; الرئيس السوداني في حوار مع المجتمع حول هموم السودان وتطلعاته | مجلة المجتمع

العنوان الرئيس السوداني في حوار مع المجتمع حول هموم السودان وتطلعاته

الكاتب محمد سالم الصوفي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

مشاهدات 48

نشر في العدد 1326

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

  • ترشحي للانتخابات القادمة خاضع للأجهزة وما زال هناك زمن
  • لا يوجد نشاط معاد لمصر في السودان
  • راضون عن التطور الإيجابي في العلاقات مع الكويت
  • مصر لم تتخذ قرارًا بتطبيع العلاقات مع السودان
  • نعم.. ندعم الجهاد الإريتري

أكد الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير أن العدوان الأمريكي على مصنع الأدوية في الخرطوم، ولد تعاطفًا إقليميًا ودوليًا كبيرًا مع بلاده كما أقنع الآخرين بسلامة مواقفها.

وقال في مقابلته الخاصة مع المجتمع، إن تعاطف الشارع العربي والإسلامي مع السودان سيكون مهمًا للضغط على الولايات المتحدة لو حاولت الاعتداء مرة أخرى على بلاده، وبخصوص علاقاته مع إريتريا ودعمه لحركة الجهاد الإسلامي أوضح الرئيس البشير أن أسياس أفورقي سلم سفارة السودان لعناصر المعارضة في أسمرة في احتفال رسمي، وأن نظام الجبهة الشعبية في إريتريا يقدم الدعم اللوجستي والسياسي للمعارضة السودانية وأن السودان يعاملهم بالمثل، واتهم البشير أوغندا بتنفيذ مخطط صهيوني أمريكي لضرب العالم العربي والإسلامي، مشيرًا إلى خطورة الدور الذي يلعبه موسفيني في المنطقة، واستهدافه ثرواتها، ورحب البشير بالإرادة والرغبة القائمة لعودة العلاقات الأخوية مع الكويت وتجاوز الهزات التي شهدتها تلك العلاقات سابقًا، وفي شأن العلاقات بين بلاده ومصر، دعا البشير المسؤولين المصريين إلى تقديم مبادرات مماثلة للمبادرات التي قام بها السودانيون تجاه مصر، وقال إنه يأمل أن تعود العلاقات المصرية- السودانية إلى طبيعتها وهذا نص الحوار: 

  • فخامة الرئيس، أريد أن أبدا بموضوع الاعتداء على مصنع الشفاء، فقد قلتم في خطاب لكم إن الولايات المتحدة لو عادت لمثل هذا العدوان فسيكون ردكم موجعًا، فماذا تعنون بذلك؟

  • حقيقة... الضربة الأمريكية كانت عدوانًا مباشرًا، فيه اختراق لسيادة الدولة، وفيه خرق للمواثيق والقوانين الدولية وتجاوز لكل المنظمات والمؤسسات والأعراف الدولية والإقليمية، بحجج أن المصنع ينتج أسلحة كيماوية، وأن المصنع من استثمارات أسامة بن لادن، والحقيقة أن هذه الضربة جعلتنا نلمس تعاطفًا إقليميًا ودوليًا كبيرًا جدًا، وبخاصة من الشارع العربي والإسلامي كما أقنعت الآخرين بسلامة موقفنا وخطأ الإدارة الأمريكية، وهذه كلها جعلت لدينا الآن تأييدًا واسعًا في الصف العربي والإسلامي، وإذا تكررت هذه الضربة.. قطعًا.. نحن نشعر أن تعاطف الشارع العربي والإسلامي سيكون أكبر ونحن نستثمر هذا التعاطف- إن شاء الله- في توجيه ما نستطيع أن نفعله ضد الولايات المتحدة سواء مقاطعتها اقتصاديًا.. أو مقاطعة منتجاتها أو محاربة منتجاتها ومحاربة حتى وجودها وأهدافها كلها إن شاء الله.

  •  هل اتخذتم إجراءات لحماية المواقع الاستراتيجية في السودان المشابهة لمصنع الشفاء؟

  • قد تكون إمكاناتنا لا تسمح بتوفير كل الحماية اللازمة لكل موقع الآن.

  •  بعد العدوان رفعتم شكوى ونظمتم حملة قضائية ضد الولايات المتحدة فهل ما زالت تلك الإجراءات مستمرة؟

  • إن شاء الله سوف تتواصل إلى أن نسترد حقنا كاملًا، ولن نتوقف.

العلاقات مع الكويت

  • أعلنت دولة الكويت مؤخرًا عن إرسال إغاثات إلى السودان، فهل يعبر ذلك عن منعطف جديد في العلاقات؟ وأين وصلت حسب الأجندة التي ناقشها وزير خارجيتكم خلال الزيارتين اللتين قام بهما للكويت؟ 

  • نحن راضون عن التطور الإيجابي للعلاقات والرغبة والإرادة التي وجدناها لدى إخواننا الكويتيين فيما يتعلق بعودة العلاقات إلى وضعها الطبيعي أكبر مما يعبر عنه وصول الإغاثة، لأن الإغاثة قد تكون إحدى مظاهر التطبيع للعلاقة والتعاطف مع الإخوة في السودان، لكننا نجد أن الرغبة والإرادة لدى إخواننا في الكويت هي أكبر من هذا الحد، وإذا كانت العلاقة الأخوية قد تعرضت لهزة فالناس ولله الحمد قد تجاوزوها.

العلاقات مع إريتريا وأوغندا

  • إريتريا تتهمكم بتسليح الحركات الجهادية ودعمها لإسقاط النظام الإريتري فما قولكم في ذلك؟

  •  قبل سقوط نظام منجستو في إريتريا كان هناك العديد من الحركات الإريترية التي تعمل ضد نظام منجستو وتعمل على تحرير إريتريا، وكل هذه الحركات كانت موجودة في السودان، ومدعومة منه، وهذا موضوع موروث، ومن ضمن هذه الحركات حركة الجهاد الإريتري، ولكن بعد سقوط منجستو ووصول الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا إلى السلطة في أسمرة، أصدرنا قرارًا بوقف كل الأنشطة وكل التنظيمات الإريترية، وإغلاق مكاتبها وتخييرهم بين أمرين: أن يبقوا لاجئين في السودان، أو يخرجوا من السودان، وفعلًا نفذنا هذا القرار، الأمر الذي جر علينا كثيرًا من الهجوم، وخصوصًا من إخواننا في الجهاد الإريتري، وقد تحدثوا في كثير من المنابر العالمية والإسلامية، وقد وصلنا الكثير من الخطابات والاحتجاجات من عديد من المواقع والتنظيمات الإسلامية وبخاصة من أوروبا وأمريكا لموقفنا من الجهاد، ولكننا كنا ملتزمين بما قررنا، فإريتريا أصبحت دولة، ودولة جارة، ونحن ملتزمون بهذا القرار، ولكننا فوجئنا بالتصعيد السلبي من طرف إريتريا والجبهة الشعبية، فالطرف الإريتري هو الذي بدأ بالهجوم على السودان، وتقديم شكوى ضده، وبقطع العلاقات وتسليم السفارة السودانية إلى عناصر المعارضة في احتفال رسمي، وفتح معسكرات المعارضة بإعلان تام، وأجهزة الإعلام تعلن أن الرئيس نفسه- أسياس أفورقي- يزور هذه المعسكرات والإعلام ينقل هذه الزيارات.

 وقد حاولنا احتواء الخلاف بيننا وبين إريتريا لكن كل جهودنا فشلت وهنا قررنا أن نعاملهم بالمثل، فكما أن إريتريا الآن فاتحة معسكرات وتدعم المعارضة، نقوم نحن أيضًا بدعم الجهاد الإريتري.

  •  السيد الرئيس... أوغندا من جهتها تلعب دورًا كبيرًا في المنطقة فما تأثير هذا الدور على الأمن القومي العربي؟

  • نحن نقول إن هناك مخططًا يرسم للمنطقة، والحقيقة إن هذا المخطط هو لضرب العالم الإسلامي، ويمكن أن تكون الضربة أكثر نجاحًا إذا وجهت لقلب العالم الإسلامي الذي هو الأمة العربية، واعتقد أن عددًا كبيرًا من المخططات نجح في إضعاف الأمة العربية وتشتيتها وحصارها واستنزاف مواردها والمخطط نجح إلى حد كبير جدًا ومن ضمن هذا المخطط.. الدور الذي تقوم به إريتريا في المنطقة، ومعروف أن إريتريا اعتدت على السودان واليمن، وجيبوتي، لكن ما كان يطرأ على فكر الإدارة الأمريكية أن إريتريا بعد الاعتداءات الكثيرة هذه ستأخذها العزة بالإثم وتعتدي على إثيوبيا والتي تعد إحدى الدول التي تستخدم في حصار الأمة العربية، وضرب الأمة العربية والإسلامية.

 أيضًا أمريكا بدأت في إعداد دور لأوغندا في المنطقة بهدف الهيمنة على المنطقة وفرض النفوذ الأوغندي الذي يصب في النهاية في مصلحة المخطط الصهيوني الأمريكي للضغط على المنطقة، وهي منطقة ذات موارد ضخمة: موارد الكونغو معروفة.. موارد السودان، كل هذه الموارد يريدون ضمها لدولة واحدة، بقيادة أوغندا والرئيس الأوغندي، حتى تكون دائرة في الفلك الأمريكي الصهيوني، والحمد لله المخطط الأمريكي كله فشل فشلًا ذريعًا بالتصرفات الإريترية تجاه إثيوبيا والحرب الدائرة الآن في الكونغو.

التحول السياسي الراهن في السودان 

  • تشهد السودان الآن تحولًا سياسيًا كبيرًا من خلال إجازة قانون تنظيم التوالي السياسي فهل- في رأيكم- هذا القانون سوف يستوعب القوى السياسية والأحزاب التقليدية في السودان؟

  • نحن لو نظرنا إلى القانون بموضوعية نجد أن هذا القانون يتقدم على كل قوانين الأحزاب في المنطقة، بل يتقدم بصورة واضحة على قانون الأحزاب الذي اقترحته المعارضة فيما يسمى بالتجمع الوطني.. فلو قارنا قانون تنظيم التوالي السياسي مع هذه القوانين نجد أنه حقيقة متقدم عليها، ويتيح حرية كاملة دون عزل إلا في قضايا الخيانة العظمى، أو قضايا تمس الشرف والأمانة في فترة محددة، وهذا موجود في كل القوانين، فهو إذن قانون- قطعًا- متقدم على كل القوانين، لأنه يتيح الممارسة للعمل السياسي وبقيود محددة جدًا، فالشرط الأساسي لتسجيل حزب جديد هو أن يكون المتقدم لتسجيله مائة شخص، وأن يلتزم الحزب في داخله بالشورى والديمقراطية، وبخاصة في تصعيد القيادات، وأن يكون ملتزمًا بثوابت الدستور، وله نظامه المالي وإيراداته ودخله وصرفه، وهذه طبعًا خاضعة للمراجعة فكلها أشياء عادية يمكن أن توجد في أي قانون.

 لكن المواد المقيدة للعمل هي عملية أكثر منها تنظيم وأكثر منها عملية مقيدة للتسجيل أو ممارسة العمل السياسي.

  • في إطار هذا التحول السياسي.. هل سترشح نفسك للرئاسيات القادمة؟

  • هذه خاضعة للأجهزة ولوقتها وما زال هناك زمن.

العلاقات مع مصر

  • هناك حالة مد وجزر مستمرة في العلاقات المصرية- السودانية.. فما سببها؟ 

  • نحن من جانبنا سعينا حقيقة واتخذنا العديد من المبادرات، والمسؤولون السودانيون يزورون القاهرة، ويحاولون ويقدمون المبادرات.

 الإخوة في مصر اشتكوا من الملف الأمني، ونحن نؤكد الآن أننا اتخذنا من الإجراءات ما جعل الأخوة المصريين أنفسهم يؤكدون أنه لا يوجد أي نشاط معاد في السودان ضد مصر، رغم وجود النشاط المعادي لنا بكل أصنافه بما فيه العمل المسلح في مصر.

نحن نقول مصدره مصر لأن قيادات العمل المسلح موجودة في مصر، وتتلقى الدعم المباشر من مصر، سواء المادي أو السياسي، أو خلافه، ونحن نقول إن الإخوة في مصر إلى الآن لم يتخذوا قرارًا بتطبيع العلاقة مع السودان، وهذا الذي يجعل الأمور دائمًا في حالة شد وجذب.. وقد اتخذنا القرار بأن تعود العلاقة مع مصر إلى طبيعتها، وليس لدينا مانع أن نطورها إلى أفضل مما كانت عليه، لكن الواضح أن الإخوة- في مصر- حتى الآن لم يتخذوا مثل هذا القرار، بدليل وجود المعارضة السودانية ونشاطها ودعمها، وبدليل استمرار احتلال مصر لجزء عزيز من أرضنا وهو مثلث حلايب.

  • كان ملف العلاقات مع مصر في عهدة الفريق الزبير، فهل أثر رحيله سلبًا على طبيعة العلاقات؟

العمل عندنا مؤسسي، وحتى الأخ الشهيد الزبير عندما كان يتحرك لم يكن يتحرك بصورة منفردة، إنما كان يتحرك بصفته أنه المسؤول عن هذا الملف، ويعبر عن القيادة الموجودة هنا، وبالنسبة لنا لم يتغير الملف ولم يتغير الموقف، ولم تتغير الإجراءات، ولكن مثل ما قلت من قبل، واضح أن الإخوة في مصر لم يتخذوا القرار بعد حتى نمضي قدمًا في تطوير العلاقات.

تلقائية وترحاب

التلقائية والترحاب في السودان، يلمسهما الزائر في كل مراحل زيارته، فالمودة الشديدة التي يعاملك بها المواطن العادي في الشارع، هي نفسها التي تلقاها في القصر الرئاسي أو في مكاتب الوزراء أو ميادين القتال، ومواقع التدريب، فرغم التنوع العرقي الكبير والتباعد الجغرافي الهائل، فالسودانيون يجمعهم شيء واحد هو حلاوة الطبع وليونته، وحبهم للغريب واحترامه، وكأنهم يوصلون بهذا الخلق الحميد وهاجس التأصيل لا يفارقهم- للحديث الشريف: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». 

استحضرت كل ذلك عندما استقبلني الرئيس عمر حسن أحمد البشير عند باب القاعة الكبرى «البعيد نسبيًا عن مكتبه» ولم تفارق وجهه الابتسامة طوال اللقاء.

المجتمع في أقصى الجنوب السوداني

جوبا مُؤمنَّة تمامًا وكل ما يروجه جارانج عنها من نسج الخيال 

  • المحافظ: تهديد جوبا ليس سهلًا.. وحركة الطيران لا تتوقف

  • أحد التجار: كيف تكون جوبا مهددة ونأتي بأموالنا إليها؟

لم يخف السودانيون اندهاشهم وتقديرهم لرغبة مجلة المجتمع في زيارة المواقع الأمامية لمسارح العمليات في أقصى الجنوب، وقد عبر الأمين العام لمجلس الإعلام الخارجي عبد الدافع الخطيب عن ارتياحه العظيم لمبادرة مجلة المجتمع في الوقوف على حقائق الحرب الدائرة في جنوب السودان ميدانيًا وقال إنه من المؤسف حقًا أن جميع وسائل الإعلام العربي والإسلامي تضطر لاستقاء معلوماتها من وسائل الإعلام الأجنبية التي تجانب الموضوعية أحيانًا ولا تلتزم بالضرورة بالحياد. وأضاف الخطيب في الاجتماع التحضيري للرحلة أن المجتمع قد استنت سنة حميدة لوسائل الإعلام العربية والإسلامية متمنيًا أن تحذو حذوها المجلات والصحف والإذاعات التي تردد أخبارًا لم ترد من جهات مستقلة.

عندما تقرر أن يكون السفر إلى جوبا يوم السبت اتصل بي الإخوة في الإعلام الخارجي في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة يطلبون ضرورة أن أحضر مبكرًا في اليوم التالي «يوم السبت» وعندما سألتهم عن موعد الإقلاع إلى جوبا «عاصمة الجنوب» لمست من ردودهم تحرجًا في تحديد الوقت بدقة ربما لظروف خاصة وفي الصباح الباكر كنا بجوار التليفون في انتظار أن ننطلق إلى المطار ورغم ورود عدة مكالمات بشأن سفرنا إلا أن المكالمة التي تطلب حضورنا إلى الطائرة جاءت متأخرة في حدود التاسعة والنصف ولدى إحدى بوابات المطار- التي دخلنا منها- انضم إلينا- أنا ومرافقي من الإعلام الخارجي شخصان قدما نفسيهما أنهم من الإعلام العسكري وأنهما مرافقان لنا في الرحلة، وولجنا طائرة شحن كبيرة مع عدد من العسكريين وأخذنا مواقعنا بين أكياس المواد التموينية وكراتين الدواء وبعد نحو ساعتين من الطيران حطت بنا الطائرة في مطار جوبا.

مطار جوبا الذي يبعد عن المدينة نحو أربع كيلومترات يتكون من بناية بسيطة وبرج مراقبة متوسط الارتفاع وسط مناظر طبيعية خلابة وخضرة تكسو عموم المكان، ورغم المظاهر العسكرية الواضحة، فإن أبرز ما يلفت الانتباه هو المدفع الثقيل المنصوب على بناية المطار وحوله عدد من العسكريين كان بعضهم يصلي الظهر جماعة وقت انصرافنا من المطار، وبعد قليل من الانتظار في الغرفة الضيقة المخصصة لكبار الزوار حضرت سيارة تحمل عددًا من ضباط الصف والجنود وانطلقت بنا مسرعة إلى القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، ورغم التواجد العسكري الكثيف والملحوظ وتقارب المعسكرات وانتشار الآليات والمدرعات، إلا أنه لا يظهر أي استنفار أو توتر أو خوف، وقد انتهزت فرصة بقائنا وقتًا طويلًا داخل الثكنات في إجراء أحاديث مع الضباط وضباط الصف والجنود، وكانت الملاحظة البارزة التي خرجت بها هي الروح المعنوية العالية التي يتمتع بها السودانيون والرغبة في تقديم صورة متكاملة عن درجة التأمين الفائقة التي تتمتع بها جوبا كبرى مدن الجنوب السوداني بل العاصمة التاريخية والسياسية والاقتصادية لعموم الجنوب.

 كان من أبرز نقاط البرنامج الذي رسمته للرحلة أن أقوم بجولة حرة في الأسواق والمساجد والمؤسسات التعليمية بالإضافة إلى المواقع ومقابلات المسؤولين، وقد أخبرت مساعدي القائد العام الذي نحن في ضيافته فوافقوا فورًا على ذلك وحملتني السيارة إلى السوق المركزي لمدينة جوبا وكان يعج بالحركة والنشاط وزاخرًا بأصناف البضائع المختلفة والمنتوجات الزراعية المتنوعة والملابس ذات الألوان الصارخة، كان الوقت قبيل الغروب والعسكريون يحاولون تفريق جموع الأطفال الذين تحلقوا حولي يطلبون تصويرهم، كانوا كلما طردوهم عادوا من صوب آخر ليعرقلوا المقابلات واللقاءات التي كنت أجريها مع بعض التجار والمارة ورواد السوق، وفي الجهة الجنوبية من سوق جوبا المركزي التقينا التاجر عصام الصادق فضل الله الذي كان يجلس على أريكة بعيدة نسبيًا عن دكانه يراقبه وينتظر دخول زبون فقال لنا: الأمور عندنا عادية جدًا وأكثر شيء يثير استغرابنا هو ما نسمعه من الذين يأتون من مناطق الشمال «العاصمة وغيرها من ولايات الشمال» والذين يسمعون هناك عن طريق وسائل الإعلام العالمية أن جوبا في خطر وأنها محاصرة أحيانًا أو أنها تعرضت لهجوم أو أن المتمردين على وشك أن يدخلوها، يقصون علينا مثل هذه الأمور ونحن هنا في جوبا لم نسمع بها ولم نحس بأي خطر.

وأضاف فضل الله وهو منفعل: كيف تكون جوبا في خطر ونأتي بأموالنا إليها.. إنها حملات إعلامية مغرضة، وعندما سألته عن الفترة التي قضاها حتى الآن في جوبا قال إنه منذ سبع سنوات لم يغادرها تقريبًا وهو يقيم إقامة دائمة فيها ويمارس نشاطه التجاري على نحو مستمر، ويصر على أن كل ما يقال عن جوبا ووضعها الأمني يدخل في إطار التشويش على الناس. 

وفي زقاق ضيق من سوق الخضار التقيت سيدة جنوبية اسمها ميري تبيع أنواعًا من الحبوب قريبة إلى الدخن وأعوادًا طويلة أخالها قصب السكر وسألتها عن الحالة العامة للسوق وهل هي تخاف من الحرب فقالت بعفوية: ليست هناك مشكلة وبدأت تشرح لي بعامية عربية مكسرة أن الأمور في السوق تجري بشكل طبيعي.

القادة العسكر في جوبا كانوا يتهربون من إعطاء تصريحات مفصلة وكان ردهم المشترك دائمًا أنت الآن في جوبا وعليك أن ترى وتبحث وتحكم، وعندما أبديت إصرارًا على أحد الضباط وهو السيد صلاح أبو القاسم وطلبت منه أن يعطيني تفصيلًا عن وضع القوات السودانية في هذه المواقع الأمامية وبالذات في مدينة جوبا قال لي: يا أخي والله لا يوجد شيء أنا أولادي معي هنا منذ سنتين وتأكد أنه لو لم تكن المنطقة آمنة لما حضر أولادي «والأولاد في العامية السودانية تعني الزوجة».

وفي لقاء مع أحد القادة الجنوبيين الذين وقعوا اتفاقية الخرطوم للسلام هو هيوك دفيد أدهو وهو وزير صحة في إحدى الحكومات الفدرالية في الجنوب قال: الأمن في الجنوب مستتب تمامًا، وعندما سألته عن الحراسة المشددة عليه قال مبتسمًا: إنها لا تعني أن الجنوب مهدد أبدًا.

محافظ جوبا الذي التقيته قبيل مغادرتي عائدًا إلى الخرطوم، وأصر على أن يوصلني بنفسه إلى المطار ظل يردد عبارة واحدة كلما سألته عن شيء متعلق بمدينته كان يقول: ليس من السهولة أن تهدد جوبا، طلبت منه أن يشرح لي ذلك جيدًا باعتبار أن جون جارانج يركز على هذه المدينة، لأنها تمثل أهمية استراتيجية خاصة قال المحافظ: جوبا كما رأيتها تتمتع بالأمن والاستقرار وأنت قدمت في طائرة كبيرة وستغادر بعد قليل في طائرة أخرى، وحركة الطيران عمومًا نشطة كما تلاحظ فهل يمكن أن يكون ذلك في ظل تهديدات وخوف؟ كيف يغامر الناس بالطائرات والركاب في منطقة مهددة؟ وأضاف قائلًا: جوبا مؤمنة تمامًا وكل الذي يتصوره جون جارانج هو ضرب من الخيال.

د. علي الحاج.. أقدم شخصية سودانية ارتبطت بملف الجنوب لـ(المجتمع):

الحرب التقليدية في الجنوب انتهت سياسيًا وعسكريًا

  • الحرب في الجنوب ليست دينية وأسبابها مرتبة بتقاسم السلطة والثروة الإنجليز أول من أدخل نظام التفرقة العنصرية في الجنوب

  • الاستعمار حاول أن يجعل من الجنوب حديقة حيوان بشرية بفصله عن الشمال 

  • المسلمون 18% والنصارى 16% و65% خارج الملة من الوثنيين

الدكتور علي الحاج- نائب الأمين العام للمؤتمر الوطني «الحزب الحاكم في السودان»- هو أبرز وأقدم شخصية سودانية ارتبط اسمها بملف الجنوب، منذ أن كان عضوًا من نشطاء الحركة الإسلامية... التقته المجتمع وحاورته حول كل التحفظات والتساؤلات المتعلقة بالمعالجات السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية لهذا الملف، وطلبنا منه أن يقدم لنا ملامح تاريخية وسياسية وجغرافية لقضية الجنوب، حتى تكون أساسًا لفهم هذه القضية المعقدة ومنطلقًا للنقاش فقال:

قبل أن أبدأ في الحديث، فإنني أؤكد أن مشكلة الجنوب هي من أكبر القضايا في السودان، فإذا ذكر السودان اليوم فغالبًا ما يذكر الجنوب، وهذا واقع، وأنا أعتقد أننا نحتاج إلى الحديث عن هذه القضية من الناحية التاريخية، فالجانب التاريخي مهم، لأن السودان- كما تعلمون في حدوده الجغرافية- تكون سنة ۱۸۲۱م، في حملة محمد علي باشا من مصر، الذي جاء نيابة عن الباب العالي في تركيا، فوحد السودان عام ١٨٢١م، واستمر تحت النظام التركي إلى عام ١٨٨١م، «حوالي ٦٠ عامًا»، عندئذ قامت الثورة المهدية واستمرت إلى عام ۱۸۹۸م، في هذه الفترة كان السودان بلدًا واحدًا لا من حيث الجغرافيا وإنما من حيث التوجه، كانت البلد كلها تدين بالإسلام في ظل دولة المهدية، واستمر البلد موحدًا تحت راية الإسلام، حتى عام ۱۸۹۸م، وبالتحديد في سبتمبر عندما هزمت دولة المهدية ودخل الاستعمار في حملة كتشنر ومنذ ذلك الوقت بدأت قضية الجنوب، والاستعمار نفسه الذي أتى إلى السودان هو الذي فرق الجنوب لاعتبارات كثيرة، فقد وضع سياسات خاصة في الشمال، مثل التعليم، كان في الشمال تتولاه الحكومة، ولكن في الجنوب كانت تتولاه الإرساليات من خلال الكنيسة، وهذه كانت البداية.. الكنيسة نفسها عندما بدأت في الجنوب لم تبدأ كنيسة واحدة، بل قسمت العمل في الجنوب إلى أقسام: الكنيسة الكاثوليكية لها منطقة محددة، والبروتستانت لهم منطقة، والأنجلو أمريكي لهم مساحة محددة وهكذا..

النصرانية دخلت الجنوب بواسطة المنصرين، وقسموا الجنوب فيما بينهم، ولذلك بدأت الكنائس في تعليم الأطفال حتى في التعليم نفسه كانت تفرق بين الناس، فمن المعروف أن الناس معظمهم مسلمون، لكن لا يمكن أن تدخل المدرسة إلا بعد أن تتنصر، وهذه أول مرة في تاريخ السودان يحدث مثل هذا، فأول من أدخل التفرقة العنصرية والتفرقة بسبب الدين هم الإنجليز، طبعًا بعض الناس في سبيل التعليم تنصروا ونتج عن هذا أن أصبح هناك شخص اسمه «جون بن محمد أو اسمه جوزيف» لكن أباه اسـمـه يوسف... وهكذا كانت هذه هي البداية الأساسية. 

بعد ذلك تعمد الإنجليز طرد المسلمين من الجنوب، فقد أصدروا قانون المناطق المقفولة، في عام ۱۹۲۱م، وهذا القانون طرد كل الشماليين الموجودين في الجنوب، وحرم كل الرموز الإسلامية كل الأشكال.. كالجلابية والعمامة، والأذان والإقامة.. كل هذه حُرمت تمامًا في عام ۱۹۲۱م، لأنهم مصرون أن يكون الجنوب منطقة نصرانية.

وقد استمر العمل بهذا القانون من عام ۱۹۲۱م إلى ۱۹۳۸، وبمقتضى هذا القانون لا يمكن للشمالي أن يدخل الجنوب إلا بإذن «فيزا» من الدولة، ولا يمكن للجنوبي أن يأتي إلى الشمال إلا بإذن تأشيرة دخول، لكن الأهم من هذا كله أن قانون المناطق المقفولة نفسه عندما طرد الشماليين والتجار من الجنوب كان الإنسان يتخيل على الأقل أن يكون الإنجليز مع الجنوبيين ويسلموهم التجارة أو حتى يخلقوا كادرًا جنوبيًا من الناحية الاقتصادية، لكن هذا لم يحدث! ماذا فعل الاستعمار؟ أتى بالإغريق الذين سيطروا على التجارة، وكذلك الإيطاليين «الطليان».

النقطة الثانية: أنهم خصصوا رواتب خاصة للجنوبيين تنقص عن الرواتب في الشمال بـ 50%. 

هذه المسائل خلقت الإحساس بالغبن، لقد حاولوا أن يخلقوا من الجنوب «هيومن زو» Hu man Zoo يعني حديقة حيوان، محمية طبيعية، حتى الموظف يسمح له خلال ساعات العمل باللباس، لكن بعد ساعات العمل يحق له أن يكون عريانًا، وكان الناس يلبسون في الصباح إلى الظهر وعند المساء «يخلعون» ويكونون كلهم عرايا، وهذا كله من فعل الاستعمار، الأهم من هذا أن النصرانية نفسها لم تدخل هناك كدين وإنما دخلت كأسماء، مثل جون، جونسن، لكن الدين نفسه لم يكن موجودًا.

هكذا كان الموقف في الجنوب منذ سقوط الدولة المهدية ودخول الاستعمار إلى ما قبل الاستقلال، ولما حدث الاستقلال كان الذين حكموا بعد الاستقلال هم نتاج لسياسة الإنجليز ولذلك كان وعيهم في هذه القضية ضعيفًا ولم يكن هناك فهم وأعتقد أن الذين حكموا قديمًا في فترة الاستقلال لم يهتموا بأن يعرفوا حقيقة التكوين الحاصل، ظلوا يتكلمون عن القضية كمنطقة نصرانية، كلهم يقولون الجنوب نصراني وهكذا الكلام الذي تسمعه الآن في BBC لكن طبعًا نحن الآن نتكلم ولدينا إحصائيات عن الجنوبيين، وإحصاءات عن الكنيسة، وعن التعليم، فالآن الصورة صارت حتى بالنسبة للسودانيين واضحة، لأن هذا الموضوع تطور، أنا نفسي أتكلم معك ولم تكن عندي كل هذه المعلومات، فأول شيء عملته الحركة الإسلامية أنها أولت القضية قسطًا كبيرًا جدًا من الدراسة والتمحيص وهذا حصل في أيام النميري، هذا العمل بدأ بعد المصالحة، ولذلك الآن نحن نتكلم عن صورة كانت مختلفة في فهمنا، يعني الآن لدينا الإحصائيات: المسلمون في الجنوب حوالي 18% وحسب إحصائيات الكنيسة قبل عشرة سنوات النصارى من 16– 17% يعني المسلمون أكثر، لكن المسلمين والنصارى أقلية مع الوثنيين، الوثنيون 65%.

  •  منذ أن بدأت قضية الجنوب وهي تسير في مسارين. مسار سياسي ومسار عسكري فأي المسارين مرشح لأن يحسم القضية بشكل نهائي؟

  •  قضية الجنوب عندما بدأت، بدأت بتمرد في 18 من أغسطس ١٩٥٥م في مركز اسمه «توريد» وهناك ملاحظات متعلقة بهذا  التاريخ: أولًا التمرد بدأ قبل الاستقلال بأربعة أشهر لأننا نلنا الاستقلال في 1/1/1956م والتمرد بدأ ونحن تحت ظل الاستعمار كثير من الناس يقولون إن هذا التمرد سببه ديني وهذا ليس صحيحًا، فعندما بدأ التمرد كنا كلنا تحت العلمانية، فالبعض يقول إن حل مشكلة الجنوب يكون بالرجوع إلى العلمانية فكيف يكون ذلك والتمرد عندما بدأ كانت تحكمنا بريطانيا وهي صاحبة علمانية متعمقة، لكن القضية عندما بدأت كانت رغبة في المشاركة في السلطة. 

الجنوبيون كانوا يشعرون بأنهم لم يشاركوا في السلطة، لأنه بعد الاستقلال خلال السودنة كان عندهم ثلاث أو أربع وظائف كان نصيبهم في السلطة ضعيفًا جدًا، ولم يكن لهم نصيب في الثروة، لأن الاقتصاد نفسه لم يكن يدار على النحو الذي يدار به في السودان حاليًا، فمثلًا كان عندنا مشروع الجزيرة، وهو مشروع كبير، وعندنا جامعات كلها عملها الاستعمار في الخرطوم ككلية «كتشنر الطبية».

الاستعمار لسبب ما خلال خمسين عامًا لم يعمل شيئًا في الجنوب، وأصبح الجنوبيون عندهم مشكلة السلطة والثروة، والنقطة الثانية.. التنمية.. صحيح أن السودان كله فيه نقص في التنمية، لكن الشيء القليل الموجود من التنمية موجود في الشمال، لذلك الجنوب كان يشعر أنه متخلف من حيث المشاركة في السلطة ومن حيث وجود التنمية المتوازنة هذه كانت قضية الجنوب التقليدية التي ورثناها واستمرت هذه القضية كذلك، أما الآن فنحن نتحدث بعد مجيء ثورة الإنقاذ التي انتهجت نهجًا غير المفاهيم التقليدية، ففي أول ثلاثة أشهر بعد الثورة كان هناك مؤتمر جامع، لكل السودانيين الموجودين في الداخل وحتى في الخارج وفي المعارضة طلب منهم أن يجلسوا ويناقشوا قضية حرب الجنوب: أسبابها.. أهدافها.. وكيف الخروج، وتواصل المؤتمر حوالي ثلاثة أشهر وطلع بقرارات فعلًا، وشاركت فيه الفاعليات الحزبية قبل حل الأحزاب، وقد أجمعوا جميعًا على أن الأسباب الحقيقية لقضية الجنوب ليست دينية، وإنما هي: عدم المشاركة في السلطة، عدم المشاركة في الثروة، عدم التنمية المتوازنة في الجنوب وهو ما ولد الشعور بالغبن والحقد.

جاءت ثورة الإنقاذ وأول ما فعلت طرح النظام الفدرالي، فبدل أن كان النظام في السودان مركزيًا، أي كل شيء في الخرطوم، أصبحت هناك ولايات وتوزعت الآن إلى ٢٦ ولاية، في الجنوب ۱۰ ولايات، وكل ولاية مستقلة لها حكومة ومجلس نيابي منتخب ووالي منتخب والوزراء يختارهم الوالي بالتشاور مع مجلس الولاية وهكذا، نحن نتكلم عن سلطة حقيقية ليس في الجنوب فقط وإنما لكل السودانيين هذه من أهم المسائل التي أدت إلى نتائج إيجابية بالنسبة للجنوب، وهذا كله في إطار الحل السياسي، لأننا شعرنا أن القضية في المقام الأول لیست عسكرية، وإنما هي قضية سياسية تتكلم عن سلطة وعن ثروة وهكذا.

  • هل معنى ذلك أن الإنقاذ نجحت على كلا المسارين؟

  • خلاصة القول بالنسبة لنا أن حرب الجنوب التقليدية الموروثة التي كانت من أجل الثروة والسلطة والتنمية انتهت من الناحية العسكرية لأنه كانت هناك حرب بيننا وبين المتمردين في سنة ۱۹۹۲م نسميها صيف العبور، ففي عام ١٩٩٢م تم تحرير كل الأراضي التي كانت قد استولت عليها حركة جون جارانج ما عدا منطقة نيمولي، والتمرد خرج تمامًا من البلد وأصبح خارج الحدود، ومن الناحية السياسية حركة التمرد انتهت كذلك، لأنه كان هناك اتفاق الخرطوم للسلام الذي تم توقيعه في ٢١ من أبريل سنة ۱۹۹۷م والذي أجاب عن كل الأمور السياسية، وهكذا انتهت قضية الجنوب من الناحية العسكرية بصيف العبور سنة ١٩٩٢م ومن الناحية السياسية بالملف الخاص بالسلام أو باتفاق الخرطوم للسلام، وأهم ما في هذا الاتفاق أنه أعطى حق تقرير المصير للجنوبيين بعد فترة انتقالية معينة إما بتأكيد الوحدة أو الانفصال وهذا يحدث لأول مرة في  تاريخ السودان وعلى مدى أربعين عامًا من الحرب.

  • لكن الحرب ما زالت قائمة وحملات التعبئة في كل مكان؟

  • الحرب الدائرة الآن ليست حرب الجنوب هذه حرب الدول المجاورة في أكتوبر ١٩٩٥م و١٩٩٦م كان هناك هجوم علينا من أوغندا ومن إريتريا ومن إثيوبيا، هذه الحرب ليست حرب الجنوب هذه حرب تديرها أمريكا والقصد منها ليس تحرير الجنوب وإنما إسقاط النظام الموجود في الخرطوم، فإذن هذه حرب مختلفة تمامًا والجنوبيون مستغلون فيها فهم يحاربون من أجل الآخرين.

  •  ألا ترون أن اتفاق الخرطوم للسلام الذي يعطي حق الانفصال للجنوب ألغى نحو أربعة عقود من الجهود وتراث من الجهاد والاستشهاد والتضحيات ظل الشعب السوداني يبذلها على مدى هذه الفترة الطويلة؟

  •  هذا الاتفاق لم يأت من فراغ فيه نقاط كثيرة جدًا وهو لم يلغ دور الجهاد ولا دور المجاهدين ولا الشهداء، فالجهاد والاستشهاد لم يكن من أجل أرض وإنما من أجل قيم، وأهم قيمة عندنا هي الدين وأهم قيمة من قيم الدين هي الحرية وفي الحرية حرية الاختيار، هذه مسألة الشعب السوداني متفهمًا لها ومتقبلها.

  •  ألا تعتقدون أن تبعات الاتفاق وآثاره قد تكون خطيرة باعتبار أنه لو انفصل الجنوب يمكن لأي طرف آخر من أطراف السودان أن يطالب بوضع مشابه؟

  • نحن عندما طرحنا اتفاق الخرطوم للسلام لم يكن هدفنا أن ينفصل الجنوب ونحن نتكلم عن خيارين ولكننا نحن مع خيار الوحدة ونعمل من أجله ولكن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة والسماء لا تمطر وحدة ولا انفصالًا، نحن نقول لجموع كبيرة من الجنوبيين في الشمال أن الأفضل هو خيار الوحدة وكثير منهم مع الوحدة ويجب أن نعمل سويًا من أجل خيار الوحدة.

  •  إذا تمخض الاستفتاء في الجنوب عن انفصال فما مصير الفصائل التي وقعت اتفاق الخرطوم للسلام؟ 

  • والله كل الفصائل الموقعة معنا حتى الآن هي مع الوحدة، وهذا هو السبب الذي يجعل جون جارانج لا يريد الوحدة ويريد أن يسبق الأحداث ويستخدم أمريكا وبريطانيا حتى يحتل جوبا ويستقل بالجنوب، فجون جارانج هو الذي يخاف من الوحدة ويريد أن يسبق الاستفتاء.

  •  ما تصوركم لمستقبل الجنوب والسيناريوهات المحتملة وخصوصًا في ظل التحول السياسي الذي تشهده السودان الآن؟ 

  • هذا سؤال مهم، ونحن نرى أن الحرب الحالية ليست من أجل الجنوب ولكنها لإضعاف السودان.. حرب استنزاف وتصورنا أن الجنوبيين الذين وقعوا معنا اتفاق الخرطوم للسلام وكل الشعب السوداني علينا أن نعمل عملًا اجتماعيًا حتى يتم تنفيذ الاتفاق، وأهم مجالات العمل الاجتماعي هو سد النقص في المناطق التي تم تحريرها، والتي تفتقد لأشياء أساسية، فالناس عرايا يريدون الكساء والتعليم والصحة والماء وأعتقد أنه علينا أن نعمل حكومة وشعبًا، وكذلك المنظمات العربية والإسلامية لتقديم الخدمات لكل الناس، ونحن مؤمنون بأنه لو عملنا هذا العمل إن شاء الله فإن الاستفتاء سيكون في صالح الوحدة. 

  • لقد رجعتم قبل يومين من جولة شاملة في مناطق العمليات في الجنوب فأطلب منكم تقييمًا موضوعيًا للموقف العسكري؟

  • أقول لك إن الموقف العسكري اليوم مطمئن، أهم شيء فيه والحمد لله أن الجيش والمجاهدين لا يقاتلون وحدهم.. الآن الفصائل الجنوبية نفسها انضمت إلى المعركة، ومن الناحية السياسية فاتفاق السلام أصبح جزءًا من الدستور ولم يعد رأيًا، وهذا يؤكد جدية الحكومة ويجعل إخواننا في الجنوب الذين يريدون توقيف الحرب يقفون مع الحكومة ولذلك كان التصويت على الدستور في الجنوب بنسبة 100% لأنه أقر حق تقرير المصير.

العدد القادم حوار مع رياك مشار مساعد الرئيس السوداني

الرابط المختصر :