العنوان الرؤية السياسية للعمل الإسلامي المعاصر.. عدد 554
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
مشاهدات 52
نشر في العدد 554
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
الحمد لله الذي أنزل الحديد وكتب علينا القتال وقدر جهنم مأوى للذين يولون الكفار الأدبار. والصلاة والسلام على خير الخلق، وخير القادة، وخير الأمراء، وخير الزعماء، محمد صلى الله عليه وسلم ومن دعا وسلك طريقه وتذكر كتيبته الخضراء، قال ابن هشام، إنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها. وقال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال أبو سفيان: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال العباس، قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه سلم في المهاجرين والأنصار. قال أبو سفيان: والله يا أبا الفضل ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة.
لنسأل أنفسنا سؤالًا جوهريًا: لماذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؟ يجيب القرآن على هذا السؤال بآية قاطعة حاسمة وفاصلة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد: 25).
يقول الشوكاني في فتح القدير، ج 5، ص 177: «أي ليتبعوا ما أمروا به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة والقسط والعدل». ويؤكد الله في كتابه الكريم هذا المعنى المركزي بآيات عديدة مؤداها أن تحقيق العدل والقسط بين الناس هو الهدف السامي الذي تسترشد في تحقيقه كل رسالات السماء إلى الأرض. لا بل أن الله يتوعد كل الطغاة الجبارين المستكبرين في الأرض.
الذين يقفون حجر عثرة في طريق العدل بين الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: 21) وتتوالى الآيات في القرآن لتؤكد هذا المعنى:
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الأعراف: 29).
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ (سورة المائدة: 42).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة النساء: 135).
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: 18).
يقول ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، ج 4، ص 373:
«إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره».
ويقول أيضًا في موقع آخر من نفس الجزء الرابع، ص 309:
«إن الشريعة مبناها وأساسها في الحكم. مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى ضدها ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل».
إذا كان هذا هو هدف كل رسالات السماء إلى الأرض، وإذا كانت هذه هي مهمة رسل الله إلى الأرض، وإذا كانت هذه هي مهمة المصطفى صلى الله عليه وسلم باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين، فإن كل من يقف في وجه تحقيق هذا الهدف السامي- أي تحقيق العدل والقسط والمساواة بين الناس- وهو من ضمن من توعده الله في كتابه الكريم وهو من ضمن المعوقات في طريق الدعوة إلى الله. والقسط بين الناس لا يمكن أن يتحقق إلا إذا آمنت به مؤسسة الحكم وأجهزتها، فكيفما يكون موقف الحكم من قضية القسط بين الناس يكون حال الناس سلبًا أو إيجابًا. فإذا كان تركيب الهيئة الحاكمة تركيبًا مغلقًا امتيازيًا متسلطًا فلن يتحقق بطبيعة الحال القسط بين الناس. أما إذا كانت الهيئة الحاكمة ذات تركيب منفتح على الأمة ويرفض الامتياز عليها وينحاز انحيازًا تامًا لمصالح سوادها ويأتي الحاكم والهيئة الحاكمة إلى سدة الحكم برضا واختيار الأمة فمن الطبيعي أن يتحقق القسط بين الناس كما أمر به الله. والذين لا يفهمون هذا البعد من أبعاد شريعة الله يخطئون كثيرًا ويظلمون الناس كثيرًا، بل إنهم يظلمون أنفسهم أكثر وأكثر.
لأن مهمة الرسل والكتب السماوية كانت أساسًا كما تقول آية 25 من سورة الحديد- هي أن يقوم القسط بين الناس، لم تكن لهذا السبب الرسالات السماوية منعزلة عن قضايا الإنسان والمجتمعات الإنسانية. لم تكن لذلك الدعوة إلى الله في أي يوم من أيامها منفصلة عن قضايا الناس وأوضاعهم وهمومهم وتطلعاتهم إلى العدل والكرامة والحرية.
فدعوة شعيب- عليه السلام- ارتبطت بمشكلة اقتصادية: ﴿وَإلىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ (هود: 84).
ودعوة موسى عليه السلام ارتبطت بمشكلة سياسية: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (سورة الشعراء: 16-17)
ودعوة لوط عليه السلام ارتبطت بمشكلة اجتماعية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (سورة الشعراء: 160: 167).
نلاحظ أن دعوة شعيب كانت موجهة ضد جشع التجار وضد أشكال الدناءة التجارية التي كانت شائعة فيهم وما زالت شائعة في كثير من المجتمعات التجارية المعاصرة.. نقص في المكيال والميزان. ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (سورة المطففين: 1-3). كان هذا أمرًا شائعًا في مدين- قوم شعيب- رغم أنهم أي طبقة التجار هذه كانوا دومًا في ازدهار ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ (سورة هود: 84) يعني بثروة وسعة في الرزق تغنيك عن هذه الدناءة وبخس حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل. دعوة شعيب إذن لم تكن دعوة روحية محلقة في سماء الروحانيات المجردة إنما دعوة جاءت باسم الله لتحارب واقعًا اقتصاديًا يقوم على الاستغلال والاحتكار والابتزاز المعيشي. ودعوة موسى كانت موجهة للطغيان السياسي والتسلط والعجرفة التاريخية التي كان يمثلها فرعون. كان فرعون- كشأن فراعنة اليوم- يستبيح كل الناس، كل الأرواح، كل النساء، وكل الأطفال، حتى قال يومًا وعندما أسكرته السلطة: أنا ربكم الأعلى يأتي إليه موسى رسولًا من الله ليأمره برفع الأيدي عن بني إسرائيل ويخلي سبيلهم. كما أن دعوة لوط كانت مرتبطة بواقع اجتماعي منحل سقط سقوطًا ذريعًا، جاء لوط باسم الله ليهاجمه ويعلن المفاصلة معه.
هكذا إذن يقف أنبياء الله ورسله عبر التاريخ صفًا معارضًا للجشع التجاري والطغيان السياسي والتحلل الاجتماعي، وهي كما نلاحظ أخطر قضايا عصرنا هذا وبالأخص في العالم الإسلامي.
إذا كانت كما قلنا الرسالات السماوية ومن بينها الإسلام تستهدف تحقيق القسط بين الناس وتقف موقف التفاعل مع قضايا الناس، فلا بد والحالة هذه أن تتبلور الرؤية العملية للنجاح في هذه المهمة التاريخية الشاقة. فتحقيق القسط بين الناس وموقف التفاعل مع قضايا الناس هو صلب العمل السياسي، لا بل إن العمل السياسي الذي تقوم به الأحزاب والهيئات والمنظمات والدول لا يقوم إلا على تلك الركيزتين. بالرغم من التباين الحاصل في مفاهيم الناس لقضية القسط وبقية القضايا المطروحة على الساحة السياسية. إذن لا بد من بلورة رؤية سياسية واضحة ومحددة يسترشد بها العمل الإسلامي المعاصر وسط هذا الخضم من التلاطمات العالمية العنيفة. فالعمل الإسلامي لا يتحرك في عالم من الفراغ، بل يتحرك في عالم حافل بالرؤى والأفكار والقيادات والأنظمة والأحزاب والمنظمات والهيئات والجيوش المتعارضة. وإذا كانت هذه الطبيعة التعددية للعالم اليوم تشكل عقبة كبيرة أمام العمل الإسلامي، فإنها من زاوية أخرى ومنظور آخر تفتح آفاقًا جديدة للعمل الإسلامي أيضًا. ولا بد أن تحدد تلك الرؤية السياسية للأوضاع والأطراف والأشياء موقف العمل الإسلامي في تلك الأوضاع والأطراف والأشياء التي يعيشها الناس، لا يمكن أن يحقق العمل الإسلامي النجاح بين الناس إذا ظل يخاطبهم بمعزل عن قضاياهم العامة. ولا يمكن أن يعي الناس الغايات الشريفة الإنسانية التي يستهدف تحقيقها العمل الإسلامي، ما لم نتمكن من تأسيس لغة مشتركة مع الناس عموم الناس مهمة العمل الإسلامي في وسط الناس مهمة عسيرة وشاقة، غير أن لها مذاقًا تاريخيًا لا يمكن أن يعرف حلاوته إلا الذين يحملون نور الإسلام في قلوبهم ورؤية سياسية واضحة ومحددة في عقولهم. لأن هذه الدعوة إنما جاءت للناس ولا تقوم إلا بهم، ولأن الناس ليسوا إلا نتاج أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تصير إذن مخاطبة الناس ناجحة ومثمرة عندما نستوعب ونفهم ونحيط بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة التي أفرزتهم وحددت لهم ولاءاتهم السياسية وانتماءاتهم الاجتماعية أهمية وجود رؤية سياسية واضحة للعمل الإسلامي تحتل اليوم في رأيي المتواضع أخطر مكانة من أي موضوع آخر مطروح ضمن قضايا العمل الإسلامي، ذلك لأنه على ضوء تلك الرؤية السياسية تتحدد العلاقات السياسية للعمل الإسلامي مع المحيط الذي يتحرك ضمنه سواء على مستوى القطر أو المنطقة العربية أو المنطقة الإسلامية أو العالم أجمع.
إن الازدهار المستقبلي للإسلام رهن بالدور الموضوعي والعلمي الذي يمكن أن يقوم به المسلمون في مواجهة وحل المشكلة الاجتماعية الاقتصادية لمجتمعاتهم المعاصرة. وتلك حقيقة يجب أن نعيها حق الوعي وأن نعمل لها في إخلاص وتجرد. ولست أحسبنا ننجح في هذا الشأن ما لم نندفع بفكرنا الإسلامي لنتصور حركات التقدم والتطوير والمعاصرة التي تنشط وتؤثر في عالم اليوم. «د. محمد رضا محرم، المسلمون وحق الانتماء السياسي، المسلم المعاصر، ج 12، سنة 1977م، ص 151».
من الحقائق الكبيرة التي لا شك ينبغي أن توضع في الاعتبار ونحن نحاول صياغة رؤية سياسية للعمل الإسلامي يسترشد بها، نقول من الحقائق العصرية الكبيرة هي انحسار البعد العقائدي في الصراع الدولي وبروز البعد المادي في الصراع والذي يتركز على تقاسم مناط النفوذ في العالم. لم يعد الصراع الدولي اليوم بين القطبين صراعًا عقائديًا بالمعنى المتعارف عليه في بداية القرن، صراعًا بين الشيوعية والرأسمالية بقدر ما صار وفاقًا وسطًا بين تلك القوتين الاستعماريتين. ومن هنا صارت سياسة الوفاق DETENTE هي البديل العصري وعلى المستوى الدولي لسياسة الصراع CONFLICT هذه السياسة الجديدة والتي هي سياسة الوفاق التي تقوم أساسًا على تحاشي الاصطدام المباشر بين القطبين هي التي أدت إلى سلسلة الحروب المحددة أو حروب بالوكالة التي انتشرت بين بلدان العالم الثالث في آسيا وإفريقيا حيث يقطن معظم المسلمين في العالم. من هنا نقول إن معالجة الخلافات والصراعات ما بين دول العالم الثالث وهو بشكل أساسي عالم مأهول بالشعوب الإسلامية لا يمكن أن تتم بشكل صحيح دون وعي البعد الدولي لها ووقوع الأقطار الإسلامية ضحية وفريسة لعملية التقاطب السياسي العالمي. لذلك- في تصوري والله أعلم- ينبغي على الرؤية السياسية للعمل الإسلامي أن تنادي بشكل واضح إلى ضرورة استقلال العالم الإسلامي من حيث الإرادة السياسية عن كل ما تحاول فرضه علينا سياسة الوفاق بين الأقطاب. وهذه المناداة أو هذا التصور للمشكل السياسي الدولي ينبغي أن يضبط حتى عملية التلقي الثقافي من عالم القطبين الذي صار عالمًا واحدًا من حيث ماديته وواقعيته، نقول ذلك لأن العالم الإسلامي اليوم صار مستعمرة ثقافية غربية مما يكرس سيطرة الغرب علينا شئنا أم أبينا اعترفنا بذلك أو أنكرناه، فنحن أسرى ثقافة الغرب وضحايا نزعاته الإعلامية والدعائية حتي يصدرها إلينا خطأ كانت أو صوابًا ومن أخطر ما ورطنا الغرب فيه وفي غير تبصر منا توظيف الدين وتسخيره لممارسة العداء- بالوكالة- لكل الاتجاهات السياسية الراديكالية المضادة له. ومن هنا نجح اليمين السياسي الحاكم في معظم أرجاء العالم العربي الإسلامي والحليف الاستراتيجي للغرب نجح في لبوس التدين ورفع شعاراته والتستر وراءها رغم ممارساته المناقضة لجوهر الدين. ومن هنا صار اليمين السياسي في العالم العربي خاصة يهاجم قوى اليسار تحت دعوى الدفاع عن الدين. هذه القضية قضية استغلال اليمين السياسي العميل للغرب للدين في العالم الغربي يجب ألا تترك هكذا دون معالجة من طرف العمل السياسي. لا بد من فضح التناقض بين اليمين السياسي المسيطر على أجزاء كبيرة في العالم العربي والإسلامي من جهة والإسلام بمعناه المنهجي الحضاري العقائدي الشامل الذي ندعو له من جهة أخرى ولا بد من وعي المخاطر الكبيرة التي يمثلها اليمين السياسي على جوهر الدين الإسلامي ووجوده الواقعي في حياتنا في المنطقة.
من متطلبات الرؤية السياسية للعمل الإسلامي اليوم أيضًا هي عملية الإرشاد السياسي المرتبط به. إذ إن هناك مساعي حثيثة من طرف اليمين السياسي في العالم العربي والإسلامي إلى تبني العمل الإسلامي وتسخيره لتكريس الأوضاع السياسية هناك والتي لا تقوم إلا على ركيزة التحالف مع الغرب الرأسمالي. من هنا يحاول اليمين السياسي العربي إغراق العمل الإسلامي بالأضواء الرسمية وهذا من شأنه عزل الجماهير عن فاعلية العمل الإسلامي. لذلك ينبغي أن تراجع هذه القضية، أي قضية موقف العمل الإسلامي من اليمين السياسي المتحالف مع الغرب الذي يتزي بزي الدين وهو عن جوهر الدين بعيد. من هنا نعتقد أن على العمل الإسلامي أن يبدأ عملية جديدة من الإرشاد السياسي للعاملين يحدد موقف الإسلام العقائدي من الإسلام الرسمي الذي يبثه اليمين السياسي في العالم العربي ويسخره لمحاربة اليسار السياسي. ويجب أن يكون مضمون الإرشاد السياسي الذي نعني مضمونًا متقدمًا يتقيد بالأهداف الأساسية التي جاء الإسلام لتحقيقها في الناس ومن أهمها القسط بين الناس وما تعنيه من عدالة مطلقة قررتها الشريعة الإسلامية.
إن عملية الإرشاد السياسي الموضوعي والعلمي التي ننادي بها في أوساط العمل الإسلامي ستكون السلاح المانع الذي يكسر السيطرة التي تحاول أن تفرضها أوساط اليمن السياسي الغربي على العمل الإسلامي المعاصر. ويجب أن تشتمل عملية الإرشاد السياسي على مضامين الفكر السياسي المعاصر المطروح اليوم عالميًا ومحاولة بلورة رؤية سياسية واضحة إزاءه وتحديد موقفنا منه. إذ إن هذا التفتح الحذر الذي ننادي به على الفكر السياسي المعاصر هو الذي سيقوي عود منهجيتنا في التفكير الإسلامي وهو الذي سيفتح العالم لعملية التلاقح مع الإسلام العقائدي الذي ننادي به.
كذلك نقول إن من متطلبات الرؤية السياسية للعمل الإسلامي المعاصر اليوم هي تحديد الأهداف الاستراتيجية له. أكثر العاملين اليوم يؤكدون على أن العمل الإسلامي المعاصر يستهدف إقامة الدولة الإسلامية التي تلتزم بالإسلام وبشريعته على كل الصعد والمستويات. ولكن قليل منهم الذي يدرك معنى هذا الكلام على المستوى السياسي. أولًا القول باستهداف إقامة دولة إسلامية اعتراف ضمني بعدم وجودها اليوم. وإذا كان الأمر كذلك فما موقف العاملين المسلمين اليوم من الدول التي تدعي بالإسلام ولا تقوم به؟ ما أنواع هذه الدول؟ وما ارتباطاتها العالمية؟ وكيف يجب أن يكون الموقف منها؟ وهل يجوز موالاتها شرعًا؟ ثانيًا إذا كان العاملون في حقل العمل الإسلامي ينادون بضرورة قيام دولة إسلامية فهل هناك فعلًا برنامج واضح يستهدف تحقيق ذلك وما تفاصيله ومراحله وأطرافه؟ وما هي مدة التحول من الواقع السياسي المعاشي إلى الواقع الإسلامي الذي نرغب في استئنافه؟ وماذا سيكون موقف الدولة الجديدة المنشودة من قضايا هذا العالم ورؤاه وسياساته وتحالفاته؟ وكيف ستحل هذه الدولة القضية الاجتماعية الاقتصادية في مجتمعها؟ وأين ستقوم هذه الدولة وهل تأكدنا من ضرورة توفر خصائص سياسية وجغرافية وعسكرية وبشرية تردف إقامتها وتجعل مهمة الدفاع عنها أيسر حين تتكالب عليها الأمم وهذا أمر متوقع؟ وإذا كان الهدف الاستراتيجي للعمل الإسلامي هو إقامة الدولة الإسلامية فما هي المراحل التحويلية والتكتيكية التي ستقود العمل الإسلامي لذلك الهدف؟ وفي أي مرحلة نحن الآن؟ هذه الأسئلة وغيرها لا بد من طرحها بوضوح والسعي للإجابة عليها بوضوح، ذلك أن السير فوق هذه الأرضية- دون الوعي المطلوب- كالسير في حقل مليء بالألغام.
إن بلورة رؤية سياسية محددة ستفرز التحرك السياسي المطلوب في العمل الإسلامي. وأن من مقتضيات التحرك السياسي تطوير أدوات العمل السياسي ومن أول هذه الأدوات وجود نظرية إسلامية في العمل السياسي المعاصر ووجود كوادر متخصصة ومتمرسة بالعمل السياسي ووجود وسائل إعلامية لتحشيد وتنظيم الرأي العام الإسلامي وتطوير العمل النقابي خاصة في غياب التنظيمات السياسية في معظم البلاد الإسلامية. ونعتقد أن هذه القضية- قضية بلورة رؤية سياسية واضحة- من شأنها إذا حسمت أن تدفع العمل الإسلامي دفعة نوعية هامة والله ولي التوفيق.
د. عبد الله فهد النفيسي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل