; الذبائح واللحوم المستوردة (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان الذبائح واللحوم المستوردة (الحلقة الأولى)

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1981

مشاهدات 107

نشر في العدد 539

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 18-أغسطس-1981

قضية الذبائح واللحوم المستوردة من القضايا الشائكة التي يواجهها مسلمو القرن العشرين، واستشكلت على مجتهديه وعلمائه.. فذبائحهم معظمها مستوردة.. وأسفارهم تزداد يومًا بعد يوم إلى بلاد غير المسلمين..

وتحريم الذبائح المستوردة أو إباحتها بين رأيين من آراء المجتهدين المعاصرين.

  •  فرأي يرى إباحتها مادامت من البلاد النصرانية التي لا تحكم بالإلحاد والشيوعية، إلا إذا ثبت بطريقة قطعية أنها ذُبحث بدون ذكاة شرعية، ومن أبرز أصحاب هذا الرأي عالم الجزيرة عبدالعزيز بن باز -حفظه الله.
  •  ورأي يرى حرمتها طالما استوردت من غير بلاد المسلمين، إلا إذا ثبت بطريقة قطعية أنها ذُبحت بذكاة شرعية، ومن أبرز أصحاب هذا الرأي الشيخ ابن حميد عالم المملكة العربية -حفظه الله .
  • ويأتي رأي الشيخ الفاضل الدكتور عبدالله عزام، مدعمًا للرأي القائل بحرمتها.. و"المجتمع" ترى أن للرأيين أدلتهما المعتبرة وحجتهما القوية.. ففي الرأي الأول سعة لعامة المسلمين.. وفي الرأي الثاني عزيمة لأصحاب العزائم.. والله الموفق..

"المجتمع"

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا.

وبعد:

فهنا موضوع طالما أشغلت فيه فكري، وأجلت فيه نظري إذ أنه يواجهني كضرورة حياتية أثناء حلي وترحالي.

ففي سفري إلى البلاد الغربية، وأثناء تقديم وجبات الطائرات والمطاعم الغربية -الأوروبية والأمريكية-كنت أجد العنت والحرج الشديد في تحري الحلال واستساغة اللقمة الطيبة، حتى لا ينبت بعض لحمي من حرام، إذ كل لحم نبت من حرام أو سحت فالنار أولى به، وكذلك تواجه هذه المشكلة كل مسلم في أسواقه في بلاد المسلمين.

حيث الطيور التي تشوى في الشوارع أمام ناظريه والحوانيت والبقالات والمطاعم التي تبيع اللحوم المستوردة.

ولقد رجعت إلى النصوص في الكتاب والسنة، وإلى شروح كتب السنة وكذلك الكتب الفقهية لعلي استقر في المسالة على قرار، والآن أدلي بدلوي فإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وإن كان حقًّا صوابًا فمن الله، وأرجو الله أن يأجرني فيما أكتب، ويغفر لي زلاتي إن أخطأت أو جهلت، ولقد كان الدافع المباشر لكتابة هذه المقالات مقال الفضيلة الشيخ ابن محمود رئيس المحاكم الشرعية قطر في مجلة "الأمة" القطرية، وجزى الله عزَّ وجل فضيلة الشيخ عبدالله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى السعودية في الرد عليه، فلقد أجاد كثيرًا وأفاد.

وإذا تتبعنا الموضوع بتفصيلاته وأدلته وأقوال الفقهاء فإن الأمر يطول بنا.

ولذا فإني أحاول جهدي أن أختصر اختصارًا غير مُخلٍ مع بيان الحكم الشرعي، ولا أورد إلا الحديث الصحيح، ثم أورد له شواهد قد تنزل عن مرتبة الصحة أو الحسن.

ولابد أن نستدل بأقوال المحدثين والمفسرين والفقهاء لبيان معنى النص الشرعي، والاستنباط الحكم الذي قرَّروه في المسألة، وسأتعرض في هذا الموضوع إن شاء الله إلى القضايا التالية:

1.      الذكاة الشرعية "الذبح على الطريقة الإسلامية".

2.      السؤال عن الاشتباه والجهل والشك.

3.      الأصل الذي يرجع إليه عند الشبهة والشك.

4.      الذبائح التي تذبح وبجانبها مسجل يردد: "بسم الله والله أكبر".

5.      الذبح من القفا.

6.      الشهادات التي ترفق مع الذبائح المستوردة.

7.      واقع المسالخ ومصانع اللحوم الغربية.

ولقد خلصت في نهاية البحث إلى نتيجة وهي:

حرمة اللحوم المستوردة؛ سواء من الدول الشيوعية أو من الدول التي تُسمَّى بالنصرانية، وسقت أدلتي الشرعية في كل ما قلت.

وأرجو الله أن يلهمنا في أمورنا كلها إنه سميع قريب.

د. عبد الله عزام

الذكاة الشرعية

الذكاة لغة: إما الإتمام ومنه معنى الآية ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة:3) أي إلا ما ذبحتموه على التمام، وإما التطيب والتطهير، ومنه الأثر عن محمد بن الحنفية:

"ذكاة الأرض يبسها" ([1]):  أي طهارتها، لأن الذكاة تطهر الذبيحة وتطهرها، والمعنى الشرعي للذكاة هو الذبح بشروط.

وتفتقد الذكاة إلى خمسة أشياء:([2])

1.    الذابح: فيعتبر له شرطان: دينه: وهو كونه مسلمًا أو كتابيًّا. وعقله: فلا تحل ذبيحة المجنون ولا السكران ولا الصبي غير المميز.

2.    الآلة، لها شرطان: أن تكون محددة وألا تكون سنًا ولا ظفرًا.

3.    محل الذبح في الحلق واللبة (الوهدة بين أصل العنق والصدر).

4.    الذكر: وهو التسمية.

5.    الفصل: يشترط قطع الحلقوم والمريء والودجين (العرقين اللذين بجانب العنق) أو معظم هذه الأعضاء.

وأهم ما يعنينا من هذه الشروط في قضية اللحوم المستوردة: الذابح وطريقة الذبح.

أما التسمية فهي ليست مشكلة في هذا الأمر، إذ أن ذبيحة المسلم لا نسأل عن التسمية عليها، وأما ذبيحة الكتابي فتأكلها وإن ترك التسمية عليها، قال النووي([3]):  "ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء أذكروا اسم الله تعالى عليها أم لم يذكروا، لظاهر القرآن العزيز، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور"

قال البخاري في باب ذبائح أهل الكتاب، قال الزهري: «لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يسمي لغير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله وعلم كفرهم»، ويذكر عن علي نحوه، ولنرجع إلى الشرطين الأساسيين في قضية الذبائح.

1- الذابح. 2- محل الذبح.

1. الذابح: يشترط أن يكون الذابح مسلمًا عاقلًا أو كتابيًّا عاقلًا، واشتراط العقل حتى يقصد الذبح لأن الذبح عبادة، فلابد لها من نية، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنبلية([4])، وعلى هذا فلا تجوز: ذبيحة المشرك ولا الكافر ولا المرتد ولا الوثني ولا الشيوعي ولا الدرزي ولا النصيري ولا القادياني ولا البهائي ولا المجوسي ولا الهندوسي ولا البوذي، والدليل على اشتراط الإسلام أو أن يكون كتابيًّا قوله تعالى﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ (المائدة:5) .

والمقصود من طعام الذين أوتوا الكتاب هو ذبائحهم، قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن ومكحول والنخعي والسدي ومقاتل. قال ابن كثير: "وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء".

وأما ما سوى ذبيحة المسلم والكتابي فهي حرام أخذًا من مفهوم المخالفة (مفهوم الصفة) للآية الذي قال به جمهور الأصوليين -عدا الحنفية الذين لا يأخذون بالمفهوم- وليس مفهوم الآية هذا مفهوم لقب، كما ذهب إليه محمد رشيد رضا في المنار وتابعه ابن محمود في رسالته، ولأن القرآن سكت عن ذكر غير المسلم والكتابي، وتخصيص ذكرهما بدليل أن ما سواهما حرام، لأن السكوت في معرض الحاجة إلى بيانٍ بيانٌ، ولو كانت ذبيحة غيرهما حلال لما كان من ذكر أهل الكتاب فائدة، والقرآن منزَّه عن اللغو وقد روي سعيد بن منصور بسند جيد([5])  عن ابن مسعود رضي الله عنه: "لا تأكلوا من الذبائح إلا ما ذبح المسلمون وأهل الكتاب".

وروى الحاكم في المستدرك ([6]) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: «وفي رجل ذبح ونسي أن يسمي قال: يأكل، وفي المجوسي يذبح ويسمى قال: لا تأكل» وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وقد روى عبدالرزاق ([7]) في مصنفة مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي مصنف عبدالرزاق([8]) عن جابر رضي الله عنه: «لا تأكل صيد المجوس ولا ما أصاب سهمه»، وعن مجاهد مثله ورواه الدارقطني([9] وروى عبدالرزاق عن قيس بن السكن قال: قال ابن مسعود: إنكم نزلتم أرضًا لا يقصب بها المسلمون إنما هم النبط -أو قال النبيط-وفارس فإذا اشتريتم لحمًا فسلوا، فإن كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوا فإن طعامهم حل لكم ([10]). رجال الحديث رجال الشيخين عدا قيس بن السكن فهو على شرط مسلم، قال ابن حجر ([11]): هو ثقة.

وهذا الأمر -وهو تحريم ذبيحة المجوسي وصيده يكاد يكون مجمعًا عليه بين الصحابة، ولاشك أن تحريم ذبيحة المجوسي منتشر بين الصحابة، ولا نعلم فردًا واحدًا من الصحابة خالفه.

قال ابن تيمية في الفتاوي 21/103: "إن ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة".

وفي سنن البيهقي([12] ”كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن أبى ضربت عليه الجزية، على ألا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة".

قال البيهقي: هذا مرسل وإجماع أكثر المسلمين يؤكده.

وقال ابن تيمية: جاء في حديث الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره من التابعين أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"سنوا لهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" قال ابن تيمية([13]) وهذا مرسل، وأقوال خمسة من الصحابة توافقه ولم يعرف عنهم خلاف، والمرسل حجة عند الحنفية ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، وفي الآخر حجة: إذا عضَّده قول جمهور أهل العلم، وظاهر القرآن، أو أرسل من وجه آخر، وهذا قول الشافعي، فهذا المرسل حجة باتفاق العلماء، وهذا المرسل نص في خصوص المسألة.

وعلى هذا، وبعد أن ثبتت حرمة ذبيحة المجوسي بالنصوص الصحيحة، والمجوسي كافر، لأنه ليس من أهل الكتاب، ففي المسند وصحيح الترمذي والتفسير وكتب الحديث، نصُّوا على الحديث المشهور([14]): « لما اقتتلت فارس والروم وانتصرت الفرس ففرح بذلك المشركون، لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب".

فذبيحة كل كافر حرام، فالشيوعي والبوذي والوثني والهندوسي والسيخ والبهائي والقادياني والبعثي والنصيري واليزيدي (الذين يعبدون الشيطان) والدرزي والماسوني والوجودي والعلماني كلها حرام. قال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته، وشذَّ أبو ثور. قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع".

ولذا فتحريم ذبيحة المجوسي منصوص عليه من قبل الصحابة، وليس كما قال فضيلة الشيخ ابن محمود (رئيس المحاكم الشرعية- قطر): بأنه لا نص عليه.

والمجوسي كافر، وعليه فذبائح الكفار حرام كما أن ذبائح المجوس حرام، وقد أطال ابن تيمية الكلام([15])  في الفتاوى أن المجوس ليسوا أهل الكتاب.

أما الكتابي الذي تحل ذبيحته فهو الذي يؤمن بالنصرانية أو اليهودية؛ سواء قبل التحريف أو بعد التحريف جاء في مجمع الزوائد ([16]) عن ابن عباس رضي الله عنهما: «إنما حلت ذبائح اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل»، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه إسماعيل بن عمر البجلي وثقه ابن حيان وغيره وضعفه الدارقطني.

أما النصراني الذي تسأله ما دينك فيقول: كاثوليكيًّا أو يردد عليك لا دين لي، أو هذه مسألة لا تعنيني فهذا لا تحل ذبيحته ولا تُنكح ابنته.

فالنصراني إن كان شيوعيًّا أو وجوديًّا أو علمانيًّا (لاديني) أو ماسونيًّا، فإنه ليس من أهل الكتاب ولا تُباح ذبيحته.

وبناًء على النصوص المتقدمة يمكن الرد على فضيلة الشيخ فيصل مولوي الذي قال: «إن تحريم الذبائح لا يتعلق بشخص الذابح، وأنه مسلم أو كتابي أو مشرك، وإنما يتعلق بالغاية من الذبح عندما يكون تقرُّبًا للأصنام.. فإذا كان سبب تحريم الذبيحة هو كون الذابح كافرًا، فلماذا يقتصر الأمر على تحريم ذبيحته، ولا يحرم الخبز الذي يصنعه والثمار التي يقطفها"([17])..

أما السبب في قصر التحريم على الذبيحة فهو نصوص الصحابة في تفسير الآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (المائدة:5)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: طعامهم: ذبائحهم، قال ابن كثير([18]):  وهذا "أمر مجمع عليه بين العلماء".

وقد مرَّ معنا النصوص الصحيحة عن الصحابة في تحريم ذبيحة المجوسي، ولكن الصحابة لم يحرموا السمك الذي اصطاده المجوسي، لأن السمك ميتة وهو حلال مع كونه ميتة.

قال البخاري ([19]) قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كُلْ من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي".

ونؤكد أن دين الذابح هو الذي يُؤثِّر في حلِّ أو حرمة الذبيحة، فلا تحل إلا ذبيحة المسلم وذبيحة الكتابي الذي يؤمن بدينه؛ بشرط ألا نسمعه يهل بها للمسيح أو لمريم عليهما السلام، فإذا لم نسمعه فإنا نأكلها ولا نسأل عن التسمية.

([1])   انظر: لسان العرب، ط بولاق، 18/ 314. وأساس البلاغة للزمخشري، 1/ 206، ط دار صادر. وتاج العروس. شرح القاموس للترمذي 10/ 137، ط مكتبة الحياة.

([2])   المغني، لابن قدامة، 11/ 42. ومعجم الفقه الحنبلي، 1/ 355.

([3])  انظر: المجموع شرح المهذب مطبوع مع الشرح الكبير للرافعي، 9/ 78.

([4]) انظر: حكم اللحوم المستوردة، للدكتور محمد أبو فارس، ص 23.

([5]) تفسير ابن كثير، 2/ 19.

([6]) انظر: كشاف القناع، 6/ 203.

([7]) المستدرك للحاكم، 4/ 233.

([8]) مصنف عبد الرازق، 4/ 281.

([9]) سنن الدراقطني، 4/ 294.

([10]) مصنف، عبد الرزاق، 4/ 487.

([11]) تقريب التهذيب، لابن حجر، 2/ 129.

([12]) انظر: رسالة ابن حميد في اللحوم المستوردة، ص 67.

([13]) مجموع فتاوى، ابن تيمية، 32/ 187.

([14]) مجموع فتاوى، ابن تيمية، 32/ 187.

([15]) الفتاوى لابن تيمية، 22/190

([16])  مجمع الزوائد للهيثمي 1/26، وانظر: رسالة ابن حميد حكم اللحوم المستوردة، ص 20.

([17]) انظر: كتاب اللحوم المستوردة، للدكتور محمد أبو فارس، ص 82.

([18])  تفسير ابن كثير 2/ 19

([19]) فتح الباري 9/ 614.

الرابط المختصر :