العنوان الرؤية الفكرية عند المسلم المعاصر
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
مشاهدات 54
نشر في العدد 845
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
● مجرد وجود المسلم المعاصر -في حد ذاته- في هذا العالم المادي المتلاطم يعبر دون شك عن حالة الوعي للقضية الإسلامية، واستمرار المسلم المعاصر ونجاحه في هذا العالم- رغم المعوقات الجسيمة التي تعترضه- لا شك رهن بحالة الوعي هذه، وحتى يستمر الوعي لابد أن يعمل المسلم المعاصر على تكامليّة رؤيته الفكرية وتحصينها من الثغرات.
من هنا صار لزامًا على الاختصاصيين في العلوم الإنسانية من الإسلاميين صياغة رؤية فكرية موحدة يستطيع المسلم المعاصر أن يسترشد بها نظريًا ليفسر ويحلل الأحداث من حوله، وينبغي أن تكون هذه الرؤية الفكرية مبنية على أساسين ضروريين: أولهما أن تنبثق من دراسة مستمرة للمجتمع بتطوراته المتلاحقة، وهذا يؤدي دون شك إلى ارتباط وثيق بقضية الجمهور وتحسس جيد لنبضه، وثانيهما أن تتولد هذه الرؤية الفكرية من خلال التلازم مع التطور العملي للقضية الإسلامية وسياقها الاجتماعي والسياسي، وليس بمعزل عن ذلك.
● يقول هيرمان كان في كتابه القيِّم الذي نشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت بعنوان «العالم بعد مائتي عام» التالي:
«إن رسم صورة مقنعة لمستقبل عمل ومنشود أمر في غاية الأهمية لروح معنوية عالية، ودينامية في العمل، وإجماع في الرأي، وضمان بوجه عام لمساعدة دولاب المجتمع على الدوران في هدوء وسلاسة» انتهى.
وهذا بالضبط ما أقصد، هو رسم صورة للمسلم المعاصر مقنعة للمستقبل وعملية حفاظًا على روحه المعنوية وديناميته العملية، لمساعدته على الحراك الاجتماعي في هدوء وسلاسة، والعالم اليوم يعيش في حالة من الضوضاء، ويضج بالحركة الفكرية: المناقشة وتمحيص المفاهيم وسبرها، ووضع البرامج وصياغتها، وتشخيص القضايا وتحليلها، واستشراق المستقبل ورصد توقعاته واحتمالاته وغير ذلك من الأمور التي تتطلب جهدًا فكريًا منظمًا وعظيمًا.
ولا يستطيع المسلم المعاصر أن يُحقق نجاحًا في هذا المعترك الفكري والحضاري بمعزل عن هموم وقضايا ذلك المعترك، فهو لا يتحرك في فراغ، ولا يتجه إلى فراغ، ولذا ليس أمام المسلم المعاصر إلا أن يتناغم مع هذه الحركة الفكرية التي يضج بها هذا العالم، وليس التناغم معناه التبعية الثقافية والفكرية للشائع من الثقافات والأفكار، ولكن المقصود به هو القبول بالمزاحمة الفكرية والتعددية الثقافية وحركة الحِجة والبرهان والحوار.
● في هذا السياق أجد أن المسلم المعاصر في حاجة أكيدة للتوجيه الفكري السليم. وليس من شك في أن للتوجيه الفكري مناخه وآفاقه، وهو مناخ وأفق يختلف- دون شك- من التوجيه الخطابي الذي كثيرًا ما يتعرض له المسلم المعاصر اليوم.
من هنا علينا ألا ننسى الحد الفاصل بين الفكر والخطابة وبين الموجِّه الفكري والخطيب.
التوجيه الفكري يركز على البناء العقلي، بينما التوجيه الخطابي عند بعض الخطباء يركز على البناء العاطفي، وينشط في مناشدة العاطفة، ويستحضر لها لوازمها الدرامية، والتوجيه الفكري يتعامل مع المفاهيم والمصطلحات والمناهج، بينما بعض الخطباء يتعامل مع الروايات والوقائع والتاريخ.
والتوجيه الفكري يبذر بذوره، أما التوجيه الخطابي عند بعض الخطباء فيعبئ ويستجيش، ويناشد ويستجيش في سخونة وحرارة، ومن الملاحظ أن بذرة التوجيه الفكري أدوم أثرًا، وأمضى سلاحًا من عبوة التوجه الخطابي «زمانًا ومكانًا»، وحاجة المسلم المعاصر اليوم إلى التوجيه الفكري أكثر إلحاحًا من حاجته للتوجيه الخطابي بالوضع الذي عليه اليوم، ومطلوب الاهتمام في إعداد الموجه الفكري لسد هذه الحاجة الماسة.
ومن المهم أن ندرك بأن إعداده ضروري، فهو الحارس الأمين للجبهة الأيديولوجية التي يتحصن بها المسلم المعاصر.