; الرجل الثالث | مجلة المجتمع

العنوان الرجل الثالث

الكاتب قيس القرطاس

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1971

مشاهدات 111

نشر في العدد 44

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 19-يناير-1971

ماركس يقول له والده أتحسبنا مخلوقات من ذهب

هل انتابه الغرور فتصدى لوضع مبدأ للبشرية؟

أم تملكته شهوة الهدم والانتقام من الإنسانية؟

في الفترة المنصرمة من القرن الماضي، وعلى إثر سريان نتائج الثورة الصناعية في أوروبا من ظلم أصحاب رؤوس الأموال لحقوق العمال واستغلال النساء وامتهان الأطفال لتحقيق أكبر قدر من الإنتاج بأقل ثمن ممكن، في ظل هذه البذرة السيئة حدثت ردود فعل كانت ذات أثر وخيم على حياة البشرية، فظهرت حركات تحمل الطابع الذي يعمل على تصحيح الأوضاع، ولكن هذه الحركات لم تكن مما تتفق مع نوازع رجل مر في ظروف معينة وخرج على الدنيا بأفكار حاول أن يظهرها بشكل مستحدث جديد، فمن هو هذا الرجل؟ وما هي حياته؟ وما هي أسرار اختياره لهذه النظريات؟

الحدود البشرية:

وقد يسأل سائل وما شأنك في حياته؟ وأحب أن أقول للسائل: لا تستعجل، إننا لن نناقش تصرفاته عبثًا ولا حبًّا في التدخل بأموره الشخصية، ولكننا نرى أن حياته ذات صلة وثيقة بنظرياته الغريبة، بل أنها تلقي ضوءًا عميقًا على أسباب إعلانه لهذه الأفكار.

وقد يدافع مدافع فيقول إن الكل بشر يعتريهم ما يعتري الرجل الثالث، وأعتقد أن المدافع قد قرر-من حيث لا يدري- أمرًا ليس في صالح المدافع عنه وهو أن الرجل الثالث ليس في طاقته التصدي لوضع مبدأ تسير عليه البشرية، إذ لا بد أن يكون الذين يتصدون لمهمة خطيرة جدًّا كهذه المهمة، أفرادًا يملكون ميزات نادرة ومواهب فريدة من نوعها، ولا بد أن تتوفر فيهم كفاءات خارقة لا توجد عند بقية أفراد البشر، هذا فيما إذا سلمنا جدلًا بأن البشر تحت ظروف خاصة جدًّا يستطيعون أن يأتوا بشيء من هذا القبيل، وإلا فالأمر أبعد من الثريا بالنسبة للثرى، ولن يستطيع البشر تحت أي ظروف في أي زمن، أن يقوموا بمثل هذا العمل ولو أن الرجل الثالث أقر بأنه إنسان كسائر الناس ليس من واجبه أن ينصب نفسه هاديًا للبشر، ولو أنه اعترف، أو لو أن أتباعه اعترفوا بأنه بشر لم يبلغ درجة الكمال، وأنه غير معصوم من الخطأ، لما كان لنا أن نهتم بمناقشة ما جرى في حياته، إن الرجل الثالث تصدى لوضع مبدأ يزيح الحجب عن المستقبل، إن البشر جميعًا لا يملكون وسيلة يقينية لمعرفة ما سيحدث في المستقبل فكيف يتصدى بشر لوضع مبدأ يرسم خطط المستقبل؟ كما أن على البشرية أن تتأكد من المبدأ الذي تسير عليه في حياتها قبل أن تقود نفسها إلى الهلاك والدمار، إن حياة الرجل الثالث لم تكن تهمنا في قليل ولا في كثير لو لم يتصد لقيادة البشرية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها ويرسم لها خط السير الذي يجب ألا تشذ عنه مدى الدهور والعصور.

فكر مريض لإنسان مريض:

يقول الكاتب الماركسي  أوتورهل «إنه كان نموذجيًّا فيما كان يعانيه من اعتلال نشاطه الروحي،  وكان على الدوام متقلبًا، مبتئسًا حقودًا لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء الهضم والانتفاخ وهياج الصفراء،  لقد حاول الماركسيون إنكار جميع نقائص أستاذهم ولكنهم ما لبثوا أن نزلوا مضطرين إلى حكم الواقع، إذا كان من الصعب عليهم حذف المذكرات التي سجّلها والد ماركس عن والده، ومع ذلك فقد حاول الكاتب الماركسي أن يعلل هذه الظواهر بتعليلات، منها مرض الكبد، ومنها انتسابه إلى الملة اليهودية في بلاد تنظر إليها بالازدراء والتحقير، وتدليله من قبل والديه في صغره، ويحاول الكاتب بعدئذ أن يغمض عينيه عن عيوب أستاذه عندما يبين أنه لا علاقة للأفكار التي جاء بها ماركس بعيوبه، إن هذا الكلام يمكن أن يقوله أي إنسان عدا الماركسيين الذين يزعمون بأن الآراء والأفكار إنما هي صدى للمطالب الجسدية، فلن يستطيع أحد منهم أن يزعم أن الآراء تأتي سليمة مطهرة من نفس مريضة مختلة مطبوعة على الحقد والضغينة.

انتهازية وطمع:

ولد ماركس في مدينة تريير في مايو سنة 1818 من أبوين ينتميان إلى طائفة الحاخامين اليهود الذين هاجروا إلى بلاد المجر، وبعد ولادة ماركس بست سنوات تحول الأبوان إلى المسيحية اغتنامًا لفرص العيش، ويظهر أن لهذه الحادثة تأثيرها البالغ على ماركس وأفكاره حيث قال:
إن الديانات والعقائد إنما هي انعكاس للضرورات الاقتصادية لقد ظن أن التصرف الذي قام به والداه هو قانون من قوانين المجتمعات البشرية عند جميع الناس وخلال كافة العصور، فهل يظن ماركس أن البشرية بأكملها عند هذا المستوى المنخفض الذي تؤثر عليها لقمة العيش، ألم يقرأ التاريخ ويرى النماذج الرفيعة التي تحدت الطغيان والجبروت ووقفت بوجه التهديد بالقتل وأعرضت عن الإغراء بالمال.

استولى عليه حب المال لدرجة أن أرهق أباه بالمصاريف حتى صاح به مرة: أتحسبنا مخلوقات من الذهب، ولما مات أبوه عرج على نصيبه من الميراث حتى نفد، ثم مال على نصيب أمه حتى انتهى منه.

العاطفة الوجدانية خرافة!

كان ماركس يحب فتاة هي الآنسة جيني حفيدة مستشار الدوك برونشيك فعارض والدها في إبرام هذا الزواج في البداية لأن ماركس ينتمي إلى طبقة غير طبقتهم، إلا أن ماركس تمكن من إقناع والدها فتوفي الوالد قبل إبرام الزواج فعارضت أسرتها، إلا أن ماركس نجح برغم هذه المعارضة من عقد الزواج، وقد اعترفت زوجته بأنها كانت العون الأول له لإخراج نظريته، فلم تكن وسائل الإنتاج المحرك الوحيد لحياة ماركس.

أما الآن فيزعم القادة الشيوعيون أن العاطفة الوجدانية خرافة وينصحون باختيار الزوجات من ذوات العضلات والنشاط الصناعي وألا يقيموا وزنًا للعواطف.

ولكن لماذا يأخذ إلههم الزائف بتطبيق ذلك على نفسه، ولماذا يمنع البشرية من أن تتمتع بالإرث ويستبيح ذلك لنفسه؟

الملكية سرقة واغتصاب:

فعندما تقدم أحد الرجال لخطبة ابنته لورا لم يوافق حتى يتحقق من صحة ميراث الخطيب، مع أنه يعتبر الملكية سرقة أخبث من سرقة اللصوص، إن الذي يطلب تطبيق نظريات اخترعها بنفسه ويدعي أنها النظريات العلمية الوحيدة، ثم لا يقوم بتطبيقها إما أن يكون شخصًا مخادعًا أو أن نظرياته غير مقنعة حتى بالنسبة لواضعها، وقد يقول قائل إن هذا الكلام ينطبق على كل إنسان يدعو بدعوة ما ثم يخالف ما يدعو إليه بتصرفاته العملية ومثل هذا كثير.

ونجيب على ذلك أن هناك فرقًا شاسعًا بين تصرف ماركس وتصرف بقية الناس؛ إذ إن الذين يأخذهم الغرور ويتصدون لوضع المبادئ هم أفراد قلائل، أما بقية البشر فيتبعون ما يجدون أمامهم من مناهج؛ فالبشر عامة يعترفون بنقصهم فلذا يتبعون المنهج الرباني الوحيد، وأما الذين يتبعون الأنظمة البشرية الجاهزة فإن أصدق وصف ينطبق عليهم، هو أنهم إمعات.

ولوتصدى جميع البشر لوضع المناهج والأنظمة لما وجد لأي نظام أتباع، وأمثال هؤلاء المغرورين قد ادعوا لأنفسهم الكمال الذي لا يملكونه.

إخلاص ووفاء:

تعرف ماركس على صديقه الحميم أنجلز سنة 1845 في بروكسل ونشرا معًا بيانهما الشيوعي سنه 1848، وكان على الدوام في حاجه قصوى إلى المال وكان أنجلز يمده بذلك فقد كان ميسور الحال فهو ابن مصنع نسيج، وكان ذلك مصدر رزق ماركس الرئيسي بالإضافة إلى اشتغاله كمراسل لصحيفة نيويورك تريبيون الاستعمارية، وبالرغم من مساعدات أنجلز المادية لماركس إلا أن الأخير جامد العاطفة حتى أنه لم يُعزّ صديقه بوفاة زوجته، مما جعل أنجلز يُوبّخ صديقه ماركس، إلى أن أجابه معتذرًا بفقره وقلة ماله ويا له من عذر ويا لها من سخرية في أحرج المواقف، إنه عذر أقبح من الذنب الذي اقترفه، حقًا إن العوامل الاقتصادية أهم في نظر ماركس من كل شيء حتى من زوجة صديقه الذي كان لا يبخل بتحسين حالته الاقتصادية.

التزوير والافتراء:

ومن غريب تصرفات هذا الرجل أنه اتهم باكونين بالجاسوسية، بالرغم من أنه الذي تلقى ماركس عليه أوائل دروسه، وقد أحيلت التهمة إلى لجنة من أقطاب الثورة فثبت بعد التحقيق أن وثيقة الاتهام مزورة، واتهم ماركس باكونين بأنه قد دنّس سمعة الاشتراكيين لأنه اتفق مع ناشر في روسيا على ترجمة كتابه ولم ينجز الترجمة، مع العلم أن ماركس اتفق مع ناشر على تدوين نظرياته الاقتصادية وانقضت 14 سنة ولم يظهر الكتاب، وبعدها عقد اتفاقا آخر على تأليف الكتاب نفسه..

فلماذا لم يدنس ماركس سمعة الاشتراكيين مع أنه ارتكب إساءة أدبية أكثر بكثير من الإساءة التي قام بها باكونين؟ أم أن الرذيلة التي يرتكبها باكونين أو أي إنسان آخر تنقلب فضيلة بالنسبة لماركس؟.

إن السر في الهجوم من قبل ماركس على باكونين، هو أن الأخير كان الشخصية القوية التي تنافس ماركس الزعامة على الحركة الاشتراكية، ولم يكتف بمهاجمة باكونين فهاجم «برودون» في كتابه بؤس الفلاسفة، وسخر من جميع الاشتراكيات والاشتراكيين في بيانه الشيوعي عدا اشتراكيته العلمية المزعومة.

 

 

متاجرة واستغلال:

وكانت هناك جريدة تتطرق في دعوتها للاشتراكية، وقد أنذرتها الحكومة، فأشار ماركس بإخراج زميله من تحريرها، وتولى هو التحرير على خطة جديدة تنحى باللوم على الاشتراكية، مما يدل على أن المسألة مسألة متاجرة لا مسألة مبدأ، ومن المعروف أن الإضراب من جملة الأمور التي تفننت الاشتراكية العلمية في استعمالها في جميع أنحاء العالم، ولكن من العجيب أن «ويتلنج» المسكين أحد أبطال الاشتراكية جمع حوله العمال وقام معهم بإضراب مطالبًا بزيادة الأجور فقرر ماركس محاكمته وذلك لأنه عرض جمهورًا غفيرًا من العمال للبطالة، إن هذه التهمة لو كان بإمكاننا تطبيقها لاتهمنا جميع الحركات الماركسية الموجودة في العالم بهذه التهمة.

تقديس زائف:

لقد وصف هـ. م. هندمان الكاتب الماركسي الإنجليزي ماركس بالأوصاف التالية «لقد جمع بجبهته المسيطرة وأهدابه المدلاة الكثة وعينيه المتألقتين المفترستين وأنفه الحساس العريض وفمه المتحرك يحيطها جميعًا لحية كثة وشعر منكوش، لقد جمع في هيئته هذه سمات بني إسرائيل العظماء في غضبتهم الحقة مضافًا إليها قدرة سيبنوزا والحكماء اليهود على التحليل الرصين». ونحن إذا ننقل هذا الكلام لا نستغرب من قبل هذا الكاتب على أنبياء بني إسرائيل، ولكننا نتعجب أن يقول هذا الكلام ماركسي.

فهل يستبطن الماركسيون اليهودية سرًّا؟ أم أن روح الغرور قد سيطرت على ماركس وأتباعه فسوّلت لهم أن يضعوا مبدأ للبشرية ثم بيانًا شيوعيًا يسمونه إنجيلا وكتابًا لرأس المال يطبع وينشر في إنجلترا الاستعمارية يسمونه توراة الطبقة العامة، هذا هو الرجل الثالث وهذه حياته وهذه هي أوصافه المفتعلة.

فهل ينبغي للبشرية أن تغمض عينيها، وتسلم قيادتها لهذا الرجل وأفكاره الناقصة ونظرياته التطورية الحتمية المزعومة ليقودها نحو الخراب والدمار والهلاك؟

 

المصادر:

1.  الشيوعية والإنسانية العقاد

2.  الشيوعية لاسلكي

3.  البيان الشيوعي ماركس وأنجلز

4.   المذهب الاقتصادي البوظي

5.  تاريخ أوروبا فيشر

6.  هذه هي الشيوعية ريتشارد كام

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

128

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

125

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟