العنوان الدلالات الاجتماعية لفروض الكفاية (3)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 2025
نشر في الصفحة 66
السبت 27-أكتوبر-2012
يتفق الأصوليون مع الفقهاء في القول: إن فرض الكفاية تكليف يجب أن يقوم به مجموع المكلفين المخاطبين بأحكام الشريعة، بحيث إذا قام به فريق منهم سقط هذا التكليف عن الباقين، وإلا أثموا جميعا، ولكن الأصوليين يتكلمون عن الحكم التكليفي، بينما الفقهاء يتكلمون عن الأثر التطبيقي لهذا الخطاب التكليفي، وفي جميع الأحوال فإن الغرض من فرض الكفاية هو حصول الفعل المطلوب؛ لأنه يتعلق إما بجلب مصلحة عامة، أو بمنع مفسدة عامة، وعبارة الإمام القرافي في هذه المسألة واضحة إذ يقول:
«الأفعال قسمان: منها ما تتكرر مصلحته بتكرره ومنها ما لا تتكرر مصلحته
بتكرره فالقسم الأول شرعه صاحب الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل
كصلاة الظهر؛ فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والتذلل له، والمثول
بين يديه والتفهم لخطابه والتأدب بآدابه، وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة..
والقسم الثاني كإنقاذ الغريق إذا انتشله إنسان، فالنازل بعد
ذلك في البحر لا يحصل شيئًا، من المصلحة فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيًا للعبث
في الأفعال، وكذلك كسوة العريان وإطعام الجوعان، ونحوهما»(۱).
ورغم أن عبارة القرافي مقنعة، فإنها غير مشبعة هي مقنعة لأنها استندت إلى القياس العقلي وهو قوي ومنطقي، ولكنها غير مشبعة في التمثيل بالغريق الذي ينتشله إنسان، وكون النازل بعد ذلك لا يحصل شيئًا من المصلحة فقد يفهم من ذلك أن مدار العمل في فرض الكفاية هو فقط على الأفراد (غريق ومنقذ أو ما شابه ذلك)، وقد يفهم بعض طلاب العلم الشرعي أن هذا المثال الشارح يمكن أن يطرد إلى يومنا هذا، ولكن إن صح هذا في زمن القرافي، فلا يصح في زمننا.
ونقول: إنه بما أن صفة العموم ملازمة للفرض الكفائي؛ فالتكليف به
يتوجه للجماعة باعتبارها كيانًا يتجاوز مجرد حاصل مجموع أفرادها وإذا صح هذا
الاستنتاج -وهو عندنا صحيح- فمعناه أن التعرف على فرض الكفاية، أو جملة فروض الكفاية،
أمر منوط بالتكوينات التي تعبر عن هذه الجماعة، أو تتحدث باسمها، وتكون لديها
المقدرة على رعاية مصالحها وتحقيقها أيضًا، وليس منوطًا بأعيان الأفراد فحسب.
ومن
هنا تنشأ علاقة تكاد تكون عضوية بين إمكانية تحقق أغلب فروض الكفاية من جهة، ووجود
مؤسسات أو تنظيمات وأطر جمعوية شورية من جهة أخرى، ومن هنا أيضًا ترتبط نظرية
الشورى بنظرية الفروض الكفائية، ويجب أن تظل مرتبطة بها على صعيد الممارسات
الاجتماعية الواسعة وليس فقط على صعيد العمل السياسي بمعناه الضيق، ولا على صعيد
الأعمال الكفائية الفردية، وعليه فلسنا مع استمرار القول بأن «فرض الكفاية» موجه إلى أفراد «جميع المكلفين»، هكذا بإطلاق، وإنما إلى من يمثلونهم -في واقعنا المعاصر- تمثيلًا صحيحًا عبر انتخابات حرة وشفافة، ويعبرون عن
مصالحهم، فالحال والشأن في واقعنا المعاصر أن المجتمع تنتظمه مجموعة من المؤسسات
والهيئات الحكومية وغير الحكومية التي يفترض ألا شغل لها إلا النظر في المصالح
العامة ورعايتها جلبًا وحفظًا، والحال والشأن أيضا أن أغلب المصالح العامة سواء
دينية مثل إمامة الصلاة، أو دنيوية مثل دفع العدو الصائل، أو تشغيل الذي هو عن
العمل عاطل، أو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، ليس أداؤها بوسع فرد أو مجموعة
أفراد محدودي العدد أو غير مؤهلين، أو دون تنظيم وتخطيط ومراقبة ومحاسبة، وكل هذه
الأعمال جماعية، و«مؤسسية» وليست مجرد مهمات يمكن لأي كان الوفاء بها في ظل معطيات
الواقع وتعقيداته.
جادل
الأصوليون والفقهاء كثيرا بشأن من هو المخاطب بفرض الكفاية؟ وانحصرت آراؤهم بين
الأمة كلها، أو فئة معينة هي القادرة عليه أو فئة معينة عند الله تعالى غير معينة
عند الناس لا تظهر إلا عند القيام بالواجب، ومثل هذا الجدل كانت له قيمة عملية
وعلمية في زمنه ولا يزال محتفظًا بشيء من قيمته العلمية في زمننا، ولكنه لم يعد له
معنى يعتد به من الناحية العملية في الوقت الحاضر، وحجتنا في ذلك ما سقناه بشأن اختلاف
طرق تنظيم شؤون المجتمع المعاصر وتعقدها عما كانت عليه في الماضي.
جادلوا
كثيرًا أيضًا في مسألة سقوط فرض الكفاية، وهل يسقط عند تحققه، أم عند غلبة الظن
بذلك؟ وهذا الجدل مثل سابقه، فقد قيمته العملية وإن أحتفظ بشيء من قيمته العلمية،
وحجتنا في ذلك هي انتفاء الأساس المادي الذي قام عليه ذلك الجدل، بتقدم وسائط نقل
المعلومات ودقتها وسرعتها الفائقة من جهة، وتطور نظم الرقابة والمحاسبة من جهة
أخرى، بحيث لم يعد ثمة موجب لبحث الجانب الثاني من تلك الجدلية وهو الخاص بـ «غلبة الظن بتحققه»، فمن اليسير جدًا اليوم التأكد من التحقق، وتقديم كشف حساب
يوضح الخطة الزمنية لإنجاز المطلوب، إضافة إلى توافر أدوات متنوعة للمحاسبة
والمراجعة بهذا تنتهي واحدة من الجدليات الخاصة بفرض الكفاية كي ننتقل إلى مباحث
أكثر جدوى وأكفأ في مواجهة أسئلة الواقع الراهن، لا أسئلة مضت، وقطع الزمن بيننا
وبينها.
ومن
المسائل التي حظيت باهتمام كبير أيضًا من الفقهاء والأصوليين: المفاضلة بين فرض العين وفرض الكفاية، ومسألة انطباق «الكفاية» على المندوبات أيضًا وليس فقط الواجبات، وسلطة ولي الأمر
في تعيين من يقوم بأداء الفرض الكفائي، ومحصول ما حوته تلك المجادلات حول هذه
المسائل بالغ الأهمية من الناحيتين العلمية والعملية، وخاصة ما يتصل بفكرة «المندوب الكفائي»، ومثاله «الصدقات» وفي القلب منها الصدقة الجارية التي هي «الوقف»، ونجد في مناظراتهم ثراًء بالغًا.
وفي
رأينا أن كل تلك المجادلات تصب في مركز واحد هو أن فروض الكفايات معنية بتوفير
كثير من المرافق العامة، وبناء مؤسسات أهلية، وتقديم خدمات ومنافع عمومية وهي في
مجملها تقع في صلب وظائف المجتمع المدني بمعناه الحديث، وذلك على ما ظهر تاريخيا
وعمليا -مثلًا- من خلال الممارسات الاجتماعية للأوقاف والمؤسسات التي ارتبطت بها..
وهنا يتضح بجلاء أن «فرض الكفاية» يشكل الأساس النظري، والنواة الصلبة لما يطلقون عليه «المسؤولية الاجتماعية»، مع ملاحظة أن «فرض الكفاية» أوسع بكثير من مفهوم «المسؤولية الاجتماعية» وتطبيقاتها.
----------------------------
الهامش
1- انظر: أحمد بن إدريس القرافي، أنوار البروق في أنواع الفروق (بيروت: عالم الكتب، د.ت)، جزء ۱، ص ۱۱۷.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل