العنوان الديمقراطية الحقيقية علاج .. ولكن!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 67
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
النظام الشوري، أو الديمقراطي هو العلاج الحقيقي لحالة العنف السياسي التي تلف الأمة الآن، وتشغل بال الجميع حتى إن السجون في بعض البلاد قد ضاقت بمن فيها، والأحكام السياسية تربو كثيرًا على غيرها من الأحكام والمفاصل قد اكتظت بطوابير من المحكوم عليهم بالإعدام، هذا عدا قتلى الضرب في المليان، وقتلى الإرهاب الذي في الجزائر على سبيل المثال، كما يقول هيكل يقدر بمائة وثمانين ألف رجل وامرأة وطفل «خلافًا للرقم الرسمي وهو مائة ألف» أي بمعدل ٣٦ ألفًا كل سنة، وثلاثة آلاف كل شهر، و ٢٥٠ كل يوم، وما زال شلال الدماء مستمرًا منذ خمس سنوات ولا يعلم مداه إلا الله والديمقراطية في نظر الكثيرين هي العلاج للأسباب التالية:
١- لأنه سيكون هناك احترام للحريات وحقوق الإنسان وإفساح المجال للرأي الآخر.
٢- لأنه ستكون هناك انتخابات بطريقة ديمقراطية سليمة، حيث يحتكم الناس إلى صناديق الاقتراع بغير قهر ولا تزوير أو تلاعب في النتائج.
٣- لأنه سيكون هناك تبادل للسلطة وكل يقدم ما عنده من إبداعات ومخططات وحقائق والمردودات الإصلاحية هي الفيصل وهي التي تأتى بهذا أو ذاك.
٤- لأن ذلك سيعطي فرصة لإعلام غير منحاز وحر، يُظهر الفكر ويفرِّق بين الصالح والطالح ويكشف الفساد والتجاوزات، ويعري أصحاب التوجهات المتعفنة، ويكشف الحقائق ويزيل الاحتكارات الاقتصادية والعوائق الصناعية والتراكمات البيروقراطية، كما يفسح المجال للتطور الفكري والتنوع الثقافي لإثراء الأمة عقلًا ونفسًا وحضارة وعلمًا.
٥- لأنه سيكون هناك احترام للقانون والدستور، فلا تعدي على الحرمات، ولا هجوم لزوار الليل على المساكن والبيوت، وترويع الآمنين، ولا تجريم ولا عقوبة إلا بناء على أدلة وبيانات صحيحة، فلا يؤخد الرجل وزوجته وأولاده رهائن، ولا يحبس الأب والأم بدائل، ولا يعذب البريء حتى ينطق بما لم يقترف، ويقول ما لم يفعل، وهذا يحدث مرارة في النفوس، وحبًا للانتقام.
٦- لأنه سيكون هناك شرف قومي، وعمل عقلي يلتزم به الناس، يقول كاتب ملف الأهرام الاستراتيجي في عام ١٩٩٥ م ص ٤٥ تحت عنوان: «التائبون وفقدان مصداقية السلطة».
«مما زاد الموقف تعقيدًا في حالة العنف السياسي أن قضية التائبين دخلت طرفًا في الأحداث، وكانت سلاحًا ذا حدين، والمؤسف أنها أدت إلى عكس ما كان مرجوًا منها، ففي ٦ يناير ١٩٩٥م أعلن اللواء عبد الحميد بدوي - محافظ المنيا -أن ۲۱۳ متطرفًا في المنيا أعلنوا توبتهم وقاموا بتسليم أنفسهم لأجهزة الشرطة وكان من بينهم ۱۱۲ متطرفًا من ملوي وحدها أي النصف تقريبًا، وتحقق ذلك بفضل تدخل بعض نواب البرلمان والأحزاب وزعماء العائلات في محاولة للقضاء على الإرهاب في المنطقة، ولكن ما حدث أن عددًا كبيرًا ممن سلموا أنفسهم تم اعتقالهم فيما بعد مرة أخرى، وأودعوا السجون تحت اعتبار الشك في عودتهم مرة أخرى للنشاط الإرهابي، وهنا استشعرت الجماعة الإسلامية أن الدائرة ستدور على أعضائها حتى ولو لم تفعل شيئًا، أو تباشر أي عمل عنيف، واهتزت مصداقية الدولة والمصداقية في جدوى عملية القوية، وخلق ذلك جوا من عدم الثقة ليس بين الشرطة والمتطرفين فقط، بل الشرطة والأجهزة الشعبية ذاتها التي شعرت بالحرج الشديد أمام عائلات الذين سلموا أبناءهم، ثم أودعوا السجون، أو أعيد اعتقالهم، والمعروف أن بعض المتطرفين ينتمون إلى عائلات متوسطة أو كبيرة في الصعيد غالبًا ما تنحاز لأبنائها حتى ولو كانوا مجرمين خارجين على القانون، إذن فقد خلقت التعديات القانونية وعدم المصداقية للسلطة والحلول الأمنية العشوائية جوًا بين يؤدي إلى الإرهاب مرة أخرى».
7- لأنه لو حدث خلاف في الرأي ستسود لغة الحوار والعقلانية، وهذا هو المطلوب في مثل هذه الحالات، ومما رابة حل الخلافات امنيًا يزيد في غرابة واستئصاليًا، أن الدول العربية قبلت التحاور مع أعدائها من اليهود الذين اغتصبوا أرضها، وشردوا شعبها وقاموا بالإرهاب الفعلي في المنطقة واستعملوا فيه كل أنواع الأسلحة حتى لغة الغدر والاستئصال، ويقر العرب كل يوم انه لا طريق سوى الجلوس على طاولة المفاوضات، ولكن طاولة المفاوضات لأبناء الشعب ولأصحاب الرأي فيه حرام عليهم حلال على الطير من كل جنس.
٨- الديمقراطية ستمنع استغلال مناخات معينة من اتهام فصائل سياسية إسلامية معتدلة جماهيرية ينتظر أن تكون فاعلة لأمتها في المستقبل، ومن محاولة جرها إلى العنف، وجرها للاستئصال وزيادة الطين بلة كما يقولون خدمة لأعداء الأمة وحربًا للإسلام والوطنية والرأي الفاعل.
٩- الديمقراطية ستجعل الولاء للدولة وليس للحاكم أو السلطة، والدكتاتورية عكس ذلك تمامًا. وهذا ما جعل العنف السياسي يضرب الدولة في شخص الحاكم، ولا يفرق بينهما، وهذا ما أدى في غالب الأحيان إلى شغل الجميع وشل حركة الدولة.
١٠- الديمقراطية ستمنع العمل السري، وستظهر الأفكار على السطح وممكن أن تدرس وتعالج، والدكتاتورية تمنع التجمعات والمؤتمرات، وتستعمل عنصر الترويع والتخويف والتجريم وتسد كل الطرق إلا طريقها، وسيكون للعمل السري تأثيره، فيما بعد، حتى بعد أن يصل أصحابه إلى السلطة، لأنه نبت في أجواء الاستخفاء وعدم الوضوح وخشية الجماهير، وهذا سيكونون له تأثيره الضار على الديمقراطية عند وجودها.
۱۱- الديمقراطية بما تعطيه للشعب من حرية تجعله قادرًا على تحديد هويته المتنازع عليها الآن ويمنع بفطرته ووطنيته وإسلامه التبعية والتغريب الثقافي والسياسي الذي يجرف منطقتنا اليوم، كما يمنع بوعيه القوى الخارجية من العبث بالديمقراطية وتزويرها وقتل إرهاصاتها قبل أن تبلغ الرشد.
۱۲ -الديمقراطية ستوجد المؤسسات والنقابات التي يجد الشباب فيها متنفسه ويستطيع أن يبلور مطالبه ورغباته عن طريقها، فتكون هي الأخرى رافدًا من روافد الديمقراطية الحقيقية، كما أنها ستفسح المجال للنشاط الأهلي والفردي، وتحميه وتشجعه على التفاعل في الأمة لهذا وغيره من الأسباب الفاعلة والتربية الحقيقية والتوجيه المخلص نستطيع أن نقول إن النظام الشوري الديمقراطي، هو من أفضل السبل في علاج العنف السياسي، خاصة أن العنف السياسي عندنا عنف رأي ومواقف لا عنف انفصال وتجزئة، وعنف اعتراض على أوضاع وسياسات وسلبيات وفساد، لا عنف كراهية للدولة، أو عمالة المستعمر أو عدو، وهذا ما يمكن أن يعالج ويزول، بل ويصب في نهضة الأمة، ويكون سندًا لها وعونًا في الشدائد والمحن، وفي السراء والضراء، ولكن هل هناك أذان صاغية؟ وهل سيكون للديمقراطيات الحقيقية مجال في امتنا؟،، نسأل الله ذلك،