العنوان بعد حياة حافلة بالنضال والإنجازات : الرئيس البوسني علي عزت يودع كرسي الرئاسة
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1413
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-أغسطس-2000
خاض معركة البقاء بجدارة وحقق أسس هذا البقاء في دولة مستقلة بأكثرية إسلامية تتوافر فيها الديمقراطية
في مقابلة تلفازية بثها التلفاز البوسني، وقف الرئيس المفكر أمام شعبه ليبلغه قراره التاريخي، ليضاف إلى بقية قراراته التاريخية، بدءًا بحمله قضية المسلمين في يوغسلافيا على عاتقه طيلة حياته الحافلة بالنضال، مرورًا بتحقيق دولة ديمقراطية تتوافر فيها الحريات، للجميع دون استثناء، وانتهاء بإعلان الابتعاد عن المهام السياسية في ١٢ أكتوبر القادم لأسباب كثيرة منها تقدم سنه؛ حيث سيبلغ في هذا الشهر «أغسطس ٢٠٠٠م» ٧٥ عامًا.
حياة حافلة: منذ فترة شبابه انضم الرئيس علي عزت إلى جمعية الشباب المسلم وتعرض إلى محاكمات عدة أشهرها محاكمة ۱۹۷۲م، ومحاكمة ۱۹۸۳م، مع اثني عشر شخصًا بتهمة مناهضة الشيوعية والعمل على إقامة دولة إسلامية من خلال الأساس النظري والطرح الفكري الذي جاء في البيان الإسلامي الذي كتبه الرئيس علي عزت سنة ۱۹۷۰م، وفي ١٤ مارس ١٩٨٤م، صدر الحكم على المناضل الإسلامي علي عزت بالسجن لمدة تسع سنوات لم تفت في إقدام المفكر العملاق على المضي قدماً من أجل ترسيخ قيم الإيمان والجهاد، كما جاء في «البيان» الذي توقع فيه تغير حال العالم الإسلامي نحو «الأسلمة» بعد مراحل من التبعية والإخفاقات السياسية والهزائم والنكبات والتجارب المختلفة، متهمًا القوى الدولية بالانتهازية واستغلال الوضع السائد لتحقيق أهدافها بوسائل مختلفة لتأمين هيمنتها على المسلمين، وإبقائهم في قاع التخلف والتبعية للغرب، ويقول علي عزت في «البيان»: إن ما نناضل من أجله هو إخراج المسلمين من دائرة التخلف والفقر والاعتماد على الآخرين وإن جذور الجهاد لا تزال حية، لقد مضت قوافل الشهداء وهي تقاتل الجاهلية، نريد بخطوات واثقة أن نقف على بداية طريق العودة إلى سيادة أنفسنا ومستقبلنا.
هل حقق علي عزت أهدافه؟
على المستويات الثلاثة القريبة والمتوسطة والبعيدة، حقق علي عزت الأسس الثابتة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية التي عمل من أجلها طيلة حياته، فما من رجل واحد يمكنه أن يحقق الأهداف الموضوعية لأمة ما وحده أو في زمنه.
على المستوى القريب: خاض الرئيس عليّ عزت جهادًا استمر عقوداً من الزمن توج بقتال دام أربع سنوات، أفرز من جديد دولة البوسنة والهرسك بعد قرون من الذوبان، ومحاولة حصر المسلمين في ثنائية لغوية هي: الصرب وكرواتية، وثنائية جغرافية هي: «كرواتيا الكبرى»، «وصربيا لكبرى»، وفرض ثقافة أحادية هي الوجودية الأوروبية بمسوحها النصرانية.
لقد استطاع عليّ عزت خوض معركة البقاء بجدارة وحقق أسس هذا البقاء في دولة مستقلة بأكثرية إسلامية تتوافر فيها «الديمقراطية» والحريات الدينية.
إن الدولة التي أسسها عليّ عزت ليست الدولة الإسلامية التي حلم بها الرواد بمن فيهم الرئيس عليّ عزت، ولكنها الدولة التي يستطيع الرواد أن يؤسسوا فيها للقاعدة الصلبة.
المستوى المنظور: نشاهد اليوم في البوسنة قيام مدارس إسلامية متقدمة يُدَرَّسُ فيها جميعُ العلوم واللغات الحية في مقدمتها اللغة العربية مع جرعة كبيرة من التربية الإسلامية وانتشار حركة بناء المساجد في المدن والقرى البوسنية بشكل لم يسبق له مثيل، وكلها ستؤتي أكلها رغم كل المساعي الجبارة التي تبذل من أجل إغراق البوسنة في وحل الرذيلة الغربية لجعل البوسنة نسخة طبق الأصل من مجتمعات لا أخلاق لها.
وعلى المستوى السياسي نرى توسعًا في الحكومة المركزية التي أصبحت تضم ٦ وزارات سابقًا، وتكوين جيش موحد بدلًا من فيدرالي وجيش صربي، وسيكون قوام هذا الجيش خمسة عشر ألف جندي، ٧ آلاف مسلم وخمسة آلاف صربي، وثلاثة آلاف كرواتي، وسيبسط هذا الجيش نفوذه على الحدود البوسنية وخاصة المتاخمة لكرواتيا وصربيا.
وعلى المستوى الاقتصادي: أرسى علي عزت أسس اقتصاد بديل وحر لإدارة الأزمات في ساعة العسرة، ووضع يده على أهم المؤسسات لضمان استمرارية مشروعه الحضاري بطرق شرعية لا يستطيع أحد الطعن فيها قانونياً لأن الأموال وصلت بطرق شرعية عن طريق التبرع الشخصي وليست أموال دولية أو أموال دافعي الضرائب، وليست أموال العائدات من المواد الخام أو غيرها.
ولم يترك عليّ عزت الحكم إلا بعد أن اطمأن على الحدود الجنوبية، فكرواتيا الفاشية قد ماتت مع «تومان»، أما صربيا فهي كما توقع لها عليّ عزت أصبحت مسرحاً للفوضى والانحطاط السياسي والاقتصادي، فالجبل الأسود سيكون الشعرة التي ستقسم ظهر ميلوسوفيتش بعد إثقال كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك وكوسوفا، أما «قوقودينا» فستسلمُ على طبقٍ من ذهب إلى المجر.
ورغم هذه الخطوات المهمة والتي ستنعكس إيجابًا على مستقبل البوسنة والهرسك، إلا أن عودة المهجرين تمثل عقبة في وجه السلام، فأعداد العائدين لم تزد على بضعة آلاف وما زال هناك عشرات الآلاف ممنوعين من العودة، مما جعل مناطق مثل: بريدور وقوتشا وبالي، ضمن القائمة السوداء لدى الأمم المتحدة، بسبب استمرار الصرب في رفض عودة المسلمين إلى ديارهم، وتلك قضية يتكفل بها الزمن وهي من النقاط المركزية التي حرص عليّ عزت على تثبيتها في اتفاقية دايتون «21 نوفمبر ۱۹۹۲م».
على المستوى البعيد: من النقاط الاستراتيجية، بل القضايا التي يحرص ويعمل من أجل تحقيقها الرئيس علي عزت توثيق العلاقات بين المسلمين في البوسنة والهرسك وإخوانهم في العالم، وقد أسهمت محنة المسلمين في البوسنة في تعاظم التعاطف الإسلامي مع المسلمين في البوسنة.
لقد فعل علي عزت الكثير، وكرس حياته لخدمة شعبه وأمته، وعلينا جميعًا النسج على منواله.
«البيان الإسلامي».. أفضل ما كتب بيجوفيتش
من أروع ما كتب الرئيس علي عزت كتاب البيان الإسلامي وهو إصدار يجسد خلاصة فكره ونظرته لقضايا العالم من خلال فهمه للإسلام، ويتضمن هذا المؤلف أراءه ورؤاه للعديد من القضايا الإسلامية وعلاقة المسلمين بالعالم.
ولأهمية هذا المؤلف نسلط الضوء على خلاصة محتواه..
«يمر العالم الإسلامي بمرحلة مخاض، ومهما تكن النتيجة فإن أمتنا لن تكون كما كانت عليه في الخمسين سنة الأولى من القرن العشرين وتحاول القوى الدولية استغلال الوضع السائد في العالم الإسلامي لتحقيق أهدافها بوسائل مختلفة لتأمين هيمنتها على المسلمين، وإبقائهم في قاع التخلف والتبعية للغرب، إن ما نناضل من أجله هو إخراج المسلمين من دائرة التخلف والفقر والاعتماد على الآخرين، وإن جذور الجهاد لاتزال حية، لقد مضت قوافل الشهداء وهي تقاتل الجاهلية، نريد بخطوات واثقة أن نقف على بداية طريق العودة إلى سيادة أنفسنا ومستقبلنا، وإقامة مجتمع إسلامي موحد من طنجة إلى جاكرتا».
ويرد على المشككين والرافضين بقوله: «قد يبدو الهدف الذي نصبو إليه بعيد المنال، لكنه واقعي وحقيقي على عكس الأفكار اللا معقولة التي عمل ويعمل الآخرون على تحقيقها، وينتقد مصطفى كمال: «إن الذي جناه مصطفى كمال على تركيا كان غريبًا عن التراث والحضارة التي وفرت ما شهده الأتراك من قوة وعظمة طيلة قرون مديدة».
قراءة سريعة: ينقسم «البيان الإسلامي» إلى ثلاثة أبواب، تحدث في الباب الأول عن تخلف الشعوب الإسلامية، ويؤكد فيه أن تقدم المسلمين لا يمكن أن يتحقق خارج المنظومة الإسلامية مستشهدًا بأمجاد الماضي وإخفاقات الحاضر، ويدعو جميع المفكرين في العالم الإسلامي إلى الالتقاء حول المرجعية الإسلامية وبعد ذلك يمكن للخلاف أن يسع الجميع.
وعن أسباب الهزائم يبرز علي عزت إحداها وهي التي حدثت في العالم الإسلامي، ويضرب مثلًا كذلك بما حدث في العراق بعد عام ١٩٥٨؛ حيث أدت إلى تخلف المسلمين، وكانت وراء الخسائر الاقتصادية وخاصةً في القطاع الزراعي.
وينتقد الأوضاع في باكستان والجزائر ونيجيريا بسبب هدر الطاقات ومحاولة القفز على حقائق التاريخ والحضارة، كما ينتقد بورقيبة الذي عمل على فرنسة تونس سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا ويؤكد عليّ عزت أن المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي ركيزتان أساسيتان لا يمكن تحقيق نظام إسلامي دونهما، ويضع معالم على طريق البديل الإسلامي:
۱ - الفرد والمجتمع: المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يقوم على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فقط؛ إذ إن الفرد عنصر في الجماعة والجماعة تقوم على أساس انتمائها الروحي.
٢ - المساواة: الإسلام يرفض التقسيم والتفريق بين المسلمين، فالفارق الوحيد هو العمل و ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:۱۳)
3- الأخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ۱۰)؛ لذلك فإن المسلم يجدْ نفسه ملتزمًا بمصالح إخوانه المسلمين في أصقاع الأرض رابط معنوي من يفرط فيه يكون بعيدًا عن الدائرة الإسلامية.
٤ - وحدة المسلمين: الإسلام يحتوي كل المبادئ التي تتضمن وحدة المسلمين الإيمان ,الثقافة السياسية والإسلام ليس قومية ولكنه فوق القوميات؛ لأنه يوحدها، إن الإسلام رؤية شاملة، الجامعة الإسلامية اتجاهه السياسي.
5 - الملكية: الإسلام يبيح الملكية الخاصة وهو لا يمنع الغنى ما دام الإنسان صالحًا، ويكسب ماله من حلال، أما الموارد الطبيعية فهي ملكية عامة لكل أفراد المجتمع.
٦ - الزكاة: من أركان الإسلام وهي توزيع الأموال بين الناس بالعدل، في حين أن الإسلام حرم الفائدة على الأموال؛ لأنها تدخل في نطاق الربا.
۷ - الشورى: مبادئ الحكم الإسلامي ثلاثة:
أ - اختيار أولي الأمر.
ب - واجباتهم تجاه الناس.
ج - طاعة المجتمع لهم.
8- الحريات: التربية الصحيحة للشعب يجب أن تكون وسائل الاتصال الجماهيري خاصة الصحافة والإذاعة والتلفاز والأفلام، بيد أشخاص يحسنون تقديمها بسجايا إسلامية، وهذا لا يعني أن الفكر في النظام الإسلامي يخضع للدكتاتورية، وإنما يعني الحفاظ على نسق الأخلاق وصلاح تربية النشء وتطور المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الدين، وطريقنا يقوم على كسب الإنسان وليس الاستيلاء على السلطة.
9- المرأة والعائلة: لا بد من تعليم المرأة ورفع مستواها التثقيفي والتعليمي لكي تقوم بدور المربية للأجيال، وجميع أنواع الاستغلال والاحتكار يجب أن تنتهي.
وحول الإسلام والقومية يقول علي عزت الإسلام أمام مهمة طبيعية، وهي تحقيق مآرب المسلمين بإقامة أمتهم الواحدة من المغرب حتى إندونيسيا، ومن أواسط إفريقيا الحارة إلى أواسط آسيا الباردة، إن إقامة المجتمع الإسلامي الموحد ليست فكرة أحد وليست رغبة جامحة لأي كائن وإنما تقوم على ما ورد في القرآن من أن المسلمين إخوة وأن الإسلام يوحد المسلمين في صيامهم وحجهم إلى مكة وبالنسبة لنا - مثلاً - فإننا شعب كامل، ولكنه اليوم مجزا، شعب واحد - كالعرب - من الضروري أن يكون موحدًا، هذه مسألة إسلامية مهمة، إن المسلمين في مصر لا يشعرون بمعاناة المسلمين في إثيوبيا أو كشمير، في الوقت الذي لا تستطيع فيه البلدان العربية الحد من قساوة إسرائيل، هذا يعني أن هناك شيئًا غير عادي في وحدة الشعب العربي، ويجب أن يكون الصحيح الوحدة الإسلامية.
إن فكرة القومية في الدول العربية فكرة دخيلة أجنبية، وفكرة القومية الدخيلة هذه نجدها خلال ما تزرعه الجامعات الأجنبية في بيروت وما زرعه سوكارنو في إندونيسيا، وحزب البعث في بعض البلدان العربية، وأما فلسطين فكانت دائمًا بالنسبة للمسلمين في موضع القلب والقدس ليست مسألة الفلسطينيين أو العرب وإنما قضية الإسلام والمسلمين.
والبيان مليء بالكثير من الأفكار والمبادئ.
وعليّ عزت رجل علميِّ يحرصُ ويدعو المسلمين للحرص على استعمال الرزنامة «التقويم» والساعة في جميع أعمالهم.
إنه يستخلص الأمل من يأس المحبطين والحياة من دماء الشهداء هذه الأجيال لم يكن من الممكن أن تكون موجودة في الماضي؛ لأنه كان لا بُدَّ من المرور بفترة اضطراب وكان لا بُدَّ من إثبات عدم قدرة الأرباب الكاذبين والآباء المتخلفين المتخلفي الأوطان على التغيير.
كان لا بُدَّ من ميلاد الطغاة ومن قهر الفقراء لا بُدَّ من هذا كله لميلاد الزمن الذي تبدأ فيه هذه الأجيال ترى بوضوح عدم جدوى البحث في الفراغ، وأن مخرجها الوحيد بتجمع إسلامي واحد، إن الذي نعد به نحن هو العمل والنضال والتضحية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل