العنوان معالم على الطريق.. الديكور الحزبي في مفترق الطرق
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995
مشاهدات 60
نشر في العدد 1154
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-يونيو-1995
الأحزاب في العالم الثالث تماثيل منصوبة وخشب مسندة وطبول مخروقة وصور باهتة وظلال شاردة وزعماؤها قطط أليفة ومخلوقات مدجنة، وظهور وطيئة، ومراكب مسرجة، وببغاوات ملقنة تأليف وتلحين السلطات وصناعات واختراعات الأنظمة وتربية وتعليم السادة. ورعاية وعناية أولي الأمر، لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بالقيافة والعيافة والهيافة، ولا تشغل نفسها بتدبير الأمور. وإنما تشغل نفسها بإطلاق البخور، وقياس الأتور، لا تستشار في صغير أو كبير، ولا يسمع لها في جليل أو حقير.
ويُقْضى الأمرُ حين تغيبُ تَيْمٌ ولا يستأمرون وهم شهودُ
لا تحظى بتداول السلطة ولا بالوصول إلى سدة الحكم وإنما ترضى أن تكون وصيفات أو غلمان له لا تستطيع أن تذكر منكرًا، أو تعترض على فساد أو تمنع جريمة أو تدافع عن مظلوم؛ لأنها لا تسمع ولا تنطق ولا ترى لا تقدر أن تطالب بإصلاح أو ترسم طريق فلاح أو تقترح خطة رشاد، لأنها غير مؤهلة لذلك، ولا مدربة عليه ولا وجدت لأجله ولهذا نعمت حياتنا السياسية بالفشل، وسعدت بالتفاخر، وهنئت بالثورات والانقلابات وحكم العسكر، وفازت بالعنف والضرب في المليان.
لقد غابت شعوب العالم الثالث أو غيبت فصنعت لها أحزاب باسمها، وهيئات بتوقيعها، وحكومات تتكلم بلسانها، وترى بعيونها، وبرلمانات ومجالس تتحدث بأمرها وتنطق بإرادتها، وتعرف مصالحها، وتكتم أنفاسها، والحقيقة أن أسوأ نوع من أنواع الاستبداد هو الذي يأتي عن طريق مظاهر تمثيلية أو نيابية أو ديكورات حزبية؛ لأنه يكون نظامًا مشوهًا معسولًا لقيطًا يستبد بالشعب باسم الشعب، ويقتل الأمة باسم الأمة، ويحطمها ويحجب المبدعين ويطلق السفلة والغوغاء وقطاع الطرق فيتكون منهم رأس نظام، ويتألف منهم عقل أمة.
أي دهرٍ نحنُ فيه مات فيه الكبراءُ
هذه السفلةُ والغوغاءُ فينا أمناءُ.
ما لنا شيءٌ من الأشياءِ إلَّا مَا تَشَاءُ
ضحت الأرض وقد ضحت إلى الله السماءُ.
رفع الدينُ وقد هانتْ على الباغي الدماءُ.
يجب أن تترك الشعوب لتكون هي الأحزاب لتدافع عن حقوقها، وتحمل توجهاتها، وتحافظ على مصالحها، يجب أن يفسح المجال للشعوب لتتحمل تبعات اختيارها، وتحاسب ممثليها، وتناقشهم وتسقطهم إن أرادت وتعاقبهم إن رأت ذلك، إنَّ أماتت دور الشعوب أصابها بالإحباط ووصمها بالسلبية، وحكم عليها باللامبالاة وحطم فيها الإرادة، وسلبها الهوية والتميز لقد ألفت حكومات كثيرة أحزابًا مصنوعة حسب إرادتها وشهواتها وخبلها، وسمتها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان وصنعت لها برامج ودبجت لها أهدافًا عديدة أحزابًا اشتراكية وقومية وشيوعية، وتحريرية وتقدمية... إلخ، وذهبت كأمس الدابر مخلفة وراءها الجراح والخراب والتأخير؛ لأنها من بنات الأهواء والشطحات ولا تمتُ إلى الأمة بصلة أو نسب، وهل يتصور أن تكون هناك أحزاب وحريات ومعارضة في ظل الأحكام العرفية أو قانون الطوارئ وهل يتصور إنسان أن تجرى انتخابات حرة في ظل حكم عسكري أو سلطوي أو مباحثي أو إرهابي يملك كل شيء حتى الأرزاق، ويعامل الناس بالحديد والنار.
وقِيِلَ انتخَاَبٌ قلتُ في الشكلِ وحدهُ
كشوفٌ وأصواتٌ وكلٌ معينُ
فما ناجحٌ إلا المرادُ نَجَاحهُ
ولو أنه كلٌ على الناس هينُ.
لقد باتَ أمرُ الناسِ نهبًا مقسمًا
ولا تطلبوا البرهانَ فالأمرُ بيِّنُ.
فهل يتصور أن تعيش بلاد تحت الأحكام الاستثنائية ستة عقود من الزمن يقهر فيها الإنسان، وتجهض ملكاته، وتؤكل حقوقه، وتبدد مقدراته ولا حسيب أو رقيب أو رحمة هل يتصور أن تبلغ هذه البلاد شيئًا أو تنال مثالًا أو تحقق هدفًا أو تبني صناعة، أو تصنع حضارة أو تكسب رخاء.
فمثلًا عاشت أرض الكنانة تحت فساد الحكم ردحًا من الزمان، ثم جاء الاستعمار فعلك برقاب وائل العباد، وأفسد الحياة، ثم جاء بعده الحكومات الوطنية فسارت على نفس النهج وقطعت الطريق نفسه، وتسببت بكل سبب وتذرعت بكل وسيلة لتكبل الأمة وتلغي شخصيتها، فمثلًا قانون الطوارئ رقم ٩٦ الصادر في ٢٥ أغسطس ۱۹۳۹م، صدر بسبب دخول الحلفاء الحرب وتصور أننا نعيش في بركته حتى اليوم، وتنهل من عطاءاته حتى الساعة؛ حيث استمر هذا القانون حتى عام ۱۹۷۲م باسم قانون الطوارئ، وحماية حريات المواطنين ضمن القانون رقم ٣٧ لسنة ١٩٧٢م، ثم جاء قانون العيب ثم قانون الطوارئ ومحاربة الإرهاب الذي استمر حتى اليوم، ثم لم يكتف بهذه القوانين فصدرت قوانين أخرى مكملة، مثل: قانون النقابات والمحاكم الاستثنائية وقانون الصحافة... إلخ، ثم لا قانون والضرب في المليان ثم لا تنفيذ لأوامر القضاء والمجلس سيد قراره، ثم... ثم، وقد نسأل فتقول وأين الشعب؟
فأقول: إن الشعوب موجودة وحية وهويتها وعملها زاهر ومضيء، ولكنها تريد القيادة المخلصة فحينما طلب من الشعب المصري بعد إلغاء معاهدة ١٩٣٦م مقاطعة الإنجليز ترك ٩٠ ألف عامل العمل في معسكرات الإنجليز بغير تردد دون أن يعلموا شيئًا عن مصيرهم المجهول، وهم في حاجة إلى لقمة العيش وحينما قامت الثورة لتحارب الظلم هب الناس لتأييدها بالنفس والنفيس ولكنهم بعد ذلك خاب فالهم. وضاع أملهم، وتسألني وأين القيادة الحزبية التي تتصدر العمل الوطني؟ أقول: القيادات الموجودة وقعت في مصيدة التدجين، ونسيت لغة الكفاح الشريف وأصيبت بالحقد على العاملين المخلصين ولم تتعاون معهم، فهل ستظل أم تتنحى؟
تنحي فاغربي عني بعيدًا
أراح اللهُ منك المؤمنينا.
اغربا لا إذا استودعت سرًّا
وكانونا علىَّ المتحدثينا
حياتُك ما علمتُ حياةُ سوء
وموتُك قد يسرُ العالمينا.
وأما القيادة التي في ظهر الغيب فنسأل الله أن تكون مؤمنة شريفة كبيرة القلب حانية الجوانح كثيرة العطاء، شجاعة النفس متفتحة الذهن أمين.. أمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل