار بين عبد الناصر والإخوان، وكشف فيه عبد الناصر عن دخيلة نفسه حين سأل عبد القادر عودة كم هم الإخوان 3, 4, 7 ملايين، أنا مستعد أن أقضي عليهم، فأجابه عبد القادر عودة باستغراب: تقضي على 7 ملايين من أجل شخصك!!

2- غير وفيّ وخائن وجبان: من ذلك حينما أخلص محمد نجيب للثورة وتقلد رئاستها، وكان رجال الثورة يختبئون خلفه مثل الفئران، وما إن نجحت الثورة تحت قيادة الرجل المخلص حتى نسجت شباك المؤامرات حوله لضرب رمزها الوطني من أصحاب هزيمة ١٩٥٦م، وهزيمة ١٩٦٧م، والتي فقدت فيها مصر نحو 80% من قواتها المسلحة، كما تم تدمير سلاح الطيران، واحتلال «إسرائيل» لسيناء التي تمثل 13% من مساحة مصر، يقول رجل الثورة عبد اللطيف البغدادي في مذكراته عن تلك الحرب: طلب محمود صدقي عبد الحكيم عامر، وأخبره أن طائرات العدو قد أغارت على مطار الأقصر وضربت طائراتنا هناك، وكانت بعض طائراتنا قد نقلت إلى هذا المطار بعد ابتداء الضرب صباح اليوم، وكانت أصلًا في مطار بني سويف.

وعلى الرغم من أن عبد اللطيف بغدادي كان في منتهى الألم وقمة الإحباط لما وصلت إليه الحال في أثناء حرب يونيو ١٩٦٧م، إلا أنه كان شأن كل المؤمنين بالقدر يبحث بفطرته عن الجانب الذي قد يكون خيرًا في هذا الشر الماحق، وهو يحدث نفسه ويحدثنا أيضًا فيقول: إننا نشعر وكأننا في حلم، كابوس رهيب، هل يُدمر سلاحنا الجوي في يوم، وتدمر قواتنا الأرضية في يوم واحد آخر؟!! هل هذه القوة الضخمة لا تصمد أكثر من ٣٦ ساعة، وأخذنا نعود بذاكرتنا إلى التصرفات في الجيش، وأسلوب الحكم، وهذه هي نهاية كل نظام مثل هذا النظام، ومقامرة جمال عبد الناصر بمستقبل أمة بأكملها في سبيل مجده الشخصي، وكنا نعرف من قبل أنه يقامر وكنا تندهش من هذا التصرف، وهو كان قد قدر أنه سيحقق نصرًا يرفعه إلى السماء دون أن يخسر شيئًا، فجاءت النهاية -نهاية نظامه وكانت خزيًا وعارًا على الأمة- يقول البغدادي: ربما يكون هذا خيرًا من يدري؟! ربما أراد الله إنقاذ هذه الأمة من استعباد جمال لها ومن تأليههم له، واستمرار هذه الصورة كان سيؤدي بها إلى أسوأ مصير، فربما أراد الله بهذه الأمة أن تصحو من غفوتها وتحطم الآلهة  -وتصحو لنفسها، وألا تدع شخصًا آخر يسيطر عليها كما سيطر جمال- من يدري؟ وقدرنا هذا المساء أن «جمال» وعبد الحكيم لابد أن ينتحرا بعد هذا الذي جرى، وليس أمامهما مقر من ذلك، ورأينا عدم الذهاب، «باكرًا» إلى مكتب عبد الحكيم، فالأمر قد انتهى ونحن في انتظار ما يأتي به الغد من صور سوداء مظلمة لا يعرف مداها إلا الله.

ولا يخفي عبد اللطيف البغدادي عجبه الشديد من أن جمال عبد الناصر قد فقد اتصاله بجيشه وبقيادات هذا الجيش إلى الحد الذي كان يقرأ فيه الإستراتيجية التي سيدير عليها عدوه الحرب من الصحف الإنجليزية، وهو يقول في مذكراته بلا أي ادعاء أو افتراء أو تأليف: ودخل وبعد أن سلم علينا قال لعبد الحكيم ببساطة: إن إستراتيجية اليهود مكتوبة اليوم في جريدة إنجليزية، إنهم يودون احتلال بورسعيد لضمان حرية الملاحة لهم في قناة السويس، فدهشت من أن رئيس الدولة الذي قرر الحرب لم يعرف إستراتيجية العدو من قبل ولم يتبينها إلا اليوم من جريدة إنجليزية، واستطرد جمال موجهًا كلامه إلى عبد الحكيم: «اليهود زي ما إحنا تعبانين هم تعبانين أيضًا، ويمكن التصدي لهم ويمكنك استخدام الدبابات الخاصة بالحرس الجمهوري»، وعدد هذه الدبابات كما سمعت 60 دبابة.

وحين يتأمل عبد اللطيف البغدادي كثيرًا من المواقف فإنه يفزع إلى آراء زملائه، وهو هنا يعبر دون أن يدري عن نزعته الجماعية التي كانت تضيف إلى قدرته الفردية قدرة هائلة، كما أتهم «جمال» أيضًا الملك «فيصل» بالتواطؤ مع الغرب ضدنا، فطلب منه «كمال» أن ننسى خلافاتنا مع باقي الدول العربية حاليًا حتى يمكن الاستفادة بهم، وأن يعمل على التفاهم مع «فيصل» وتسوية مشكلة اليمن، فرد عليه «جمال» بقوله، ونترك البدر يدخل اليمن، فقال له «كمال» إن مصر أهم لنا من اليمن، وأنا أقول لك ذلك مخلصًا، ولما نيجي على أنفسنا مع بعض أحسن ما نيجي على أنفسنا مع اليهود».

وقد أنهى البغدادي كتابه بالحديث عن مأساة انتحار عبد الحكيم عامر، وكأنه يريد أن يجعل المأساة نهاية ثورة يوليو، وعلى الرغم من أنه لم يصرح بشيء من ذلك إلا أن هذا واضح جدًا من عباراته التي أنهى بها كتابه في تلك الفقرة التي روى بها ذهابه مع كمال الدين حسين للعزاء في وفاة عبد الحكيم عامر التي يقول فيها: «أستقبلنا أولاده على سلم المنزل الخارجي عندما علموا بحضورنا بالصويت والنحيب والارتماء على صدورنا، وكان موقفا مؤثرًا، حتى إننا بكينا ونحن على سلم المنزل لهذا الموقف المؤثر، وتذكرنا الناس وهي تسعى إلى عبد الحكيم وهو في السلطة والخدمات التي كان يسبغها على الكثيرين ليضمن ولاءهم له، أين هم الآن؟ والأولاد يبكون طوال الوقت ويسألوننا لماذا قتلوه؟ وأنه لم ينتحر وانما هم الذين قتلوه، ويرددون أين إخوته؟ كلهم في المعتقل، وأين أصدقاؤه وزملاؤه والضباط؟ ولماذا لم يحضر أحد منهم؟ لم يعزهم في وفاته سوانا، ياللأسف على الرجال!! وخرجنا من منزله ونحن فاقدو الثقة في كل المعاني، وفي كل الناس، هل هذه هي نهاية عبد الحكيم عامر، يالله، هذا مشهد آخر من مشاهد تلك المأساة التي تجري على أرض الوطن العزيز وإننا لفي انتظار مآس أخرى -أمر لابد منه- كنتيجة حتمية لما وصلنا إليه من دكتاتوريات أضاعت كل شيء، فمتى ينتهي هذا الوباء؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 99

0

الثلاثاء 09-مايو-1972

اعترافات: المسرح.. والممثلون

نشر في العدد 548

81

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

عبد الناصر وقباني في ميزان الشعر

نشر في العدد 371

85

الثلاثاء 18-أكتوبر-1977

في الهدف (371)