العنوان الدور الأمريكي في الأزمة البوسنية
الكاتب د. محمد البقري
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996
مشاهدات 45
نشر في العدد 1209
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-يوليو-1996
كانت منطقة البلقان دائما نقطة تتصاعد منها الأزمات في القارة الأوروبية، فبعد الحرب التركية الروسية عام ۱۸۷۸م قررت القوى العظمى في مؤتمر برلين إعادة تقسيم شبه جزيرة البلقان، حيث أعادوا مقدونيا إلى بلغاريا التي اقتطعوا جزءًا من أراضيها الشمالية ومنحوه لرومانيا، بينما أدخلت كل من كرواتيا وسلوفينيا في الإمبراطورية النمساوية الهنجارية التي أثرت على طبيعة النمو الاقتصادي في البلدين وعلى ارتباطهما بأوروبا بشكل إيجابي يختلف عن باقي دول المنطقة، وهكذا ظلت كرواتيا على وجه الخصوص منذ عام ۱۸۷۹ م وحتى ۱۹۱۸م ترتبط بالنمسا والثقافة الألمانية، لكنها بعد الحرب العالمية الأولى أدخلت في دولة يوغسلافيا التي ضمت إضافة إليها كل من صربيا، مقدونيا، سلوفينيا، الجبل الأسود البوسنة والهرسك.
وخلال الحرب البلقانية الأولى عام ۱۹۱۲م تمكنت اليونان وبلغاريا من السيطرة على مقدونيا التي كانت تحت سلطة الأتراك واقتسماها بينهما حيث تعتقد بلغاريا بأن مقدونيا بالمنظور التاريخي جزء من أراضيها، ولكن لعدم القبول الكامل من جانب اليونان بهذا التقسيم ورغبتها في الاستيلاء الكامل على مقدونيا اندلعت الحرب البلقانية الثانية عام ١٩١٣م، تلك الحرب التي قاتلت فيها تركيا هذه المرة بجانب اليونان، ونجحت في احتلال جزء من الأراضي البلغارية، وأجبرت بلغاريا على توقيع اتفاقية تخلت فيها عن مقدونيا.
وأثناء الحرب العالمية الثانية استغل هتلر العلاقات الألمانية الكرواتية ليعقد صفقة مع القيادات في كرواتيا يحصلون من خلالها على استقلال دولتهم مقابل أن يتم تشكيل جهاز شرطة كرواتي يساعد القوات الألمانية في حملتهم ضد الصرب، لكن الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية فرضت على كرواتيا العودة مرة أخرى إلى إطار الفيدرالية اليوغسلافية، وذلك يرجع إلى الرئيس اليوغسلافي السابق جوزيف بروز تيتو لكونه كرواتيًا، وبوجوده على رأس الفيدرالية اليوغسلافية تمكن من جمع الكروات والصرب رغم التناقضات الكبيرة بينهما في شكل اتحادي بدا وكأنه اصطناعي وغير طبيعي، ظهرت عليه علامات التصدع والتشقق بعد وفاة تيتو، ووصلت التناقضات إلى ذروتها مع بداية التحولات والتغيرات التي لحقت بمنطقة أوروبا الشرقية عام ۱۹۸۹م لتثمر في نهاية الأمر انهيار الفيدرالية اليوغسلافية مع بدايات عام ١٩٩٢م.
النفوذ الغربي بعد انهيار يوغسلافيا:
ومع انهيار الفيدرالية اليوغسلافية راحت الدول الغربية تحاول الحصول على نصيبها من التركة اليوغسلافية، فأسرعت إيطاليا إلى احتواء جمهورية سلوفينيا نظرًا للاقتراب الجغرافي بينهما لتتحول إلى ما يشبه المحمية الإيطالية وتعلن أنها لا تعتبر نفسها منتمية إلى منطقة البلقان، بينما عادت كرواتيا إلى ماضيها لترتمي في الأحضان الألمانية لارتباطها التاريخي والثقافي بها، في الوقت الذي بقيت كل من صربيا والجبل الأسود في اتحاد يوغسلافي مصغر يحافظ على علاقاته التقليدية مع روسيا من الناحية السياسية أو السلافية، أو الدينية الأرثوذوكسية، وبذلك لم يتبق على الساحة من التركة اليوغسلافية سوى جمهوريتي مقدونيا والبوسنة والهرسك.
وكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتواجد هي الأخرى في هذه المنطقة، وعليها أن تفاضل بين الجمهوريتين المتبقيتين، إلا أنه في البداية كانت كل المعطيات تؤدي إلى ضرورة استبعاد مقدونيا لعدة أسباب جوهرية أهمها أنها الجمهورية اليوغسلافية الوحيدة التي تضم اتجاهات عرقية متعددة ومتناقضة ولها خلافاتها التاريخية مع جميع الدول المحيطة بها، فصربيا على الجانب الشمالي تنظر إليها على اعتبارها جزءًا من أراضيها، واليونان من الناحية الجنوبية تعارض الاعتراف بمقدونيا من منظور تاريخي وسياسي يرجع إلى اعتقاد اليونان أن نصف الأراضي المقدونية هي يونانية الأصل وترفض وجود دولة تحمل اسم مقدونيا لاعتقادها بأنها الوريثة الوحيدة للشخصية التاريخية «الكسندر المقدوني» ذو الأصل اليوناني، أما المنظور السياسي فيرجع للعلاقات الصربية اليونانية التقليدية خاصة بين الأحزاب الاشتراكية في كلا البلدين، ولذا كانت اليونان هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي افتتحت في عاصمتها مكتب اتصال على مستوى سفارة الصرب البوسنة.
وعلى الجانب الغربي لمقدونيا تأتي ألبانيا التي تتمتع بارتباطها بالأقلية الألبانية في مقدونيا والتي تمثل أعلى نسب الأقليات العرقية، ومن هنا يأتي الخلاف الألباني المقدوني، وعلى الجانب الشرقي تأتي بلغاريا التي كانت أول دولة في العالم تعلن عن اعترافها بجمهورية مقدونيا كدولة مستقلة، لكنها في نفس الوقت رفضت الاعتراف بوجود شعب مقدوني، حيث إن بلغاريا هي الأخرى تنظر إلى مقدونيا بالمنظور التاريخي على اعتبارها جزءًا من أراضيها، وأن الحقيقة الدالة على ذلك هي اللغة المشتركة التي تجمع بين الدولتين على الرغم من رفض السلطات المقدونية لهذه الحقيقة، وهذا الرفض مازال عاملًا أساسيًا في عدم توقيع أية اتفاقية للتعاون بين بلغاريا ومقدونيا لإصرار الجانب المقدوني على ضرورة أن تنص الاتفاقيات على أنها كتبت باللغتين البلغارية والمقدونية بينما هي لغة واحدة، وكانت الولايات المتحدة تدرك أيضًا إضافة كل هذه الأزمات المتشابكة بين مقدونيا وجيرانها أن هناك إقليم كوسوفا الصربي ذا الأغلبية الألبانية والذي تجمع حدوده بينه وبين مقدونيا، وهذا الإقليم ينظر إليه على اعتباره القنبلة الموقوتة للمنطقة التي يمكن أن تنفجر بين حين وآخر وهكذا نظرًا لكل هذه العوامل وقع الاختيار الأولي للولايات المتحدة على البوسنة والهرسك لتكون موقعًا لها في المنطقة.
واندلعت الحرب في البوسنة ووقفت الولايات المتحدة لتعلن بشكل واضح عن مساندتها ودعمها الحكومة سراييفو، ودعم المجتمع الدولي للاعتراف بالبوسنة كدولة موحدة وقبولها عضوًا في الأمم المتحدة والمؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية مع السعي لإصدار قرار مجلس الأمن الدولي بفرض العقوبات الاقتصادية الدولية على الاتحاد اليوغسلافي المصغر صربيا والجبل الأسود، إلا أنه مع هذا الدعم الواضح سعت الولايات المتحدة على الجانب الآخر ليصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يعد من الشكل الظاهري تناقضًا في الموقف الأمريكي، حيث نص القرار على فرض الحظر الدولي على توريد السلاح لدول المنطقة اليوغسلافية مع عدم تحليق الطائرات في سماء البوسنة والهرسك، وأن يتولى حلف شمال الأطلسي مراقبة وتنفيذ هذا القرار.
وكان التناقض في شكله الظاهري يتمثل في أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك تمامًا أن هذا الحظر لن يتضرر منه سوى الطرف المسلم وحكومة سراييفو، فالطرف الصربي الذي تجمعه حدود مع جمهورية صربيا سوف يحصل على ما يريد من حكومة بلجراد وهذا بالفعل ما تم، والطرف الكرواتي والذي له حدود مشتركة مع جمهورية كرواتيا سيحصل هو الآخر على ما يريد من حكومة زغرب، وهذا أيضًا ما تم بالفعل، بينما سيبقى الطرف المسلم فاقدًا لأي عون أو مدد عسكري لافتقاده الحدود المشتركة مع أية دولة يمكن أن تمد له يد العون وبذلك سيصبح مكتوف الأيدي.
مصالح وأهداف عسكرية وسياسية:
إلا أن الولايات المتحدة بهذا القرار وهذه الخطوة تسعى لتحقيق عدد من المصالح والأهداف السياسية والعسكرية الخاصة بغض النظر عن الضرر الذي سيلحق بالطرف المسلم، فهي بداية تدرك بأنه عند إقرار السلام في البوسنة فإنها ستجد نفسها تتعامل مع الأطراف الثلاثة الصرب والكروات والمسلمين وفق التقسيمة العرقية للجمهورية وهذه الخطوة قد تسهل لها التعامل مستقبلًا مع الطرفين الأكثر قوة «الصرب والكروات» هذا بالإضافة إلى أن التجارب قد أثبتت بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتعاون مع الدول والأطراف المسلمة فقط من زاوية عدائهم الديني والتاريخي للتيارات الشيوعية أو الاشتراكية، ولكن لم تسمح في أي ظرف كان بوجود دولة إسلامية قوية، بل تسعى دائمًا لإضعافهم بغض النظر عن تأييدها السياسي.
وتجربة أفغانستان مازالت عالقة في الأذهان حيث ساندت الولايات المتحدة التيارات والدول الإسلامية في طرد الاحتلال السوفييتي الشيوعي منها تحقيقًا لأهداف سياسية أمريكية، وبعدها تركت الفرق والمجموعات والأحزاب الإسلامية الأفغانية تقاتل بعضها البعض لتضعف من تواجدها وبالتالي من الدولة ذاتها، بل إن بعض الصحف الأمريكية مؤخرًا قد كشفت أن السلاح الأمريكي يذهب إلى الجانبين مما يؤكد الرؤية المطروحة.
وعلى جانب آخر فإن قرار مجلس الأمن الذي بدا متناقضًا شكلًا يحقق عدة أشياء أخرى للسياسة الأمريكية منها على سبيل المثال:
تمكن الولايات المتحدة الأمريكية بالتواجد عسكريًا ومن خلال تواجدها الرئيسي في حلف شمال الأطلسي «الناتو» في منطقة البلقان تحت راية الرقابة الكاملة لتنفيذ الحظر العسكري، مع إطلاق أقمارهما الصناعية وطائراتها الاستطلاعية وحاملات الطائرات المتواجدة في البحر الأدرياتيكي، إضافة إلى أجهزة المخابرات والاستطلاعات الأمريكية الأخرى في المنطقة، وهذا وحده يعد كافيًا لاستكشاف أسرار المنطقة عسكريًا وأمنيًا سواء في مواجهة العلاقات الروسية أو حتى الأوروبية وبالتحديد الألمانية.
إن القرار يفرض في حد ذاته حالة من الحالات التي تسمى عسكريًا حرب المراحل، أي تفتقر الأوضاع العسكرية لحرب طويلة الأمد تتصارع فيها الآلة العسكرية، الأمر الذي يحتاج إلى مد عسكري مباشر ومنتظم للأطراف المتحاربة، وهذا يحقق للولايات المتحدة أهدافًا عديدة منها:
- التحكم في مدى الحرب ومدتها دون تحديد المنتصر والمهزوم، واستغلال أوضاعها للمناورات السياسية سواء كانت المحلية في المنطقة اليوغسلافية أو الدولية.
- استخدام ورقة البوسنة والهرسك والحرب الدائرة فيها كورقة رابحة في تعطيل الوحدة الأوروبية التي كانت على الأبواب قبل اندلاع الحرب، إضافة إلى استخدامها كورقة ضاغطة على الأصوات والدول الأوروبية التي كانت تطالب بإبعاد الولايات المتحدة عن هذه القضية على اعتبار أنها قضية أوروبية.
- استخدام البوسنة وإطالة الحرب فيها كورقة رابحة في الضغوط السياسية الأمريكية على روسيا، حيث تدرك واشنطن الحاجة لتمسك موسكو بما لها في يوغسلافيا على اعتباره آخر الأوراق السياسية الروسية في المنطقة الأوروبية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وفي المنطقة البلقانية، وأن هذا التواجد الروسي له شروطه وصفقاته المتبادلة مع الولايات المتحدة التي يجب أن توضع في الحسبان الأمريكي.
تطرح قضية إطالة الحرب موضوع إعادة ترتيب النظام الأمني الأوروبي الذي لا يمكن أن يتم بعيدًا عن الولايات المتحدة بقوتها في حلف الناتو.
حجب التعامل بين الدول الإسلامية والبوسنة قرار الحظر أيضًا يحجب عملية التعامل المباشر بين الطرف المسلم في البوسنة والدول الإسلامية الأخرى القادرة والراغبة في تقديم الدعم العسكري في مواجهة الطرف الصربي، ويدفع بهذه الدول بل يجبرها على التعامل مع البوسنة عبر الولايات المتحدة الأمريكية.
وهكذا فإن القرار على الرغم من تناقضه ظاهريًا إلا أنه كان يحقق أهدافًا بعيدة المدى للسياسة الأمريكية، وقد تبع هذا القرار عدة مواقف لها هي الأخرى أهدافها رغم التناقض الذي ظهرت عليه، فنرى على سبيل المثال بأنه في الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة إلى خلق مناطق آمنة للمسلمين في البوسنة كانت تسعى الإصدار هذا القرار بشكل متباطئ يحقق للطرف الصربي فرصة كافية لممارسة التصفية وسياسات التطهير العرقي، إضافة إلى تضمين القرار أن تكون هذه المناطق الآمنة منزوعة السلاح وتحت رقابة وحماية القوات الدولية التي لم يتجاوز عددها في كل الأحوال في أية منطقة عن بضعة عشرات من الجنود، وفي الوقت الذي كانت تسعى لاتخاذ قرار خاص بالعاصمة سراييفو ووضعها تحت الحماية الدولية سمحت طوال فترة المعارك التي استمرت قرابة الأربعة أعوام بحصار القوات الصربية الكامل لهذه المدينة، وفي الوقت الذي تركت فيه قوات الأمم المتحدة يستخدمون كرهائن ودروع بشرية من الطرف الصربي دون تدخل راحت بقواتها البحرية للتدخل السريع بانتشال الطيار الأمريكي الذي سقطت طائرته داخل الأراضي الواقعة تحت السيطرة الصربية، وهي تدرك بأن هذه الخطوة قد حققت للطرف الصربي نصرًا سياسيًا كبيرًا، لكنها حققت لها نصرًا سياسيًا أكبر على الدول الأوروبية الغربية التي راحت تعلن وتعترف بضرورة التواجد الأمريكي لحل الأزمة البوسنية. ومن هنا كانت بداية المساومات الأوروبية الأمريكية عن طريق الحليف البريطاني التقليدي لأمريكا الذي وضع أمام المسؤولين في البيت الأبيض المطلب الأوروبي، الذي يعطي الضوء الأخضر للتدخل الأمريكي المباشر مقابل الإصرار وعدم التراجع في عدم إقامة دولة إسلامية في البوسنة والهرسك، بغض النظر عن صيغة الحل للأزمة البوسنية، ومع هذه المساومة بدأت الولايات المتحدة في إعادة ترتيب مواقفها والخروج برؤية جديدة تجاه البوسنة مستغلة الضوء الأخضر الذي منحه لها الاتحاد الأوروبي بالتحرك بمفردها، وكانت شروطها تتمثل في عدة نقاط:
الاحتفاظ بلجنة الاتصال الدولية للبوسنة المشكلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، إلا أن التحرك سيتم في إطار أمريكي بحت.
إن خطة السلام التي كانت مطروحة من لجنة الاتصال التي اصطلح على تسميتها أولًا خطة «فانس أوين» ثم «أوين- تور فالد شتولتن برج» لن تكون قاعدة للحل والرؤية الأمريكية.
إن الولايات المتحدة قررت نقل تواجدها المباشر من البوسنة والهرسك إلى جمهورية مقدونيا، وعليه فيجب على الاتحاد الأوروبي التدخل لحل جميع القضايا التي تعيق وجود مقدونيا كدولة مستقلة.
الموافقة الأوروبية على أن يكون الحل الأمريكي مدعومًا عند تنفيذه بقوات حلف شمال الأطلسي وليس قوات الأمم المتحدة، وفي هذه الحالة يمكن لواشنطن المشاركة بقوات أمريكية.
وكان من الطبيعي وسط الضياع الأوروبي وعدم القدرة على وجود الحل المناسب للأزمة البوسنية أن توافق الدول الأوروبية الغربية على المقترحات والمطالب الأمريكية وراحت من جانبها تعلن عن اعترافها الرسمي والدبلوماسي بدولة مقدونيا مع ممارسة الضغوط على حكومة اليونان التوقيع اتفاقية بينها وبين جمهورية مقدونيا ترفع بمقتضاها اليونان الحصار التجاري الذي فرضته على الجمهورية اليوغسلافية السابقة مع العمل على تطبيع العلاقات معها مقابل أن تقبل حكومة أسكوبيا بتغيير العلم وشعار الدولة الذي كان يمثل نجمه الكسندر المقدوني الأمر الذي كان محل اعتراض أساسي من اليونان على أن تبقى قضية اسم الدولة مؤجلة للوصول إلى حل لها من خلال لجان مشتركة وبالحوار الدبلوماسي، في الوقت الذي وافق فيه مجلس الأمن الدولي على إرسال قوات لحفظ السلام الدولية إلى مقدونيا لنشرها على الحدود مع صربيا، ولتكون مقدونيا أول دولة في تاريخ الأمم المتحدة يرسل إليها القبعات الزرقاء ليس لفك اشتباك أو معارك، وإنما لمنع حدوث معارك أو حروب، «وهنا لاحظ العديد من المراقبين أن الولايات المتحدة التي كانت تفرض بإصرار إرسال قوات لها إلى البوسنة أو المنطقة اليوغسلافية قد أسرعت بإرسال قواتها إلى مقدونيا في إطار قوات حفظ السلام».
ولم ينته الدور الأوروبي إلى هذا الحد في دعم الرؤية الأمريكية بل تحرك اللوبي البريطاني بما له من علاقات تقليدية قديمة مع حكومة بلجراد لإقناع الرئيس الصربي بضرورة تعديل موقفه من المطالبة بمقدونيا مقابل وعود بحصول صرب البوسنة على مكاسب جغرافية وسياسية، أما ألبانيا فقد تولت واشنطن أمرها بالتفاوض الذي نتج عنه منح الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة عسكرية فيها وبذلك تأمنت جميع الحدود تقريبا التي تجمع بين الدول المجاورة ومقدونيا والتي كانت تحمل في طياتها أزمات عرقية.
وبعد أن ضمنت الولايات المتحدة ذلك وحصلت على البديل الجغرافي لها في المنطقة راحت تضع رؤيتها الجديدة لحل القضية البوسنية في إطار تحقيق الرغبة الأوروبية في عدم وجود دولة إسلامية في أوروبا، ولذا فقد قررت الولايات المتحدة استخدام أسلوب ونموذج الفيدرالية، كظل تستند عليه كقاعدة لحل هذه القضية، فكانت الضغوط الأمريكية المدعومة أوروبيا على كرواتيا والرئيس الكرواتي فرانيو تودجمان عبر السفير الأمريكي في زغرب بضرورة أن تعلن كرواتيا دعمها لإعلان شكل فيدرالي في البوسنة يجمع بين مسلمي وكروات البوسنة على أن يكون من الممكن في مرحلة لاحقة إقامة كونفدرالية بين هذه الفيدرالية وجمهورية كرواتيا مما يحقق بعض الأهداف والمطامع الكرواتية في البوسنة، ووصل الضغط السياسي إلى حد أن هددت واشنطن بأن أي فشل للفيدرالية سيعرض كرواتيا لفرض عقوبات اقتصادية دولية.
* الولايات المتحدة استخدمت الحرب في البوسنة كورقة رابحة لتعطيل الوحدة الأوروبية وكورقة ضغط ضد النفوذ الروسي في البلقان نموذج الفيدرالية للقضاء على الوجود الإسلامي
وكان موديل الفيدرالية، هو الشكل الذي قررت به واشنطن القضاء على الوجود الإسلامي كدولة في المنطقة، حيث طرح الحل بداية على تقسيم البوسنة بين الجمهورية الصربية والفيدرالية الكرواتية المسلمة، وفي الوقت الذي سيسمح مستقبلًا بعلاقات خاصة بين الجمهورية الصربية في البوسنة وجمهورية صربيا في الاتحاد اليوغسلافي المصغر سيسمح في نفس الوقت بعلاقات خاصة يمكن أن تصل إلى حد الكونفدرالية بين الفيدرالية الكرواتية المسلمة في البوسنة وبين جمهورية كرواتيا، وبالتالي مع مرور بعض الوقت يتحول الثقل السياسي في هذه المنطقة ويقسم بين حكومتي بلجراد وزغرب بعيدًا عن أي تأثير الحكومة سراييفو التي ستتحول إلى إقليم داخل النفوذ الكرواتي لا يملك علاقاته السياسية أو الاقتصادية المستقلة، وسيكون عليها إما التعامل من خلال بلجراد أو من خلال زغرب والعاصمتين لن تسمحا بأية حال من الأحوال بتنامي النفوذ المسلم في سراييفو عقبات أمام الخطة الأمريكية وعندما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية البدء في تنفيذ هذه الرؤية كان أمامها على أرض الواقع عدد من العقبات التي يجب التغلب عليها أولًا تمهيدًا لفرض الخطة الأمريكية الجديدة، وتمثلت هذه العقبات فيما يلي:
أولًا: احتلال الصرب لإقليم كرابينا ولغرب وشرق سلافينا بجمهورية كرواتيا يعيق الحصول على الموافقة الكرواتية، هذا بجانب أن وجود الاحتلال الصربي في إقليم كرابينا المتاخم للحدود البوسنية يعيق ويتناقض مع التقسيم الجديد الذي تطرحه الخطة الأمريكية.
ثانيًا: أن المناطق المسلمة الآمنة داخل البوسنة والتي حددت بخمس مناطق هي «سربيرينيتسا- جيبا- جوراجدي- توزلا- بيهاتش- إضافة إلى العاصمة سراييفو» يقع بعضها داخل المناطق الشرقية المتاخمة للحدود الصربية، وبالتحديد منطقتي سربيرينيتسا وجيبا وهذا أيضًا يتناقض مع التقسيم الجديد.
ثالثًا: منطقة وسط البوسنة والتي حددها التقسيم الجديد لصالح الفيدرالية الكرواتية المسلمة تمنح الطرف الصربي بعض المدن والقرى فيها، ويصعب المطالبة بالانسحاب منها، الأمر الذي يشكل التناقض الثالث في التقسيم الجديد.
وأمام تلك العقبات الثلاث رأت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا بد من تغيير الخارطة والتوزيع الجغرافي للقوات الخاصة بالأطراف الثلاثة قبل أن تبدأ بعرض خطتها السياسية، ولذا فقد أعطت أولًا الضوء الأخضر لكرواتيا بشن هجوم عسكري لتحديد إقليم كرابينا ومنطقة غرب سلافونيا، وكان واضحًا منذ بداية العمليات العسكرية الكرواتية أن صمت بلجراد وموافقة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش على عدم التدخل بقواته الفيدرالية للدفاع عن صرب كرايينا أن هناك صفقة دولية قد تمت وإن كانت معالمها في ذاك الوقت لم تتضح بعد، وتلت هذه الخطوة خطوة عسكرية أخرى حيث أعطى الضوء الأخضر للجيش الكرواتي النظامي بالعبور داخل الأراضي البوسنية لمساندة قوات الجيش البوسني في تحرير عدد من القرى والمدن في غرب ووسط البوسنة، وبذلك يظهر أمام الرأي العام الدولي أن قوات الجيش البوسني تحقق انتصارات كبيرة، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي متقبلًا لأي رد فعل من القوات الصربية التي منحت بدورها هي الأخرى الضوء الأخضر وبدلًا من أن تواجه قوات الجيش البوسني الزاحفة على وسط البوسنة راحت وفق المخطط تغزو منطقتي سربيرينيتسا وجيبا وترتكب أفظع جرائم الحرب المتمثلة في عمليات القتل الجماعي داخل تلك المناطق التي تعد من المناطق الواقعة تحت الحماية الدولية في وقت أغمض فيه المجتمع الدولي عينيه، حيث كانت القوى العظمى تدرك طبيعة المخطط الجديد الذي كان يقضي ليس فقط باحتلال الصرب للمنطقتين، وإنما يقضي أيضًا بضرورة إبادة العنصر المسلم فيها، لأن وجوده مستقبلًا سيكون عنصرًا مقلقًا داخل المجتمع الصربي.
صفقة مجحفة بحق:
اتفاقية دايتون جاءت لتمثل الضربة الأخيرة على أيدي أمريكا للقضاء على حلم إقامة دولة للمسلمين بينما منحت الصرب جمهورية مستقلة على ٤٩% من الأرض
وبعد أن تحقق للولايات المتحدة تبديل وتعديل الخارطة الجغرافية للقوات على الساحة البوسنية أرسلت بمبعوثها ريتشارد هلبروك ليعرض الجانب السياسي من الخطة التي منحت الطرف الصربي ٤٩% من المساحة الجغرافية، بينما منحت الفيدرالية الكرواتية المسلمة ٥١% وبنظرة على التقسيم الجغرافي فقط تدرك مدى النصر الذي حققه الطرف الصربي ومدى قيمة الصفقة التي تمت مع حكومة بلجراد، فالتوزيع السكاني بين الأطراف العرقية الثلاث في البوسنة يمنح المسلمين ٤٦%، والصرب ٢٦%، والكروات ۱۸%، ومع هذا فقد وافقت الولايات المتحدة على التوزيع الجغرافي الجديد لأنها كانت تدرك منذ البداية أن حقيقة التوزيع تتم بين صربيا وكرواتيا، وأن المسلمين لا موقع لهم في هذه الخطة السياسية، وهكذا فقد حققت اتفاقيات السلام الأمريكية والتي اصطلح على تسميتها اتفاقيات دايتون العديد من الأهداف والانتصارات الصربية فقد منحت الصرب ٤٩% من المساحة الجغرافية.
- منحت الصرب جمهورية صربية مستقلة داخل البوسنة.
- منحت الصرب الأراضي الشرقية بما فيها منطقتي سربيرينيتسا وجيبا.
- تسمح لهم بإقامة علاقات خاصة تجارية وثقافية وسياسية مع الدول المجاورة، أي مع الاتحاد اليوغسلافي المصغر، مما يعتبر موافقة جماعية على خطوة مستقبلية بالانضمام إلى هذا الاتحاد.
- رفعت العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على حكومة بلجراد وهي الداعم الأساسي والمحرك الفعلي للحرب داخل البوسنة.
- وافقت الاتفاقية على ترحيل قضية ممر بوسانسكا الواقع بجوار مدينة بيرتشكو والذي يربط المناطق الصربية الواقعة في شرق البوسنة بتلك المناطق الواقعة في الغرب، ثم ترحيلها للنظر أمام محكمة دولية، حيث نصر كرواتيا على الاحتفاظ بهذا الممر، وتدل كل المؤشرات على أن هذا الممر سيمنح للطرف الصربي في عملية تقايض يتم بموجبها الانسحاب الصربي الكامل من منطقة شرق سلافونيا المنطقة الكرواتية الوحيدة المتبقية تحت السيطرة الصربية مقابل السماح بسيطرة الصرب في البوسنة على هذا الممر الذي يمثل لهم نقطة استراتيجية هامة.
مكاسب الكروات:
وعلى الجانب الآخر نجد أن كروات البوسنة تحقق لهم تحرير المدن الكرواتية والعودة إلى السيطرة على منطقة بيهاتش المتاخمة للحدود الكرواتية مع السماح لهم بالمشاركة في السلطة البوسنية بنسبة أعلى من خلال الفيدرالية الكرواتية المسلمة، مع السماح لهم وفق قوانين تلك الفيدرالية بالتعامل سياسيًا واقتصاديًا مع جمهورية كرواتيا، وفي مقابل ذلك لا نجد شيئًا قد تحقق للطرف المسلم سوى وقف عمليات الإبادة التي كانت تلاحقه سواء من الجانب الصربي أو الكرواتي، وبنظرة سريعة على ما حدث ويحدث بعد توقيع اتفاقيات دايتون يتأكد لنا صحة الرؤية الأمريكية في القضاء على مسلمي البوسنة سياسيًا.
فبعد أن تم تنفيذ الشق العسكري من الاتفاقية بسحب قوات الأطراف الثلاثة، وخلق مناطق منزوعة السلاح، وسحب المعدات الثقيلة داخل معسكرات تقع تحت الإشراف الدولي، جاء الدور على الشق المدني، فنرى أنه في الوقت الذي يرفض فيه الطرف الصربي عودة اللاجئين المسلمين إلى منازلهم ومناطقهم الواقعة داخل الجمهورية الصربية في البوسنة، في الوقت ذاته يرفض الطرف الكرواتي أيضًا عودة اللاجئين المسلمين إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الكرواتية، الأمر الذي يدفع بحكومة سراييفو إلى تسكين اللاجئين في مناطق أخرى حول العاصمة وضواحيها أو بالقرب من بعض المدن المسلمة في وسط البوسنة، وعلى الرغم من ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي ولم نر تحركّا أمريكيًا جادًا من أجل تسكين اللاجئين على الرغم من أن هذا الأمر تنص عليه اتفاقيات السلام، إلا أن هذا الصمت له مبرراته السياسية التي تكشف بدورها عن المخطط الأمريكي.
الخطوة الأولى نحو التقسيم السياسي العرقي فعدم السماح بعودة اللاجئين يحقق وجود مناطق عرقية بحتة -صربية وكرواتية ومسلمة- ومع إجراء الانتخابات البرلمانية على الأرض البوسنية خلال شهر سبتمبر القادم ١٩٩٦م تسفر النتائج وبشكل طبيعي عن توزيع عرقي للأعضاء البرلمانيين، حيث سيصبح البرلمان ممثلًا لمناطق عرقية باتجاهات عرقية للنواب، الأمر الذي يعد خطوة أساسية على التقسيم الجغرافي، فعندما تفتقد المنطقة إلى التعددية العرقية حتى على المستوى السياسي تصبح تلقائيًا مقسمة على المستوى الجغرافي، وهذا ما يسهل عمليات الوحدة بين صرب البوسنة وجمهورية صربيا والوحدة بين كروات البوسنة وجمهورية كرواتيا ويصبح الطرف المسلم في نهاية المطاف ممثلًا بعدد من النواب يمثلون عددًا من المناطق العرقية التي تفتقد لأبسط قواعد الاستقلال والسيادة.
وكان هذا المخطط واضحًا منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها نصوص اتفاقيات دايتون، حيث نصت على تقسيم البوسنة بين الجمهورية الصربية والفيدرالية الكرواتية المسلمة في إطار دولة موحدة يطلق عليها البوسنة والهرسك وأرادت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا النص الالتفاف على عقول المفكرين والواعين في المجتمع الدولي، وكان السؤال كيف يمكن الاعتراف دوليًا بكيانين يمثل كل منهما دولة مستقلة داخل دولة واحدة؟ الأمر الذي يتناقض مع أبسط التفسيرات القوانين المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بتعريف الدولة المستقلة ذات السيادة.
ولكن كان هذا النص على الجانب الآخر هو الصيغة التي تتهرب بها الولايات المتحدة الأمريكية من مسؤولياتها بعدما عملت هي على دفع المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالبوسنة والهرسك كدولة مستقلة موحدة لها عضويتها المستقلة بالأمم المتحدة، وذلك قبل أن تعيد حساباتها وتلقي بالبوسنة والطرف المسلم فيها في سلة المهملات الدبلوماسية الدولية.