; الدم الرخيص! | مجلة المجتمع

العنوان الدم الرخيص!

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 26-فبراير-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1640

نشر في الصفحة 66

السبت 26-فبراير-2005

هل ثمة أمة رخص دمها، وهانت على نفسها وعلى الآخرين، إلى هذا الحد المثير للضحك والبكاء، كما رخص دم العربي والمسلم؟ لقد رخص الدم الإسلامي على الخصوم والأعداء، لأنه قبل هذا رخص على المسلمين أنفسهم حيث قتل بعضهم بعضاً، وذبح بعضهم بعضا، وجاءت القيادات المعاصرة لكي ترفع السكين في مواجهة رعاياها الذين لا يدينون لها بالطاعة، لهذا السبب أو ذاك فتحصدهم صباح مساء. 

وأذكر القارئ الكريم بمثال فج على المدى الذي بلغت به نظرة الآخرين للدم المسلم وهو ما أعلنته سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق منذ شهور عن دفع تعويض قدره ألفين وخمسمائة دولار أمريكي عن كل (عراقي) يقتل وهو يقوم بمهمة مجابهة أعمال المقاومة أو المندسين عليها من هنا وهناك. بينما كان التعويض الذي قدمته ليبيا لضحايا (لوكربي) يبلغ عشرة ملايين دولار للقتيل الواحد!

ألا يعكس هذا واحدة من أكثر حلقات السوء في حياتنا العربية والإسلامية المعاصرة...

أن تبلغ القيمة المالية للقتيل الأجنبي ما يزيد على أربعة آلاف ضعف بالمقارنة مع قيمة القتيل العربي أو المسلم؟!

لقد اصيب المسلمون بالوهن وسيطرت على أرواحهم محبة الدنيا وكراهية الموت، وهذا أول الوهن الذي يقود إلى الجبن والهزيمة والمذلة، وإيثار السلامة، والاستعداد للخيانة، حينذاك يمكن لعدوهم في الأرض، ولسكينه من احتزاز رؤوسهم كالأغنام. 

وعجزوا عن فهم مطالب القرآن المؤكدة بضرورة أن يكونوا حاضرين في قلب العالم الذي سخر لهم لكي ينقبوا في الأرض، ويكشفوا قوانينها، ويستخرجوا طاقاتها المذخورة، ويحموا دماءهم وأعراضهم وإيمانهم بالإعداد التقني الذي لا يغفل لحظة واحدة عن مواصلة الصعود إلى مستويات جديدة من القوة، كالذي يفعله الغربيون وأكثر.. إن الآية الواردة في سورة الحديد، بل اسم السورة نفسها، واضح تماماً في مدلوله، وكذلك المقاطع الخاصة بذي القرنين، وسليمان وداود ( عليهما السلام)، فضلًا عن آية الإعداد التي يعرفها الجميع ولا يكاد يعمل بها أحد وقعد المسلمون عن الدعوة إلى الله في ديارهم، فتركوا الساحة للخصوم يصولون فيها ويجولون ويزدادون قوة ومنعة وانتشاراً، حتى إذا دقت ساعة الحسم كان هؤلاء الخصوم مخلب القط الذي يمزق به الأعداء الخارجيون جلود المسلمين، والسكين التي يحتذون بها رقابهم، فتكون الداهية التي تضع أبناء هذا الدين في طاحونة الموت، فيطبق عليهم الجزار وأتباعه من الخارج والداخل، فتنزف الدماء أنهارا، ويكون هذا الذي يعرفه الجميع.

إننا نتذكر جميعًا، تحت وطأة إحساس قاس بالقهر والضياع، كيف أن اليهود كانوا يبادلون أسيرهم الواحد بعشرين أو خمسين أو ألف أسير عربي مسلم، بل إنهم كانوا يتنازلون عن حشود الأسرى والمعتقلين مقابل استرداد جثة قتيل يهودي واحد. 

ونتذكر أيضًا كيف أن أمريكا كانت ولا تزال تقيم الدنيا وتقعدها إذا اختفى لها رجل واحد، وكيف أنها تتخذ كل الإجراءات المشروعة وغير المشروعة، وتبذل بسخاء أسطوري الكثير من المال والمتاع من أجل استرداده.

 

الرابط المختصر :