العنوان الرأي.. والرأي الأول
الكاتب عيسي بن عبدالله الغيث
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 47
السبت 19-مايو-2001
رأينا بـ «آذاننا»، وسمعنا بــ «عيوننا»، وقرأنا بـ «أنوفنا»، منذ أمد ما يقوله أولئك «المتصحفون/ المتثقفون» عن مطالبتهم بالرأي والرأي الآخر -زعموا- ثم رأيناهم قد «تشللوا» حول إخوتهم «وتناسخوا» بعضهم بعضًا، وأغلقوا الأبواب والنوافذ وكمموا أفواه الآخر لأن الآخر يحتكر الصواب وإذا بهم يكتمون حتى الأنفاس وهم لا يملكون سوى بعض وريقات صفراء.. «رمتني بدائها وانسلت».
ثم تحدثوا في «علوم الدين» و«الشريعة» وهم «لا» يملكون أدواتهما.. ولكن كانوا ضمن «المتغيرات» وما يقبل فيه الاجتهاد من «أهله». فالاجتهاد وسيلة، والمتغيرات غاية. كان «حراس الثوابت» يخشون عليها من عدوى الوسيلة، وإذا بهم يفجعون بــ «وباء الغاية». كان الاجتهاد هو الوسيلة التي يدعيها ويتلاعب بها المرجفون، ولم تكن إلا ضمن المتغيرات، وإبان تلك المعركة وقع انقلاب في مملكة «الثوابت» تبناه أصحاب السماحة المرجعيات الشرعية في هيئة كبار المتصحفين والمتثقفين والمتأدبين والمتفننين!! ظهر من خلاله «مذهب متنور موافق لعام ۲۰۰۰م» تبناه أولئك العلماء الأفاضل الذين تخرجوا في حوزات الزوايا الصحفية والآراء التقدمية.. حدثنا الراوي فقال: «يأتي على الناس زمان يخرج فيه زاعم الاجتهاد فيقول: «الخمر حلال.. فيصفقون له، ويقول: الزنا مباح.. فيصفقون له، ويقول: الردة حرام.. فيصفقون له، لأنه خرج عن المألوف». لم يكن ما نعيشه اليوم صنيع اليوم أو وليد الغد، بل كان لقيط الأمس، والولد للفراش وللعاهر الحجر!! بالأمس: تضافرت الجهود لتدنيس الاجتهاد من لدن العاهر. واليوم: تلوث «الثوابت» بعد المتغيرات من لدن اللقيط.
الطب للطبيب والدواء للصيدلي والرسم للمهندس وحتى الليالي الحمر لأهلها، إلا الدين فهو للجميع، لأنه لا كهنوتية في الإسلام ولا رجال دين، إلا عند الرغبة بالإقصاء والاستعداء!! كانت المعركة في العادات والتقاليد، ثم انتقلت إلى الدين والأخلاق والقيم والمفاهيم. إننا في زمان عند أصحاب السماحة خريجي السوربون وأكسفورد، والمستشرقين والمستغربين، حذفنا من قاموسنا العفة والعيب، وقبل ذلك الحلال والحرام والطهارة والنقاء. إننا يجب أن نكون في «ماخور» كبير لأجل أن نكون صالحين للعولمة! إن العاقل الواعي الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها وأنظمتها وأوضاعها وتقاليدها وعاداتها وحركاتها كلها تخبطًا منكرًا شنيعًا، يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس، يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد كما تغير أزياءها في الملابسوفق أهواء بيوت الأزياء!! حتى المتغيرات ليست متغيرة مطلقًا، ولكنها متغيرة وفق ثوابت من القواعد العامة، والحدود الفاصلة بين الحلال والحرام، والمطلوب والممنوع. إن سر هذا الانحراف هو اتباع الهوى، إنهم ضائعون منحرفون عندما غيروا كل ثابت وثاروا على كل أصل، وفعلوا ذلك كله لأنهم كانوا هاربين من الله ومن الدين، وحتى من نفوسهم وأرواحهم التي بين جنوبهم.. بل وإنسانيتهم! ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾(الجاثية: 23). ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص:50).
إن هذا الضلال لا يجد له أرضًا إلا عندالجهلاء وأصحاب «الفراغ الروحي» وغير المحصنين، وعند «الطابور الخامس». إن ثوابتنا ثمرة طيبة لشجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أصيلة، ملزمة، مجالها واسع وبعدها عريض. وهي سر شخصية المسلم وهيبته ووجوده، فيها يعيش حرًّا أبيًّا وعزيزًا كريمًا، يرفض الضيم ويستعلي على مظاهر الضعف ويصبر على الأذى ويحتمل الابتلاء، ويواجه الظلم والجبروت والطغيان ويفرض احترامه وتقديره على الآخرين ولو كانوا أعداءه ومحاربيه. إنه لله بإخلاص وإنابة وتجرد، لا يطلب من أحد جزاء ولا شكورًا ولا ينتظر منهم ثناء ولا مدحًا. بل عبادة لله وحده ومنه الثواب. إنها مظهر من مظاهر حاجة المسلم لربه، إنها ضرورية وهي صمام الأمان، ملازمة للمسلم المؤمن، إنها أغلى ما يملك. ولا يفعل فعل تجار المبادئ وأزلام المواقف الذين يضحون بثوابتهم من أجل مصالحهم ومنافعهم. الثوابت لا تقبل المساومة، لا تخضع للمداهنة، لا تجري عليها المناورة ولا تتأثر بسوق العرض والطلب، ولا تؤثر فيها الظروف والأحوال. فالثبات الثبات على الثوابت، رغم الرأي والآراء الأولى! اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف الأبصار صرف بصري إلى طاعتك.
عيسى بن عبد الله الغيث
قاضي وأستاذ بكلية التربية للبنات- تبوك- السعودية
issag@naseej.com
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل