العنوان جنوب السودان.. حسم أمره !!
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 12
السبت 15-يناير-2011
الخرطوم:
لماذا يخطط أعداؤنا وينجحون بينما نفشل في منعهم أو تعطيلهم ؟!
الجنوبية.. علمانية لادينية ظاهرًا ومسيحية باطنا ولن تكون صديقة للشمال.
حديث عن: صعوبات أمام الجنوبيين..نزعات قبلية...هواجس تمرد بعض فصائل الجيش الشعبي.. لكن صحون الكنائس تبشر بفجر الدولة الجديد!
فتح سفارة للصهاينة في جوبا، مسألة وقت!
كيف يواجه السودان المستقبل؟
الجميع مطالب بالإعداد اللازم لمواجهة الأخطار التي تحدق بالإسلام والمسلمين هناك
عند ظهور هذا التحليل على صفحات»المجتمع«، يكون جنوب السودان قد حسم أمره، واستفادت النخب الجنوبية التي صنعت على أعين الغرب والحاكمة للجنوب بالعلمانية اللادينية ظاهرًا وبالمسيحية باطنًا ، تكون هذه النخب قادت الجنوب إلى الانفصال وإقامة دولة ذات أصول نصرانية مع أنهم أقلية .
اللافتات التي رفعت في وجه السيد رئيس الجمهورية عند زيارته الأخيرة ل»جوبا«،ومواكب الشباب التي تجوب شوارع العاصمة الجديدة لدولة الجنوب »جوبا« والمدن الأخرى الكبرى، وآخرون في قاعات وصحون الكنائس يبشرون بأن فجر دولتهم قد أطل، ولن يكون فجرًا كاذبًا مهما تحدث الناس عن صعوبات كبيرة ستواجه الدولة الوليدة من مصاعب اقتصادية، ونزاعات قبلية، وهواجس تمرد بعض فصائل الجيش الشعبي.
ولمواجهة التداعيات والتحديات المرحلة ما بعد الاستفتاء وانفصال الجنوب تداعت بعض الحركات والهيئات العاملة في الحقل الإسلامي للتباحث حول الأمر، وكيفية مجابهة المستقبل بعد قيام دولة لن تكون صديقة لدولة الشمال بأي حال من الأحوال ولا سيما وأن فتح سفارة له »إسرائيل«، في »جوباء« بات مسألة وقت ليس إلا واستقر رأي المجتمعين والمتحدثين على العمل الدؤوب والتواصل المستمر للحفاظ على دولة الشمال المسلمة، وفق برنامج الحد الأدنى محدد ومتفق عليه، ومساندة الدولة القائمة حتى تتمكن من مجابهة الأعداء المتربصين بالسودان المسلم. أقر المجتمعون أن بلادنا تمر بمنعطف حاد ومرحلة جديدة تنذر تداعياتها وتحدياتها بأخطار حقيقية على الإسلام والمسلمين في السودان، توجب على كل مسلم صادق - أيًا كان موقعه في الخارطة السياسية والفكرية - أن يقف عندها بجدية تامة وتجرد كامل، ويوجب على جميع تيارات وجماعات العمل الإسلامي دراستها وتحليلها، وإعداد العدة اللازمة لمواجهتها لأن ذلك يمثل واجب الوقت على الجميع.
لماذا يخطط أعداؤنا وينجحون في تحقيق مخططاتهم، بينما نفشل في منعهم وتعطيلهم؟
رأينا أن نبدأ بالإجابة على هذا السؤال المهم والخطير؛ لأن في الإجابة عليه تحفيزًا ودفعًا لنا لبذل الجهد المطلوب في المرحلة القادمة..إذ نلاحظ جميعًا من دراسة كل المخططات الصهيونية والصليبية في أمتنا أنها تحتاج لتنفيذها أكثر من مائة عام لتصل إلى أهدافها التي أهمها طرد الإسلام والمسلمين من كثير من المناطق الاستراتيجية والأجزاء المهمة من العالم الإسلامي، فمثلًا خطط الغرب الكافر لطرد المسلمين من الأندلس بعد ثمانية قرون من ازدهاره وانتشاره في ربوع أوروبا الغربية، وتحقق له ما أراد، واستجاب المسلمون للمضي في كثير من الأوضاع التي دبرها لهم، ووقعوا في كل الفخاخ التي نصبها لهم، حتى قضي على الإسلام في الأندلس، وتحقق لهم ما أرادوا ... كذلك خطط اليهود لطرد الإسلام والمسلمين من فلسطين وبناء دولة اليهود على أرض المسلمين، وخلال 50 عامًا حددها مؤتمر «بازل« اليهودي بسويسرا لهذه المهمة »بناء وطن قومي لليهود»، استطاع إعلان هذه الدولة ( 1898م - 1948م) ، وخطط لدولة «إسرائيل» الكبرى في 50م عامًا آخر تمتد من الفرات»العراق« إلى النيل»مصر-السودان«، وفي نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة (1998 م – 2003م) تحقق لهم أهم إنجاز في العراق والسودان، وضمهما تحت سلطانه، وإدارة شؤونهما العسكرية والسياسية ومستقبلهما، ويتوجب أن ننظر إلى التزامن الذي حدث في قضية العراق والسودان خلال عدة سنوات بعد حرب الخليج، ثم إخضاع العراق بالعقوبات وحظر الطيران، وعزله وإضعافه حتى سقط في 2003م عسكريًا وخلال عدة سنوات، ثم إخضاع السودان للسيناريو نفسه الذي أفرز »اتفاق نيفاشا« وما بعده، من فصل الجنوب وتفجير دارفور وتوسيع الصراع العرقي.
والبقية تأتي في إطار المخطط نفسه.
وليس مستبعدًا كما قال»جون قرنق« قولته المشهورة لواشنطن بوست»: «سيخرج المسلمون من السودان كما خرجوا من قبل من الأندلس بعد أن تمكنوا منه لثمانية قرون«.
والخلاصة:أننا لم نتحل بالوعي واليقظة ونضع بذات القدر خططًا إستراتيجية تتفق عليها جميعًا، وتتوحد في المرحلة القادمة على تنفيذها، مع حراسة صفوفنا من الاختراق بكل صوره، وتنقيتها من المندسين فيها الذين ساقونا ويسوقوننا دوما إلى الهزائم المتكررة والتنازلات المدمرة والأوضاع المأساوية .
التداعيات والتحديات
الواقع القادم في بلادنا بعد هذا الاستفتاء الذي يكاد أن تتأكد نتيجته »الانفصال«، يشير إلى بعض التطورات والتداعيات التي يمكن دولة النخب
أن تصل إليها الأوضاع بالنسبة للمسلمين في السودان، والتي نلخصها في هذه الورقة كما يلي
أولًا: القضية الدستورية
لقد وصف عمر البشير رئيس الجمهورية في خطابه بـ «القضارف«الواقع السابق قبل الانفصال دستوريًا بأنه وضع قائم على»الدغمسة»أو «الجغمسة«، وهذا اعتراف خطير بما ارتكب في حق المسلمين دستوريًا من:
1-عدم النص على هوية البلاد الإسلامية.
2-عدم النص على دين الدولة الرسمي.
3-عدم النص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد .
4-عدم اشتراط الإسلام والذكورة المرشح منصب رئيس الجمهورية.
5- جعل المواطنة أساساً للحقوق والواجبات.
6-حرية التعبير المطلقة لكل الناس.
وقد تبع هذه النصوص الدستورية المختلة والمصادرة لأهم حقوق المسلمين:
-1إلغاء »قانون التبشير» الذي فتح الباب واسعًا للمد التبشيري في كل أرجاء البلاد وانتشار بناء الكنائس في كل ناحية.
2-قانون الأحزاب الذي صادر حق المسلمين في تكوين أحزاب ذات صبغة دينية واشترط الإقرار بـ«اتفاقية نيفاشا« والدستور الانتقالي كتابة كشرط لتسجيل الأحزاب والمشاركة في الانتخابات .
-3التعديلات الجوهرية التي طرأت على العقيدة القتالية للقوات المسلحة، والتي حجبت القوات المسلحة من الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وحماية تمكينه كدور أساسي لها، كما حجبها عن دورها القتالي في مناطق حساسة من البلاد.
-4التوسع في القروض الربوية والارتماء تمامًا في أحضان البنك الدولي، مما أدى إلى تمكين الربا في معظم المعاملات المالية للدولة، ومن ثم الأفراد فيها.
وقد أدت هذه الحريات التي كفلها الدستور والأوضاع التي أفرزها إلى تقييد القانون الجنائي لسنة 1994م، »الذي شمل الحدود الشرعية«، وتعطيله تمامًا عن النفاذ مما أدى إلى واقع أخلاقي مدمر، وانفلات واسع في هذا المجال، بلغ حدًا ينذر بأوضاع خطيرة للغاية للمجتمع.
وما ذكرناه إنما هو على سبيل المثال لا الحصر، وقد وقع كل ذلك تحت سمعنا وبصرنا دون أن نحرك ساكنًا لصده أو رده أو منعه، وقد آن الأوان لاغتنام الإيجابية الوحيدة للانفصال، وهي خلو الشمال من أي وجود غير مسلم مؤثر، ونعيد صياغة أوضاعنا الدستورية وحمل الدولة بكل الصور الهادئة منها لتحقيق ذلك.
ومن الضروري أن نسعى جميعًا إلى بناء مؤسسات الدولة الإسلامية التي تنشدها ووضع دستورها وقوانينها، لتحقيق الهوية الإسلامية للبلاد، وإلغاء نظام الفيدرالية التي كرست الفرقة وفتحت الباب للصراعات الجهوية والعرقية، وهذا من أهم التحديات التي نواجهها في المرحلة القادمة.
ثانيًا: انفصال الجنوب وخطة تقسيم السودان إلى دويلات
ولا يحتاج الأمر منا إلى أدلة وبراهين نسوقها لذلك، فهو واضح لكل المتابعين الذين يرصدون كل الوثائق والمشروعات، وقد نبهنا منذ وقت طويل أن السودان تعمل فيه ثلاث مشروعات ترعاها الصهيونية العالمية لتقسيمه:
1-مشروع دولة البحيرات العظمى التي تشمل دول المنبع في شرق ووسط أفريقيا:»رواندا - بورندي - أوغندا - كينيا – الكونغو« والتي لا تكتمل إلا بجنوب السودان.
-2مشروع دولة الغرب التي تسعى إلى إعادة مملكة »ودأي« التاريخية، والتي عمادها »الزغاوة»، وهي تشمل دارفور وأجزاء واسعة من كردفان .
-3مشروع دولة الشرق والتي تسعى إلى إعادة مملكة أكسوم، الإثيوبية، والتي عمادها »التقراي» في إثيوبيا وإريتريا، وهم الحاكمون الآن في الدولتين.
فإذا وقع الانفصال فإنما هو تحقيق لأحد هذه المشروعات الثلاثة، ويبقى مشروعان لتقسيم السودان قيد التنفيذ، ولا يخفى على أحد ما وصلت إليه الأوضاع في دارفور وأخطرها:
-1انعدام الأمن تمامًا بين بعض أجزاء ومدن دارفور» التحرك بالأطواف«.
-2التدويل الواسع للقضية ،حيث بلغت مجلس الأمن في وقت قياسي .
3-كثرة الحركات المسلحة في دافور مما وسع القبائل التي دخلت اضطرارًا لتطور الأوضاع في الصراع.
4-المطالبة باستقلال الإقليم سياسيًا»حكم ذاتي« مع المشاركة بمنصب نائب الرئيس بمنصب ثابت للاقليم .
وبغض النظر عن الرأي حول هذه الأوضاع، إلا أننا جميعًا ندرك أنها خطوات متسارعة إلى صورة من صور التقسيم القابلة للتطور للانفصال في المستقبل.
كما أن الإرهاصات تشير بوضوح إلى دور إثيوبي إريتري في آن واحد في الشرق والحوار الدائر الآن حول أحقية إريتريا في كسلا وحلايب وتبعيتها لها بداية لتطور الأوضاع نحو التقسيم.
وهنالك إشارات لبعض التحركات المنطقة النوبيين في الشمال وإن كانت ضعيفة، لكن لا بد أن يحسب لها حساب، لا سيما وأن المنطقة النوبية المصرية أيضًا مستهدفة لتعكير صفو أمن مصر.
فما دورنا وموقفنا قبل أن تقع الفأس في الرأس، ونجد بلادًا مقسمة، وحتمًا هذا التقسيم سيكون خصمًا على الوجود الإسلامي في البلاد؟
ثالثًا: الخطر الأمني والعسكري المتوقع
فالجنوب تمكن خلال الفترة التي منحتها إياه الاتفاقية (6) سنوات من بناء قوة عسكرية »تسليح، تجنيد ، تدريب« برعاية يهودية معلنة، وتسليح أمريكي روسي معلن »تقرير ناتسيوس 2009م«، حيث أكدوا أنه تسليح دفاعي، والمعروف أن سلاح الطيران والمدفعية ونحو ذلك من أسلحة الهجوم وليس الدفاع.
وهذا التسليح استوجب تدريبًا عاليًا، ولعلنا نذكر جميعًا أولئك الشباب من (12-15) سنة الذين تم نقلهم بالطائرات الأمريكية من الجنوب إلى أمريكا، والذين مكثوا ما يزيد على 10 سنوات فعادوا من قوات »المارينز«.
المستهدف في الحقيقة بهذا التطوير للقدرات العسكرية بلا شك هو الشمال لأننا نوقن أن المخطط الغربي قائم على قاعدة سياسية هي: »استقرار الجنوب بالانفصال واضطراب الشمال بالحروب والصراعات« ليسهل الانقضاض عليه.
وهنالك معلومات صرح بها عدد من القادة الجنوبيين عن وجود قوة عسكرية لهم في الخرطوم، وإعلان ياسر عرمان رئيس قطاع الشمال في الحركة الشعبية أنهم يملكون جيشًا في الشمال لا يقل عن جيش الحركة الشعبية في الجنوب وإذا أضيف إلى ذلك احتضان حركات التمرد الدارفورية ودعمها من قبل الحركة الشعبية، وإذا تذكرنا فكرة »الثورة السوداء» التي يجري الإعداد لها لبناء السودان الجديد المزعوم !!
إذا وضعنا في الاعتبار ذلك أدركنا مدى الخطر الأمني والعسكري الذي سوف نواجهه قريبا، وإذا - لا قدر الله توسعت جبهات القتال للقوات المسلحة والقوات الخاصة في العرب والشرق وغيرها في إطار سباق التسلح والتدريب سيؤدي ذلك إلى انقلاب في میزان قوى البلاد، فما النتيجة برأيكم؟ خاصة إذا وضعنا في الحسبان إمكانية نشوب حرب بين الشمال والجنوب، وأسبابها موجودة، والدلائل تشير إليها»أبيي«، مع إمكانية تطور وضع القوات الدولية في البند السابع، وجعلها طرفا في الصراع.
إننا يجب أن ندرك الخطر الكبير الذي يواجه البلاد عسكريًا وأمنيًا، ويتلخص دورنا الآن كدعاة في صياغة العقلية الإسلامية في السودان :
1-بما يقيد ويمنع الأفكار العنصرية والعرقية والانفصالية والعقلية الانهزامية.
2-التعبئة والاستعداد للأسوأ ، وتوحيد الساحة الإسلامية في مواجهة الخطر العسكري، ومساندة القوات المسلحة حتى لا تنكسر.
رابعًا: ضرورة توحيد تيارات العمل الإسلامي في السودان في تيار واحد
وهذا يقتضي التوافق على برنامج عمل يحدد واجبات المرحلة القادمة، ويمكننا من مواجهة المرحلة القادمة كتيار شعبي واسع يرهب الأعداء، ويمنع مواقف الذل والخزي والتنازلات التي مكنت أعداء الإسلام من البلاد وقيادة إصلاح سياسي وفكري واجتماعي بجهد واحد متفق على الحد الأدنى منه.
وإن علينا أن نستشعر ضرورة هذه الوحدة التي لن تلغي وجود أي تيار ولا منعه من برامجه الخاصة به، ولكنها تقوي الموقف الإسلامي العام التحقيق مصالح الأمة عامة وجماهير أمتنا المسلمة في السودان خاصة.