العنوان الرجل المنقذ
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 16-فبراير-1999
- دعوة الإسلام ليست ثوباً يُخْلَعُ ويُلْبَسُ عند اللزوم.. ولكنها عقيدة ربانية لا ينسلخ الإنسان منها إلا إذا أسلم قياده للشيطان الرجل المنقذ
كانت حالة الأمة الإسلامية في الثلاثينيات والأربعينيات تشبه حالة تائه ضل طريقه، ونقد زاده، وأوشك على الهلاك في صحراء منقطعة، أو تشبه حالة إنسان أوشك على الغرق في بحر متلاطم عميق، بعد أن نفدت قدرته، وشكت عزيمته واستسلم للموج، أو مريض يئس من الشفاء بعد أن جرب كل دواء.
كان هذا بعد تمكن اليهودي الخاسر من ضرب الخلافة الإسلامية، ثم قفزة أعداء الإسلام لتقطيع العالم الإسلامي واستعماره، وبذر ألوان الشر في الأفكار والسلوك والعادات وصبغها بالصبغة المادية.
وفي وسط هذه الدياجير المظلمة ارتفع صوت الإسلام مرة أخرى، ينقذ التائه، وينتشل الغريق ويأخذ بيد المريض ويداويه صوت ينادي الأمة من جديد يبعث فيها الأمل، ويردها إلى قرآنها وتاريخها وحضارتها وأصالتها.. ذلك هو الإمام الشهيد حسن البنَّا.
إن المعركة بين الحق والباطل طويلة ومستمرة وكل فريق فيها يستند إلى مصدر يمده بأسباب القوة والاستمرار، فأما أهل الباطل فقد استندوا إلى الشيطان الذي يخدعهم ويمدهم بالغواية والاستكبار في الأرض بغير الحق، وأما أهل الحق فقد استندوا إلى ركن ركين، وأيقنوا أنهم إنما يعزون أو يذلون بمقدار قربهم أو بعدهم من الله.
لذلك نجد الإمام يركز على هذا الأمر، وهو يوجه رجاله في هذا الطريق فيقول: ولئن كانت وصايا أوصيكم بها، فإن أولى وصياتي لكم أيها الأحبة الأعزة أن يصدق توجه قلوبكم إلى الله وحده، وأن تشرق أرواحكم بمعرفته، وتمتلئ قلوبكم بخشيته، وتأنس أنفسكم بجمال اليقين وعظيم الثقة به ودوام مراقبته في كل قول وعمل، وأن تستقيموا على أمره وتلتزموا حدوده وأحكامه ه فذلك رأس الأمر وعد وعموده، وذروة سنامه وشتان ما بين قلب خلو لا يتصل بالله في شيء، وبين قلب استنار بأضواء الإيمان وأشرق بشمس اليقين.
إن قلباً قلباً أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج ولما كانت الأخوة لب الإيمان، وعلامة الصدق ودليل ليل الالتزام بالحق، فإننا نرى الإمام لا يذكرنا بها فحسب، بل يحضنا عليها ويلزمنا بها، وصدق الله العظيم، إذ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، يقول - رضي الله عنه: ثم أوصيكم بعد ذلك بأن تحرصوا الحرص كله على نعمة الحب في الله التي ألف الله بها بين أرواحنا، وربط بها على قلوبنا، وجعلنا بها إخوة فيه، فليس الإيمان إلا الحب والبغض، وما كانت قوة بغير وحدة، وما كانت وحدة بغير توافق ومحبة، وإنها لنعمة من الله كبرى علينا نحن الإخوان أن ألف بين قلوبنا هذا التأليف حتى صارت كلمة الإخوان بين الإخوان مفتاحاً تفتح به مغاليق الدور والقلوب والجيوب، وسيالاً تهفو له المشاعر والعواطف في أي وقت وفي أي بلد، وفي أي مكان، فاحمدوا الله واشكروه على هذه النعمة والمحافظة عليها وجعلها فيما بينكم معنى عملياً يدعو إلى التزاور والتناصر، والتعاون والتكاتف على شؤون الحياة ومطالبها.
ثم يقول - رضي الله عنه - موضحاً ضرورة العمل والتطبيق والتنفيذ: وإني لأربا بصدقكم وإخلاصكم وسمو جهادكم ودعوتكم أن تكونوا قوماً كلاميين، كل محبتهم فيما بينهم تشوق بالألفاظ ومجاملة بالعبارات الصدقَ الصدقَ أيها الإخوان، فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، كما يكون الصدق في القول، يكون في العمل وفي التوجه، وفي الشعور جعلنا الله وإياكم من الصادقين.
الثبات
إن هذه الدعوة تحتاج إلى النفس الطويل تحتاج إلى الذين يربطون حياتهم ومستقبلهم وآمالهم بها، فهم يعيشون من أجلها، ويصالحون ويخاصمون في سبيلها، ليس لهم مأرب شخصي ولا هدف آخر، إن حياتهم مرهونة بهذا الحق وموقفة على هذه الرسالة، قال الله تعالى السيد الخلق ﷺ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99).
لیست دعوة الإسلام ثوباً يخلع ويلبس عند اللزوم، وليست سلعة تباع أو تشترى في سوق بل هي عقيدة ربانية لا يملك الإنسان أن ينسلخ منها. أو يتنكر لها، أو يساوم عليها، إلا إذا أسلم قياده للشيطان.
يقول الإمام كما أوصيكم كذلك، أن تثبتوا على هذه الدعوة، وتذكروها دائماً وتؤدوا حقها من وقتكم بالاجتماع الدائم، ومن مالكم بالاشتراك المناسب، ومن جهدكم بالعمل المتواصل، ومن عواطفكم بالحب المتبادل، وألا يصرفكم عنها صارف من كسل أو قعود أو ريب أو شكوك أو يأس أو توجس، أو وعد أو وعيد، فهي دعوة الله ظاهرة بتأييده مرعية بتوفيقه، واصلة إلى أهدافها بنصره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 60).
عالمية الرسالة
ولما كانت هذه الدعوة للعالم كله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء – الآية: 107) إن هو إلا ذكر للعالمين، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة. لما كان الأمر كذلك فقد توجه الإمام بنصائحه في هذا الوقت المبكر إلى أقطار العروبة والإسلام، وقد بدأ - رضي الله عنه - هذه الخطوة، بالسعي إلى الحج؛ حيث يجتمع المسلمون ليلتقي بهم. مذكراً بما آل إليه حال المسلمين، وداعياً لهم إلى العمل تحت راية الإسلام، ولذلك نجده يقرأ وكلمة إلى إخواننا في أقطار العروبة والإسلام، أفلاذ كبد الوطن الإسلامي الكبير، وهو أني أوصيهم بما أوصي به إخوانهم في مصر، وكنت أتمنى من أعماق قلبي أن تسعدني الظروف برحلة إلى بلدانهم المباركة، لولا الظروف القاهرة، فأعتذر إليهم وأبعث إليهم على صفحات مجلة الإخوان - جريدة الإخوان المسلمين نصف شهرية ١٣٦٢هـ - ١٩٤٣م - بأجمل العواطف عواطف الشوق والحب والتقدير، والأمل العظيم، في جهودهم الصادقة، وخطواتهم الموفقة، وعملهم المبرور للوصول إلى أهداف الدعوة الإسلامية المنقذة.
ثم يتوجه الإمام بالنصح لأغلى رصيد لدعوة الإسلام وهم الشباب المؤمن العفيف النظيف الذي يحمل أعباء هذه الدعوة بحق ويعطيها أعظم طاقاته. ويتجرد لها أكرم تجرد، وكان الإمام يقدر الشباب تقديراً عظيماً، ولهم في نفسه مكانة خاصة، لذلك نراه هنا يخصهم بالنصيحة فيقول:
وأوصيكم بما أوصيت به إخوانكم عامة، ولهم خاصة بأن يحرصوا كل الحرص على هذا الوقت الذهبي من لب أعمارهم فلا يضيعوه سدى، ولا ينفقوه عبثاً، بل عليهم أن يمتلئوا بالعمل، وأن ينهلوا من معين نهر المعرفة ما استطاعوا، وأن يتضلعوا من هذا الزاد العقلي في إبانه من قبل أن تصرفهم عنه الصوارف، وتحول بينهم وبينه الشواغل، وأن يقبلوا على دروسهم ومدارسهم بصدور منشرحة، ونفوس مطمئنة، فلو كشفت لهم حجب المستقبل لأدركوا تماماً قيمة هذا الوقت ولعلموا تماماً أنه لا يمكن أن يعوض، فيعملوا فيه جاهدين، وليقبلوا على الدرس والتحصيل مشغوفين، وعليهم أن يصونوا هذا الشباب التقي القوي، وأن يعلموا أنه وديعة الإسلام والوطن لديهم فلا يضيعوه بالعبث ولا يدنسوه بالإثم، وليكونوا بين إخوانهم نماذج من الفضيلة والطهر والسبق إلى كل خير وبر، والقوة في الفكر والروح والبدن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل