العنوان الديمقراطية الهابطة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
مشاهدات 66
نشر في العدد 504
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
الديمقراطية كنظام سياسي بمختلف أشكاله جاء في سلسلة تطور النظم السياسية في التاريخ البشري قفزة موضوعية...
فالنظم التي سبقت الديمقراطية أو حكم الشعب للشعب هي حكم الفرد أو العائلة أو النخبة... وتحت ظل هذه الأنواع من الحكم تصادر الحريات والممتلكات ولا يملك الناس من أمرهم شيئًا فليس عليهم إلا السمع والطاعة العمياء.
أما الديمقراطية فقد رفعت على لسان مؤسسيها الأوائل من أمثال مونتسكيو وروسو وفولتير ولوك وغيرهم الحرية والإخاء والمساواة وهذه المبادئ هي التي أزكت روح الثورة الفرنسية.
نعم لقد كانت الديمقراطية تحولًا نوعيًا في النظم السياسية البشرية، ولكن هل استطاعت الديمقراطية تحقيق العدل والإخاء والمساواة؟
هذا السؤال لم نطرحه نحن بل طرحه «المؤمنون» بالديمقراطية والمخلصون لها، طرحوه ليس في بدايات الفكر الديمقراطي بل بعد مضي ما يزيد على قرنين من الزمان على تطبيقات الديمقراطية في العالم الغربي، والعجيب أن أكثر ما طرح هذا التساؤل في أكثر الأنظمة الغربية استقرارًا وبريقًا... لقد طرح في الولايات المتحدة الأمريكية التي انتخبت رئيسها الأربعين في الأسبوع الماضي!
أزمة قاتلة
في تعليق سابق ناقشنا الديمقراطية وانتهينا إلى أنها تسير نحو السقوط، وقد ظهر في المجتمع الأمريكي من يقول بذلك وعلى سبيل المثال ننقل هذه الفقرة من كتاب كلود جوليان الذي أسماه «انتحار الديمقراطية» وهو من أشد دعاتها حماسًا. يقول: «لم تبلغ الديمقراطيات الغربية أهدافها رغم الإنجازات الضخمة التي حققتها لرعاياها... ولا ينطوي هذا التحقيق البسيط على أي إدانة بحد ذاته، لأنه يندر أن تكلل الجهود البشرية بالنجاح التام... ولكن هل هيأت الديمقراطيات كل الوسائل الجاهزة لتحقيق مطامحها الخاصة؟ إن النظر في الملف يوحي بجواب تشاؤمي: فالمجتمعات الصناعية تبدو قد ضحت بأهدافها الديمقراطية الخاصة في سبيل اهتمامات أخرى، وبدون أن تتنكر لها بصراحة أنزلتها إلى المستوى الثاني بحيث غابت عن أنظارها».
والديمقراطية في الدول الغربية ليست في الحقيقة أكثر من مظهر كاذب لإشراك الشعب في اتخاذ القرار... لأن اتخاذ القرار السياسي محكوم بدرجات متفاوتة بالطبقة الرأسمالية المتنفذة سواء كانت رأسمالية تجارية أو صناعية كما هو الغالب الآن في معظم الدول الغربية.
ولئن نجحت الديمقراطية في شكليات مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي فهي أخفقت في بناء الإنسان وتنظيم حريته بحيث يتحقق العدل بأسمى صورة يستطيعها البشر.
هذه الإخفاقات استدعت الفلاسفة والمفكرين الديمقراطيين لتدارك الأمر ولإنقاذ الديمقراطية... منذ حوالي ثلاث سنوات عقدت ندوة في اليونان حضرها كبار مفكري الغرب من الديمقراطيين، وقد كان موضوع الندوة هو: مستقبل الديمقراطية، والعنوان بحد ذاته يثير الشكوك حول مستقبل الديمقراطية، وهذا ما حصل فعلًا، فقد أجمع المفكرون على أن الديمقراطية تعيش أزمة قد تكون قاتلة: واتفقوا على أن يجتمعوا بين حين وآخر لوضع حلول كفيلة «بإنقاذ» الديمقراطية.
هبوط في الأخلاق
على أن أهم عنصر تنطوي عليه الديمقراطية الرأسمالية هو الهبوط في الأخلاق، ولسنا هنا بحاجة للدخول في «مماحكة» حول نظرية الأخلاق فالبشرية منذ طفولتها تدرك أن الكذب والنفاق والغش والسباب كلها أخلاق مذمومة هابطة.
ولعل انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة التي شغلت العالم خير دليل على ما نقول. فقراءة بسيطة في يوميات الحملات الانتخابية التي قام بها المرشحون منذ حوالي عام تكشف بوضوح عن هذا الهبوط الأخلاقي الذي جعل مرشحًا يستخرج كل لفظة في قاموس السباب والشتائم الأميركية ويلقي بها على الآخر في ملأ من الناس!
لقد قال كارتر في حق منافسه ريغان ألفاظًا لا تصلح إلا لقوم لوط! وقال ريغان لكارتر كلامًا لا يقوله إلا صبية الشوارع! والصناعة الأميركية تؤجج هذا السباب وتعين عليه نظير أن تنتج فتربح... فهذه شركة أميركية منتجة لورق التواليت تنتج ورقًا عليه صورة كارتر وورقًا عليه صورة ريغان: فيتنافس حملة شعار الحمار مع حملة شعار الفيل في توزيع الورق الذي يسيء لكليهما كما يسيء للأخلاق الأميركية إن كان ثمة أخلاق!
وهذه اللعبة الهابطة تتكرر في كل انتخابات أميركية وستظل تتكرر طالما دان الناس هناك للديمقراطية الرأسمالية.
وإذا كانت الانتخابات على الطريقة الأميركية قد نالت إعجاب الكثيرين من أبناء المسلمين المهزومين ثقافيًا أو المقهورين سياسيًا فإننا نطرح عليه هذا السؤال:
ما هي نوعية الرجال الذين يأتون إلى البيت الأبيض عن طريق الانتخابات الأميركية؟!
رجال أم أشباه الرجال؟
كارتر المتردد الذي يفهم في زراعة الفستق أكثر مما يفهم في السياسة وإدارة الحكم؟ أم ريغان الممثل المغامر الذي لا يعرف أن يفك لغزًا واحدًا من ألغاز السياسة؟
وقد يقول قائل: ولكن هذه هي الديمقراطية! أن يختار الشعب رئيسه بملء إرادته.
وهذا هو مأزق الديمقراطية أو النظام السياسي القائم على أساس فكرة النيابة، فالأعضاء الذين ينتجون في المجالس النيابية أو التشريعية أو الاستشارية كثيرًا ما كانوا أشباه رجال! ذلك أن الديمقراطية لا تضع قيدًا نوعيًا على شخصية المنتخب، فالقيود التي توضع أحيانًا سواء تعلقت بالثقافة أو السن كلها قيود شكلية أما القيود النوعية كالعدالة والإخلاص والكفاءة فغير واردة إطلاقا!
أما لماذا غير واردة في الديمقراطية، فذلك يعود إلى طبيعة الديمقراطية المرتبطة بالنظام الرأسمالي القائم على «حرية الفرد» بدون ضوابط من جهة، ولأن الديمقراطية كنظام سياسي لا يرتبط بالنظم الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية. ومع أن مفكري ومخططي الدول الديمقراطية باتوا يدركون ضرورة الربط بين النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية إلا أن هذا الربط ما زال ضعيفًا وما زال بحاجة إلى ربط يدرك كنه الارتباط بين هذه النظم وذلك ما لا يملكه إلا خالق البشر، والإسلام هو الدين الشامل المتكامل الوحيد المؤهل لإصلاح البشرية.
سؤال وإجابة
وهنا قد يثور سؤال مفاده كيف يتناول التعليق الأسبوعي في المجتمع الديمقراطية فيهدم كيانها في أحد الأعداد، ثم يعود فيطالب بالحياة النيابية ويدعي أنها الطريق لاستقرار الجبهة الداخلية؟!
وهنا نود أن نؤكد ما قلناه من أن الديمقراطية تعيش مأزقًا بشهادة شاهد من أهلها، وبأنها لم تحقق أهدافها على النحو الذي ذكرناه، ولكن نقطة اللبس التي قد تحتاج إلى بيان هي دعوتنا لاستئناف حياة نيابية سليمة.
لقد قلنا في معرض نقدنا للديمقراطية إنها كانت خطوة نوعية في النظم السياسية التي عرفتها البشرية وإنها نجحت شكلًا لا جوهرًا.
ونحن نرى أن الحياة النيابية من حيث الشكل أقرب ما تكون من نظام الشورى في الإسلام، وبصورة أخرى لو أضيف الجوهر الإسلامي للشكل الديمقراطي أي النيابي لكمل النظام ولحقق العدل في أي صورة يستطيعها البشر.
إن نقطة الخلاف الجوهرية بين نظام الشورى الإسلامي والحياة النيابية المعاصرة هي أن الانتخابات المباشرة أو غير المباشرة كما هي مطبقة حاليًا تأتي بالصالح والطالح، وبالعالم والجاهل، بل تثبت أنها غالبًا ما تفوز العناصر غير الأكفاء ومن هنا تنشأ المشاحنات وتدب الفوضى في النظام السياسي.
أما في نظام الشورى فترد هناك قيود على المرشح سواء كان لرئاسة الدولة أو لأهل الحل والعقد.
وفي النظام السياسي الإسلامي ينتخب رئيس الدولة انتخابًا مباشرًا أو غير مباشر والانتخاب غير المباشر يكون عن طريق أهل الحل والعقد. ولكن من هم أهل الحل والعقد؟ وكيف يتم اختيارهم؟!
يقول رشيد رضا رحمه الله «وأولو الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة».
أما تعيين أهل الحل والعقد في الوقت الحاضر فيتم عن طريق الانتخاب، وحتى لا نقع في مأزق الانتخابات في النظم الديمقراطية فيأتي البر والفاجر والجاهل والعالم، فلا بد من شروط يجب توافرها في المرشحين، أما هذه الشروط فهي كما بينها الفقهاء المسلمون وهي على حد تعبير الإمام الماوردي رحمه الله «العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإقامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم».
الطريق الأقوم
إن نظام الشورى هو النظام الأمثل والأقوم، وهو النظام المطالبون به شرعًا، ولكن تطبيق نظام الشورى تعترضه في الوقت الحاضر عقبات كبيرة أولها الاستئثار بالسلطة من قبل الحكام وراثة أو ملكًا أو اغتصابًا بالقوة!! وثانيها عدم تطبيق النظام الإسلامي في واقع الحياة. وفي مثل هذه الظروف يكون التدرج أو الدفع باتجاه لتطبيق النظم الإسلامية أمرًا مطلوبًا وضروريًا مع ملاحظة أن هذا لا يسقط المسؤولية عن الحاكمين ولا تواني العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية.
لقد قدمت لنا الانتخابات الرئاسية الأميركية التي دفعت بممثل جاهل إلى سدة الحكم دليلًا حيًا على أزمة الديمقراطية الرأسمالية، فهل نستلهم منها درسًا للعودة إلى نظام الحكم الإسلامي الذي يقوم على الشورى؟ أم نظل مستمسكين بالملك الجبري أو السلطان الوراثي أو الحكم القهري العسكري؟!
لقد عانينا من هذه الأنظمة الهوان والتفرق والارتماء في أحضان القوى الطامعة فإلى متى نظل عاصين لله معطلين لأحكامه؟!
أيها الحكام.. أنتم المسؤولون عن الإجابة قبل غيركم فهل تجيبون في الدنيا أم تنتظرون الحساب العسير في الآخرة؟! اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون!