; الرؤية الشرعية للعمليات الاستشهادية | مجلة المجتمع

العنوان الرؤية الشرعية للعمليات الاستشهادية

الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996

مشاهدات 100

نشر في العدد 1192

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 19-مارس-1996

• إتلاف النفس لا يجوز إلا للحق وبالحق، وجمهور العلماء يجيز قتل بعض المسلمين إذا تترس بهم المشركون

تفتقد بعض الموضوعات الجهادية إلى التأصيل الشرعي والتكييف الفقهي كموضوع «العمليات الاستشهادية» أو ما يطلق عليه «بالعمليات الانتحارية» وهي تسمية خاطئة لمثل تلك العمليات؛ إذ إنها ليست نوعًا من الانتحار.

وتتمثل تلك «العمليات الاستشهادية الجهادية» في قيام المقاتل ذي الإمكانية المحدودة بالتسلل إلى أرض العدو، سواء كانت أرض العدو هذه هي أرضه في الأصل، أو كانت أصلًا بلادًا للمسلمين، إلا أن العدو قد احتلها وفرض عليها شعبه ونظامه وسلطانه، والقيام بعمل جهادي ضدهم عن طريق الاشتباك معهم في قتال أو أن يلف المقاتل نفسه بحزام من المتفجرات، ثم يقتحم على العدو مقرهم أو يظهر الاستسلام لهم ثم يقوم بتفجير نفسه بقصد القضاء على العدو، أو إلحاق الضرر بهم إما عن طريق إيقاع الإصابات بهم، أو ببث الرعب في نفوس مقاتليهم وتجرئة المسلمين عليه، وقد يتيقن موته أو يغلب على الظن موته في تلك العمليات.

فيا ترى ما هو الحكم الشرعي والتكييف الفقهي لمثل هذه «العمليات الاستشهادية» في الوقت الذي يحاول البعض أن يثبط المسلمين ويزرع فيهم روح الهزيمة والخذلان؟

لقد بحث فقهاؤنا هذه المسألة تحت حكم «حل الفرد الواحد على الجماعات من العدو» حيث ذهب كثير من السلف إلى القول بجواز مثل تلك «العمليات الاستشهادية» بضوابط، سواء غلب على ظن المقاتل أنه سينجو بنفسه أم لا، وإنما اشترطوا فقط أن تكون هذه «العملية الاستشهادية» بنية خالصة وأن يكون في عمليته تلك إيصال نفع للمسلمين أو إلحاق نكاية بالعدو، واستدلوا على ذلك بالآتي:

أولًا: النصوص الدالة على جواز هذا الفعل:

1- ما جاء في صحيح مسلم: «عن أنس بن مالك: أن "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم «أحد» في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قربوا منه قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم - لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا».

2- ما جاء في تفسير الطبري: أن أبا إسحاق سأل "البراء بن عازب": قال "أبو إسحاق": الرجل يلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، إنما هو وحده! أيكون ممن قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة (البقرة: 195) فقال: لا، ليقاتل حتى يقتل! قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ(النساء: 84).

3- عندما عسكر المسلمون بالقرب من الفرس فنفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلًا من طين، وآنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، فقيل له: إنه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل، ويفتح للمسلمين.

4- وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت "بنو حنيفة" بالحديقة قال رجل من المسلمين وهو "البراء بن مالك": ضعوني في الجحفة -ترس يتخذ من الجلود- وألقوني إليهم، ففعلوا، فقاتلهم وحده، وفتح الباب.

5- ما روي أن رجلًا قال "للنبي"- صلى الله عليه وسلم-: «رأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: فلك الجنة، فانغمس في العدو حتى قتل».

ثانيًا: أقوال أئمة السلف

1- قال "ابن عربي" عند حديثه عن حمل الفرد الواحد على الجماعة من العدو: «والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه:

الأول: طلب الشهادة.

الثاني: النكاية.

الثالث: تجرئة المسلمين عليهم.

الرابع: إضعاف نفوسهم - أي الكفار- ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع؟! والفرض لقاء واحد اثنين، وغير ذلك جائز».

٢- قال "القاسم بن مخيمرة" و"القاسم بن محمد" و"عبد الملك": لا بأس أن يحمل الرجل على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة.

3- وقال "ابن خويز منداد": فأما أن يحمل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان:

إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا.

4- وقال "محمد بن الحسن": لو حمل رجلواحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ‏(التوبة: ١١١) إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه.

5- وقال المفسر "القرطبي": وعلى ذلك يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعًا في الدين فبذل نفسه فيه حتى كان في أعلى درجات الشهداء.

6- وجاء في الدر المختار: إذا علم أنه يقتل يجوز له أن يقاتل بشرط أن ينكى في العدو وإلا فلا.

7- وقال "الشوكاني" في نيل الأوطار تعليقًا على حادثة العشرة الذين كان عاصم بن ثابت رئيسًا عليهم، وكانوا ذاهبين بأمر "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم- لدعوة قوم إلى الله وتعليمهم الإسلام فأحاط بهم مائة رجل ليقتلوهم فرموهم بالنبل فقتلوا سبعة منهم وبقي ثلاثة هم: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فأسرهم القوم فلما أحس الرجل الآخر بغدرهم وأنهم لن يتركوه حرًّا قال: والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء «يعنى القتلى» الأسوة، فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه.. إلخ، دل الحديث على أنه يجوز لمن لا طاقة له بالعدو أن يقاتل حتى يقتل، كما يجوز له أن يستأسر «أي يرضى بالأسر».

هذا هو رأي المجيزين لتلك «العمليات الاستشهادية الجهادية» وتلك هي أدلتهم، كما أن أصحاب هذا الرأي يرون أن هذا النوع من القتال قتال مبرور، والمقتول فيه شهيد في الدنيا والآخرة.

إن كان أهل العلم قد تعددت آراؤهم في حكم هذا العمل إلا أننا آثرنا نقل وجهة نظر المجيزين لمثل هذه العمليات الاستشهادية، ونفتح المجال السماع الرأي الآخر وأدلتهم؛ حيث إن بعض القضايا المتعلقة بالسياسة الشرعية لم تعط كما قلنا حقها من البحث والتنقيب لدى الجماعات الإسلامية، ولعل هذه المقالة بداية البحث للوقوف على رأي راجح في مثل هذه المسائل الشائكة نوعًا ما.

إلا أنه مما يجدر التنبيه إليه أنه لا يجوز اعتبار «العمليات الاستشهادية» مدخلًا من مداخل الانتحار أو قتلًا للنفس بغير حق أو إلقاء باليد إلى التهلكة المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(البقرة: 195) كما يتوهم البعض؛ لأن معنى التهلكة - كما فسرها أكثر المفسرين- هو الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الجهاد لما روى الترمذي عن أسلم "أبيعمران" حكاية عن غزو "القسطنطينية" أنه حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام "أبو أيوب الأنصاري" فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا سرًّا دون "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم-: إن أموالنا ضاعت، وإن الله أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يرد على ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(البقرة: 195) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.

فالانتحار حرام بالاتفاق ويعتبر من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله لقوله – تعالى-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (النساء: 29، 30).

كما أخبر "النبي" - صلى الله عليه وسلم - عن خلود المنتحر في النار إذا استحل ذلك، وبالعذاب الطويل إذا لم يستحله كما جاء في حديث أبي هريرة: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» الحديث.

بل إن الفقهاء قرروا أن المنتحر أعظم وزرًا من قاتل غيره وهو فاسق وباغ على نفسه، حتى قال بعضهم: لا يغسل ولا يصلى عليه كالبغاة.

إلا أنه مما تجدر الإشارة إليه أن المنتحر أو «قاتل نفسه» إنما حرم لمقاصده السيئة كان يقتل نفسه جزعًا أو يأسًا أو غير ذلك من المقاصد السيئة كما في حديث جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقا -انقطع- الدم حتى مات، قال الله – تعالى-: بادرني عبدي بنفسه؛ حرمت عليه الجنة».

فقاتل نفسه على هذه الصورة يعذب يوم القيامة عذابًا شديدًا طويلًا؛ لأن هذا القتل يعتبر تعديًا لحدود الله، وظلمًا عظيمًا للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، كما أن فاعله يعتبر ساخطًا على قضاء الله وقدره غير راض بحكم الله فيه، لذلك أسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسه، وهذا النوع هو المسمى بالانتحار في عصرنا هذا.

ثم إن الانتحار أو قتل النفس قد خلا من المقاصد الشرعية كما في البخاري ومسلم، عن "أبي هريرة"- رضي الله عنه، عن "النبي"- صلى الله عليه وسلم- قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا أبدًا، ومن تحسي سمًّا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها -أي يطعن بها- في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».

ولكن من ألقى بنفسه في الهلاك لصالح دينه أو لصالح المسلمين كالعمليات الاستشهادية فقد فدى دينه وإخوانه بنفسه، وذلك غاية التضحية وأعلاها، وكم للمسلمين الأوائل من مواقف مشهورة كلها تضحية وفداء، فمن الخطأ من القول: إن تلك العمليات الاستشهادية ضرب من ضروب الانتحار؛ وذلك أن تلك العمليات الاستشهادية قد توفرت المقاصد الشرعية فيها وتهيأت الأسباب الصحيحة بها، فإن قتل النفس في الشرع له وجه واعتبار، بل يأمر به، فقد أمر الله تبارك وتعالى بعض المسلمين بأن يقتلوا أنفسهم كإعلان توبتهم مما اقترفوا، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 54).

وهو إن كان شرع من قبلنا وقد رفع حكمه هذا، فإن ذلك النسخ ليس لكونه باطلًا في ذاته؛ وإنما ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فتبين منه أن قتل النفس وإن كان على إطلاقة محرمًا إلا أنه قد يصح حالما وقعت المصلحة والمقصد الديني، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (النساء: 66- 68).

ولا يفترض الله عز وجل أن يكتب شيًئا باطلًا، فتبين أنه قد يكون هذا حقًّا مشروعًا عند السعي لتحقيق مراد الله من إعلاء كلماته وإعزاز دينه.

وإتلاف النفس لا يجوز إلا الحق بالحق، ولا أحق في المقاصد والغايات من السعي لإحقاق الحق ومحق الشرك وإعلاء الدين.. ألا ترى إلى الغلام الرباني الذي كان مؤيدًا من السماء بالآيات البينات كيف أمر بقتل نفسه صابرًا محتسبًا، وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم قصته -فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه- ضمن قصة طويلة وفيها: «فقال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جزع ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمِ به، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ذلك، فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام»، وهذه الحادثة من أقوى الأدلة على أنه لا ينبغي تسمية العمليات الاستشهادية بالانتحارية، فالراجح أنها كانت بالوحي، والظاهر أن الذي كفى الغلام جند الملك في المرة الأولى حتى رجف بهم الجبل فسقطوا وجاء الغلام يمشي إلى الملك، والذي كفاه إياهم في المرة الثانية، حتي انكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء الغلام يمشي إلي الملك، نقول: إن الذي كفاه بما شاء هو الذي أيده في الفعل الأخير ليقضي أمرًا كان مفعولًا.. لتختم الآيات فتكون برهانًا يؤمن عليه الناس وقد فعلوا، كما أن حكاية "النبي"- صلى الله عليه وسلم - هذه القصة لنا فيه إقرار على ما فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى(النساء: 111)، ولذلك يقول شيخ الإسلام "ابن تيمية": «إن الغلام أمر بقتل نفسه من أجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين».

وأيضًا فإن جمهور العلماء يجيز قتل بعض المسلمين إذا تترس بهم المشركون وتدرعوهم ليتحصنوا من المسلمين، فلم يكن بد من قتال المشركين، وإن أصيب المسلمون.. قال الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى: ۲۸/ 527): «إن الأمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف علي المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن يرميهم ويقصد الكفار، ولو لم يخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد الثمرات الجياد» (ص: ١٣٦، ١٣٧).

فالخلاصة إذًا أن تسمية «العمليات الاستشهادية» بـ«العمليات الانتحارية» لا يجوز شرعًا إذا تحققت فيها الضوابط الشرعية؛ لأن هذه التسمية تصادم النصوص الشرعية وتخالف أقوال الأئمة التي سقناها، ولأن الانتحار يكون سببه إما الخوف، أو عدم الصبر، أو استعجال الموت للتخلص من الآلام، أو الخوف من التعذيب، أما العمليات الاستشهادية فغايتها نصرة الدين والمسلمين.

«*» أستاذ بكلية الشريعة، جامعة "الكويت".

الرابط المختصر :