; الديمقراطية الكويتية حق.. أم منحة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية الكويتية حق.. أم منحة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986

مشاهدات 69

نشر في العدد 769

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 27-مايو-1986

لم تكن المشاركة الشعبية في الحكم بالكويت منحة أو هبة قط، ولم تكن الشورى قرارًا خاصًّا بحاكم من الحكام، بل كانت حقًّا متفقًا عليه يوم أن تم الاتفاق على شكل النظام السياسي، ويوم أن تم اختيار أول حاكم من أسرة الصباح الكرام، والمطلع على تاريخ نشأة الكويت يعلم أن الكويتيين بنوا بلادهم وصانوها في إطار هذا الاتفاق والذي يتضمن في مجمله حقين: حق أسرة الصباح في الحكم، وحق الشعب في الشورى أو المشاركة، ولقد تأصل حق المشاركة الشعبية في الحكم حتى أصبح عرفًا سياسيًّا يتعامل معه الحاكم والمحكوم، ودعامة أساسية من دعائم استقرار النظام، ولم تشهد الكويت فترات اضطراب أو قلاقل إلا يوم أن أُهمل هذا الاتفاق أو هُضم هذا الحق، وتشهد على ذلك وثيقة مجلس الشورى لعام 1921 ووثيقة مجلس الشورى لعام 1938.

 

ويوم أن دعا الشيخ عبد الله السالم الصباح- رحمه الله- الشعب لاختيار مجلس تأسيسي من أجل وضع دستور يعدد الحقوق والواجبات فإنه لم يكن ينطلق من فراغ، بل كان ينطلق من معرفة طبيعة النظام السياسي في الكويت وتاريخ نشأته، ويوم أن أعاد للاتفاق القديم فاعليته فإنه كان يعلم أنه لا يتصدق على الشعب، فإرجاع الحق لأهله لا يكون صدقة، بل حكمة منه في إدارة البلاد وكياسة في معرفة وسائل الأمن والاستقرار.

 

لذلك جاء دستور الكويت لكي ينظم الحقوق في مواد كثيرة أهمها اثنتان لا يجوز التصرف فيهما لأنهما تعبير عن اتفاق قديم عمره أكثر من قرنين تعاهد عليه جيل التأسيس وهما المادتان: الرابعة، والسادسة من الدستور.

 

وقد نظمت المادة الرابعة طريقة تولي الحكم في البلاد كما أن المادة السادسة قررت فيه من هو صاحب السيادة ومن هو مصدر السلطات.

 

وإذا كان الاتفاق القديم تم بصورة بدائية، فإن تعديد الاتفاق تم بصورة علمية سياسية حديثة وغير قابلة للجدل، فلقد شارك الشعب بأعضاء منتخبين في تأسيس الدستور، ووافقت كافة الأطراف على الوثيقة الدستورية التي تعطي لكل طرف حقه، ومنذ ذلك الوقت والديمقراطية الكويتية أصبحت حقًّا دستوريًّا بعد أن كانت حقًّا عرفيًّا، تمامًا كالحق الذي نصت عليه المادة الرابعة، ولا يجوز التعامل مع أحدها على أنه منحة.

 

وما كنا لنثير مثل هذا الموضوع لولا الإشارات والتصريحات التي يطلقها السياسيون بين الفينة والفينة، والتي لا تخرج في جوهرها عن التهديد بحل المجلس أو تعليق الحياة النيابية أو تغيير النظام السياسي في الكويت من الديمقراطية إلى الجبرية.

 

ولا يخفى على المراقب السياسي أن السبب الرئيسي لمثل هذه التصريحات هو العلاقة المتأزمة بين السلطتين: الحكومة، والمجلس، والتي تمثلت بصور عديدة أبسطها الحوار المنفعل بين الطرفين داخل قبة المجلس.

 

وترى أطراف عديدة في مجلس الأمة أن الحكومة تشعر أنها فقدت السيطرة على الأغلبية النيابية بعد أن كانت تتمتع بها لسنوات عديدة، وهذا يدفعها للتلويح بحل المجلس، إما إعلانًا عن نوايا دفينة، أو ترهيبًا وضغطًا على النواب، بينما ترى أطراف في الحكومة أن المجلس الحالي خيب ظن المواطنين عندما عجز عن مساعدة الحكومة في حل كثير من المشاكل المزمنة.

 

وخاصة عندما خضع للأثرياء واستجاب لمصالحهم في معالجة الأزمة الاقتصادية، لذلك اندفع يعوض خسارته بالتشدد مع الحكومة والقسوة على أعضائها حتى يبدو بطلًا أمام الناس، وهذا أوجد توترًا وتأزمًا في العلاقة بين السلطتين وأيًّا كان السبب، فإننا نرى أن الأزمة تتحملها الأطراف نفسها ولا يجوز أن تُزج الحقوق الدستورية في هذه الأزمة، أي بكل وضوح لا يجوز لطرف ما مهما كانت مكانته أن يلوح بحل المجلس أو تعليق الحياة النيابية لعدة أسباب منها:

1- إن من مقتضيات استقرار الأنظمة هو احترام الوثيقة الدستورية وعدم الاعتداء على مضامينها بالتفريغ أو بالإلغاء التعسفي أو تطويع النصوص إلى معان لم يقصدها المشرع، إن الاستخفاف بالوثيقة الدستورية وبخاصة فيما يخص المادتين: الرابعة، والسادسة من شأنه أن يسبب خسائر فادحة للشعب الكويتي أبسطها الفتن والهرج والمرج، لذلك يجب ألا تُمس مضامين هاتين المادتين بتصريحات عامة إلا بحذر شديد جدًّا وبدون إثارة.

2- إن معظم التصريحات التي تحدثت عن حل المجلس جاءت من أطراف في الحكومة، والحكومة وأعضاؤها جزء من المشكلة، فلا يحق أن تنصب نفسها حكمًا في الموضوع وتقرر أن المجلس هو المخطئ وعليه يجب حله، إن الحكم في هذا النزاع تنظمه المادتان (102) و(107) من الدستور، وهاتان المادتان لا تعطيان للحكومة ولا لأعضائها حق التلويح بحل المجلس مهما كانت مكانة العضو.

3- إن الديمقراطية الكويتية لم تعد حقًّا دستوريًّا بل صارت جزءًا من سمعة الكويت الدولية والتي ميزتها عن بعض الأنظمة الخليجية، وإن التلويح بتعطيل الديمقراطية في الكويت ليس هضمًا لحق من حقوق الشعب فحسب بل إساءة لسمعة الكويت الدولية، خاصة وأن الدول الخليجية المجاورة قطعت شوطًا كبيرًا على مستوى الإنجازات.

 

ولا نجد ما نمتاز به على غيرنا من الدول النفطية المجاورة سوى الديمقراطية، فما الذي سيميزنا عن الآخرين إذا عُطلت الديمقراطية؟ إن الشعب لن يخسر بل إن الكويت هي الخاسرة.

 

وأخيرًا، فإننا نعتقد أن الأزمة بين السلطتين يجب أن تظل في دائرة محدودة رسم محيطها الدستور، وإن الخروج من هذه الدائرة واستخدام دعائم النظام الأساسية للتهديد بها أسلوب خطير ومن شأنه دفع جرأة المعتوهين لكسر هيبة النظام، ونحن نتمنى على جميع الأطراف أن تحل الأزمة بين السلطتين دون اللجوء إلى مثل هذه الأساليب، والله الموفق.

 

 

 

 

الرابط المختصر :