; الديمقراطية في الغرب.. دكتاتورية في حقيقتها | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية في الغرب.. دكتاتورية في حقيقتها

الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 41

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 40

السبت 16-أغسطس-2003

  • وجهان للاستبداد: عن طريق القوة المباشرة والأهواء المتسلطة.. أو عن طريق التخدير

  • من السهولة أن نلقي باللوم على الأعداء.. ولكن أين مسؤوليتنا نحن إزاء ما يحدث لنا؟

انتشر بين الناس مصطلح: «نريد الحاكم المستبد العادل» وفي هذا المصطلح خطآن: 

الخطأ الأول قولهم: «نريد» يريدون وهم جالسون على المقاهي، وأمام الرادي والرائي والفضائي، ويكتفون بان يعلنوا إرادتهم, ويريدون ذلك ويتوهمون أن الكون مستعد لسماع أمانيهم وأهوائهم، وأن أحلامهم قيد التنفيذ. والإسلام لا يرضى لأبنائه أن يظنوا أنه أماني الغافلين النائمين، ذلك شأن بني إسرائيل أو شأن فريق منهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78) هذه واحدة، والثانية: كيف يمكن شرعًا أن يكون هناك حاكم مستبد عادل؟! وكيف تقبل اللغة العربية هذا التناقض الواضح في هذه الأمنية العجيبة؟! إذا وجد الاستبداد اختفى العدل! وإذا قام العدل انتهى الاستبداد.. إنهما نقيضان لا يجتمعان.

لذلك نقول: إننا نريد العدل بشريعة الله، وإنما نعمل لبناء هذا العدل واستقراره في حياة المسلمين والبشرية. لا أتصور أن يقوم عدل في الأرض بغير الإسلام الحق كما أنزل على محمد الله، وربما يقوم عدل في طرف من أطراف الحياة، لكن دون أن يكون عدلًا شاملًا ممتدًا. 

الدكتاتورية والاستبداد من حيث الأساس ليست مجرد وجود حاكم واحد فرد، ففي أي نظام يوجد دائمًا حاكم واحد يمثل رأس النظام ويحمل أمانته، مهما كان اسم النظام. 

الدكتاتورية لا تظهر أبدًا إلا عندما تغيب العقيدة الصادقة الكاملة المترابطة عن المجتمع والأمة، حين تغيب فلا تعود هي التي تحكم، ولكن يحكم فرد أو أفراد تجردوا من جوهر العقيدة، فلا هي تحكمهم ولا تحكم شعوبهم، ونسرع لنقول إننا نقصد بالعقيدة عقيدة واحدة هي الإسلام، كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. 

وإذا ظن أحدهم أن العدالة قد توجد في الديمقراطية أو الاشتراكية أو غيرهما من المذاهب فذلك وهم يوحي به زخرف تلك المبادئ، ويوحي به جهل حقيقة العدالة التي تتحدث عنها ونطلبها. 

إذا نظرت إلى الديمقراطية في الغرب تجدها دكتاتورية في حقيقتها، لأنها نظام وضعته طبقة من البشر، من أصحاب المصالح الاقتصادية العليا، ليحموا مصالحهم ويغلقوا الأبواب أمام معترض ومشاغب، وذلك بالتخدير الذي يخدرون به الشعوب، حين يقدمون لهم الفتات من حقوقهم، ويجنون هم عصارة جهد الشعوب والعاملين، فيعيشون هم في أبراجهم العاجية، ويبقى الإنسان العادي ومصالحه ومعاشه بين أيديهم، ويعطونه ما يحتاجه مقابل أقساط ليظل مخنوقاً بها حياته، حتى يعتادها. 

أما الحرية فهي حرية الجنس المطلق المتفلتة، دون اعتبار لأي أمر آخر إلا ما تستدعيه بقية من الفطرة المدمرة المشوهة، وكذلك حرية الخمر وشربه وبيعه دون أي حق في الاعتراض على ذلك.

وهنالك حرية أخرى هي حرية الكلمة والقول، فلك أن تكتب ما تشاء وتقول ما تشاء، وأن تعبر عن ذلك بمظاهرة «مؤدبة» تجوب الشوارع باللافتات والشعارات، وقد تصرخ فيبح صوتك، ولكن ذلك كله ينتهي بسلام، دون أن يكون لذلك أي علاقة باتخاذ قرار.. فالقرار يؤخذ هناك بين الكواليس المظلمة، ومن أصحاب المصالح المتخفين وراء حجب وأستار. 

هذه هي حرية الديمقراطية، صورة مزخرفة من صور الاستبداد تعتمد على تخدير الناس والشعوب، وتحديد ميادين حرياتهم التي لا تصطدم مع مصالح طبقة المستبدين، يزخرفونها بالانتخابات التي لا تزيد على مسرح تدور فيه الدعايات والفضائح وإنفاق الأموال التي تغدق بها على المرشحين جهات متعددة من أصحاب المصالح، ويزخرفونها بالبرلمانات، حيث تدور المداولات من خلال مصالح مادية دنيوية، في أجواء علمانية، لا تأخذ من الدين إلا عواطف تغرسها في الناس لتستغلها حين الحاجة إليها, لا تأخذ من الدين قيمًا ولا مبادئ ولا سياسة ولا اقتصادًا. 

هذه الديمقراطية التي يتغنى بها الكثيرون يقوم نظامها الاقتصادي كله على أشد ما حرم الله: ألا وهو أكل أموال الناس بالباطل، والربا المحرم جزء من هذا الظلم الواسع الحرام، انظر إلى العالم الغربي وكيف قامت مؤسساته؟ ألم تقم على نهب ديار المسلمين وثرواتهم؟ 

لا ننكر أن زخرف الديمقراطية الخادع مؤثر ومغر، ولكن إذا رُفع قناع الزخرف ظهر أن الديمقراطية هي دكتاتورية التخدير، وعندما تصطدم مع زخرف الديمقراطية وأقنعتها، يطرحون الزخرف والأقنعة ويكشفون عن الوجه المظلم الطالح! 

أنظر كيف ضربت أمريكا وإنجلترا برأي شعوب كثيرة في الأرض تعارض الحرب على العراق، وضربت «عرض الحائط وطوله»، بمجلس الأمن والأمم المتحدة، وبرأي أربع دول كبرى:

فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وبمظاهرات في معظم بلدان العالم. أهملت ذلك كله ومضت في حرب سوغتها بظنون أخفت بها الأطماع الحقيقية لها. 

صورة واضحة لدكتاتورية السلطة والسلاح والقوة، فالسلاح والقوة والسلطة في الديمقراطية لا تحكمها عقيدة ربانية ولكن تحكمها الأهواء والمبادئ التي يسهل تجاوزها وإغفالها والتنكر لها.

  • وجهان للاستبداد

فالاستبداد له وجهان: استبداد عن طريق التخدير واستبداد عن طريق القوة المباشرة والأهواء المتسلطة، وفي كلتا الحالتين لا يوجد شرع رباني يحكم الحاكم والمحكوم، يحكم الأمة كلها أفرادًا ومؤسسات ومستويات، يحكم الفرد والبيت والأسرة، والأحكام والعائلات، والمساجد والمعاهد، والإعلام والسياسة والاقتصاد، شرع رباني ممتد يحكم الأمة كلها لتكون كلمة الله هي العليا، وشرع الله هو الأعلى، يخضع الناس جميعًا له بالإيمان الصادق، والعلم الصادق والبناء والتربية، والتعهد المستمر والتدريب الدائم، حتى تصبح القضية قضية كل فرد في الأمة وكل مستوى وكل مؤسسة، بنُوا جميعًا على ذلك ودُربوا وأُعدوا. 

فنظام حكم صدام في العراق نظام استبدل بشرع الله مبادي حزب البعث الاشتراكي وهذه المبادئ يمكن أن تُخلط بشيء من شعارات الإسلام دون أي محتوى صادق، ويمكن أن يترك للناس حرية أداء الشعائر في المساجد أو البيوت دون أي تجاوز لذلك، وهذا ما تفعله الديمقراطية حين تستبدل بشرع الله حكم الشعب ورأي الأكثرية ليحلوا الحرام ويحرموا الحلال ويقرروا هم ما الحق وما الباطل، ويتركوا ذلك كله إذا اصطدم في أي لحظة مع الأطماع والمصالح، ويفرض النظام الذي يحمي الأهواء والمصالح بالتخدير أو القوة القاهرة المذلة. 

لا يمكن أن يقوم هذا النظام أو ذاك في أي أمة أو شعب إلا إذا تخلى الناس أنفسهم عن حماية دينهم وحماية شرع الله، وتهاونوا وانحرفوا وتسربت الفتنة إلى قلوب الكثيرين، وتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا وأهواءً كل حزب ينادي بهواه وبما يحمله من زخرف، وقد يكون بعض الزخرف من شعارات الدين دون جوهره. 

ففي هذه الحالات تمضي سنة الله على هذه الشعوب ابتلاء منه سبحانه وتعالى وعقابًا، رحمة منه بعباده وتذكيرًا لهم بالقوارع والفواجع بعد أن لم يعد لموعظة الكلمة دور في إيقاظ الغافلين:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾  (المؤمنون: 74-77).

هذه سنة الله الثابتة في خلقه وعباده، لا تخلف أبدًا، إنها ماضية في جميع الشعوب على قدر  غالب وقضاء نافذ وحكمة بالغة، سواء أأدرك الناس ذلك أم لم يدركوه. 

فلقد بعث الله في كل أمة نذيًرا على مر التاريخ، خُتموا بالنبي الأمين والرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وتركها بعد ذلك أمانة في عنق الأمة المسلمة ومسؤوليتها التي نتحاسب عليها، ولنستمع إلى آيات الله نتدبر نتذكر عسى أن تنفع الذكرى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36). 

وتمتد الآيات الكريمة لتبين لنا سنن الله الثابتة في الحياة الدنيا، حتى يعيها المؤمنون ويعتبروا بها، فلا يستذلهم الشيطان إلى مهالكهم: 

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62) نخلص من ذلك إلى أنه لن تقوم في الأرض عدالة أمينة في ظل أي حاكم اشتراكي أو ديمقراطي أو رأسمالي أو شيوعي أو بعثي، إنما توجد العدالة الصادقة حيث يقوم شرع الله في الأمة على تكامله وترابطه صورًا وإيمانًا، علمًا وعملًا، ونهجًا وحكمًا ودعوة صادقة وبلاغًا، ووفاءً بالأمانة العظيمة التي تحملها الأمة المسلمة. 

  • نحن المسؤولون 

فلم يكن إذن من المعقول أن ننتظر من حكم البعث قيام العدالة الأمينة التي يريدها الله. 

ولكن: لماذا قام حكم حزب البعث ثم آل إلى حكم صدام؟! 

ألم يكن في العراق مسلمون يعرفون دينهم ومسؤولياتهم خلال فترة ليست قصيرة؟! سيكون الجواب: نعم ولكن الأعداء لم يسمحوا للمسلمين أن يحكموا بشرع الله، وبهذه السهولة نضع اللوم على الأعداء كما ذكرنا سابقًا، وكأنهم يظنون أن حكم الله وشرعه لا يقوم إلا حين يأذن لنا الكافرون أعداء الله! وهذا تصور خاطئ، فالمسؤولية مسؤوليتنا، والله وعدنا بأن يقوم شرعه إذا صدقنا نحن فالأمر كله لله: 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55). 

فالعلة إذن فينا نحن المسلمين، إن وعد الله حق ممتد قائم، يوفيه الله لنا حين نوفي نحن بالمعنى الكامل لقوله سبحانه وتعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ (البينة:7)، وتكرر كثيرًا في القرآن الكريم. 

فلننظر إذن في إيماننا، ولننظر في عملنا، ولنزن ذلك كله بميزان لله، بميزان منهاج الله، حتى نعرف أين الخلل؟! 

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51)

فالمسؤولية من حيث الأساس مسؤولية المسلمين، وهم سيحاسبون عليها يوم القيامة بين يدي الله، فعسى المسلمون أن يحاسبوا أنفسهم اليوم قبل غد وقبل فوات الفرصة. 

إذن هناك خلل في واقع المسلمين أنفسهم سهل قيام حكم بغير شرع الله، وبسبب هذا الخلل قام الحكم بغير شرع الله في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، وقام الحكم الدكتاتوري المستبد المباشر، أو الحكم المستبد بثوب الديمقراطية!. 

كل نظام لا يقيم العدل في الأرض على أساس من شرع الله لتكون كلمة الله هي العليا، هو نظام سينتهي في لحظة يقدرها الله على حكمة بالغة له، فليس من سنة الله أن يخلد النظام المستبد! ولكنها فترات ابتلاء وتمحيص تمضي على سنن ثابتة لتقوم الحجة على المسلمين إن أساؤوا أو لهم إن أحسنوا، وكذلك لتقوم الحجة على كل إنسان أو له، وعلى كل أمة أو لها.

 ونعود لنسأل: كيف ينجح قوم بتسلم زمام الأمر والحكم بغير شرع الله، ولا ينجح المسلمون بإقامة شرع الله، ولقد أعطاهم الله وافر الإمكانات لطاعة الله ورسوله؟! 

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:56) 

ونعود لنؤكد القاعدة الرئيسة: لن يكون عدل في الأرض إلا إذا قام شرع الله ودينه، فهو الشرع الوحيد الذي يضم العدالة والأمن والحرية للناس جميعًا، إذا آمنوا وصدقوا الله ورسوله. 

فالحرية والعدالة والأمن هي في الإيمان الصادق والتوحيد الصافي وممارسة منهاج الله -قرانًا وسنة ولغة– في الواقع البشري ممارسة إيمانية أمينة صادقة، لا تحرف ولا تنحرف، ولا تفسد التأويل ولا تتجاهل شيئًا من التنزيل. 

إذا كانت العقيدة هي أهم الأسس التي تنفي الاستبداد، فإننا نعني بالعقيدة تلك التي تحكم الأمة كلها، فهي لا تحكم قطاعًا منها، ولا تحكم حزبًا، ولكنها تحكم كل قطاعات الأمة ومستويات، ويكون الجميع على وعي صادق بالعقيدة التي تحكم حتى لا تكون العقيدة تحكم أنعامًا. 

الديمقراطية لا تضع قضية الإيمان والتوحيد واليوم الآخر والجنة والنار أولى مسؤولياتها وواجباتها، والعلمانية تقول إن ما يهمها هو أمور الدنيا فحسب، وما عداه نتركه للناس إلا حين نحتاج أن نستغل الدين ونتاجر به. 

أما الإسلام فيقول إن قضيته الأولى هي الإيمان والتوحيد والدار الآخرة والجنة والنار وكل ما يتبع ذلك، وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه، لأجل هذه القضية بعث الأنبياء والمرسلون وختموا بمحمد صلى الله  عليه وسلم وأمر الله رسوله أن تكون هذه القضية هي مسؤولية الفرد المسلم والأمة كلها والخليقة، ومن أجلها يتم اللقاء والتعارف، أو الافتراق والتنابذ هي قضية مفاصلة وحسم، لا مجال للمساومة فيها ولا للتحريف والتغيير، وكل التشريع والفقه والفكر يقوم على هذه الحقيقة التي هي الأساس والقاعدة الصلبة. والله بعث الأنبياء والرسل لينقذوا الناس من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، وبعد محمد صلى الله عليه وسلم أصبحت هذه أمانة في عنق كل مسلم قادر، وفي عنق الأمة المسلمة، وجميعهم سيحاسبون عليها يوم القيامة. 

فالمسلمون ينطلقون لينقذوا البشرية من عذاب جهنم، هذه هي المسؤولية الأولى للمسلمين, المسؤولية التي سيحاسبون عليها. 

هذه قضيتنا الأولى ومن أجلها شرع الجهاد، فإذا كان العلمانيون والديمقراطيون لا يرون ذلك، ولا يقيمون وزنًا لمصير الناس بعد الموت، واعتبروها قضية الفرد وحده، لا علاقة للدولة ومناهجها بها، فذلك شأنهم، ومسؤوليتنا أن نلح عليهم بدعوتنا هذه. فقد أمرنا الله بأن ندعو، وسندعو ونظل ندعو بقوة وجلاء، وبكل الوسائل والأساليب التي شرعها الله، وبأعلى أساليب الحكمة والموعظة الحسنة، مادامت تفيد وتعني بالبلاغ.

 إننا يجب أن نعلن رأي الإسلام بالآيات والأحاديث واضحًا صريحًا، ولا نحمل الإسلام ضعفنا وهواننا واستلامنا للعلمانية والديمقراطية. 

بهذه المبادئ الربانية تقوم الحرية ويُنفى الاستبداد، وتقوم العدالة ويُنفي الظلم، ويسود الأمن ويرفع الهلع والخوف. 

خشية الله هي الأمن في حياة الإنسان، فإن لم تكن خشية من الله، فالناس وحوش لا أمن بينهم: 

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: 28-29)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

437

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!