العنوان الرسول القائد بين القدوة والجهاد عدد (512)
الكاتب الشيخ أحمد القطان
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1981
مشاهدات 74
نشر في العدد 512
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-يناير-1981
ما أحوجنا اليوم ونحن نمر بذكرى مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن نقتدي به في خلقه وجهاده وفي مواقفه الإنسانية ورحمته الندية في سياسته الواعية وقيادته العالية.
ما أحوج العالم الإسلامي اليوم وهو على طريق الجهاد لتحرير المسجد الأقصى مسراه الأسير وتحرير مهد أخيه عيسى بن مريم البتول عليهما السلام وتطهير مرقد أبينا إبراهيم خليل الرحمن الذي ينادي مع الأقصى ضمائر حكام المسلمين قائلًا: «كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس؟»
إن تكريم الرسول في مولده ليس بالعطل وحكم الله بين المسلمين معطل!! ولا بتعليق الأنوار والمصابيح وقلوبنا تحيا في ظلام دامس محجوبة عن نور من قال الله فيه
﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرسَلنَٰكَ شَٰهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِيرا وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذنِهِۦ وَسِرَاجا مُّنِيرا وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضلا كَبِيرا﴾ (الأحزاب: ٤٥-٤٧)
وتكريمه ليس بتبادل التهاني والتبريكات وولاؤنا ليس خالصًا لله ولرسوله وجماعة المسلمين.
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلمُؤمِنُونَ ٱلكَٰفِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ ٱلمُؤمِنِينَ وَمَن يَفعَل ذَٰلِكَ فَلَيسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُواْ مِنهُم تُقَىٰة وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلمَصِيرُ﴾
(آل عمران: ٢٨)
ليس تكريمه ببناء المساجد المزخرفة وإقامة المؤتمرات المزوقة وإعلان احترامه في الدستور أو تهادي المصاحف ذات الطبعات الفاخرة هذا ما يقوم به أحزاب الأرض التي تحكم العالم الإسلامي اليوم والله يحدد لهذه الأحزاب طريق التكريم الصحيح بقوله سبحانه
﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَينَٰهُمُ ٱلكِتَٰبَ يَفرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمِنَ ٱلأَحزَابِ مَن يُنكِرُ بَعضَهُۥۚ قُل إِنَّمَا أُمِرتُ أَن أَعبُدَ ٱللَّهَ وَلَا أُشرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيهِ أَدعُواْ وَإِلَيهِ مَـَٔابِ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلنَٰهُ حُكمًا عَرَبِيّا وَلَئِنِ ٱتَّبَعتَ أَهوَاءَهُم بَعدَ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلَا وَاق﴾ (الرعد: ٣٦-٣٧)
إذًا معالم التكريم هي الفرحة بما أنزل الله وهذا هو العطاء القلبي ثم الإيمان به كله فالإسلام كل لا يتجزأ أما أن أؤمن ببعض وأنكر بعضًا فهذا هو التناقض والخداع إن الإيمان ينعكس سلوكًا واقعيًا وعبادة صحيحة وحكمًا بما أنزل الله ونبذًا لجميع الأهواء إننا في خضم المبادئ الأرضية نسمع صيحات تعلو وبيانات تصدر لتحرير الإنسان على يد أشباه البشر ممن حطموا الذرة وبلغوا سطح القمر لكنهم عاجزون عن بناء علاقة التكريم بين الإنسان وأخيه الإنسان فوق سطح الأرض ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾(المؤمنون: 71)
فتعال معي أخي المسلم ويا أخي الإنسان في كل مكان لنتفيء ظلال رحمة الله المنزلة على رسول الرحمة القائل «إنما أنا رحمة مهداة» إنه رحمة أهديت لكل إنسان على كل الأرض في كل زمان قال تعالى
﴿وَمَا أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَٰلَمِينَ﴾(الأنبياء: ١٠٧)
فهو رحمة لعالم الملائكة حيث يستغفرون للذين أمنوا وعالم الأنس حيث أخرجهم هذا الرسول الكريم من الظلمات إلى النور
﴿الر كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١)
ورحمة بعالم الجن
﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱستَمَعَ نَفَر مِّنَ ٱلجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعنَا قُرءَانًا عَجَبا يَهدِي إِلَى ٱلرُّشدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا﴾(الجن: ١-2)
وبعالم الحيوان فقد جاء بالحديث أنه «من قتل عصفورًا دون حاجة إلى قتله جاء يوم القيامة يعج إلى الله أن هذا قتلني دون غرض».. وبعالم النبات حيث جاء بالحديث أنه «من كانت في يده فسيلة ثم استطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها».
ورحمة بعالم الجماد
﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبعُ وَٱلأَرضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفقَهُونَ تَسبِيحَهُم إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورا﴾
(الإسراء: ٤٤)
ويقول عن جبل أحد «هذا جبل أحد نحبه ويحبنا» حتى عالم الحشرات قال عليه الصلاة والسلام «نزل نبي من أنبياء الله تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بحرق مملكة النمل فأنزل الله إليه من أجل نملة واحدة تحرق مملكة تسبح الله؟! سبحانك اللهم وبحمدك تنزل وحيًا وملكًا من السماء من أجل نملة، سبحانك وبحمدك إذ جعلت الرحمة حقًا مملوكًا لهذه العوالم كلها إذ لم تقل سبحانك وما أرسلناك إلا رحمة بالعالمين»!! لأن الباء تقتضي الاستعانة ومن لهؤلاء الضعفاء أن يستعينوا به إذا وقف دونهم الأقوياء يحجبونهم عن معاني الرحمة؟ لكنك سبحانك قدمت الرحمة بلام الملكية «رحمة للعالمين» التي تفيد حق التملك دون استرجاع ودون إخلاء ودون منافسة، إن رحمتك في حرية الكلمة وحق الاعتقاد وكرامة الإنسان لا يحتكرها حاكم ولا طاغوت ولا يهبها أحد لأحد إنه حق الجميع إنها رحمة للعالمين!! وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
وإليكم وقفة مع الرحمة في بناء الإنسان وقيادته: لما سالف الرماة في غزوة أحد ونزلوا من مواقعهم وتسببوا بهزيمة هزت دولة الإيمان الناشئة في المدينة المنورة وعرضت مكانتها السياسية إلى هزة عنيفة وكان حصادها أن سألت دماء النبي الزكية وكسرت رباعيته وشج وجهه وقتل سبعون من أصحابه وعلى رأسهم أسد الله ورسوله حمزة بن بد المطلب، بالله عليكم لو حدث مثل هذا اليوم في إحدى أحزاب الأرض في عالمنا الإسلامي ماذا كان سيحدث لهؤلاءالجنود المساكين الذين عرضوا وجه رئيس الدولةللتمزيق
أولًا: سيعطل الدستور.
ثانيًا: تقام الأحكام العرفية.
ثالثًا: يقدم الجنود إلى محكمة صورية عسكرية ثم تقام واد المشانق وتفتح السجون وتصادر الأموال وتسلب جميع الحقوق وتطلق أبواق الإعلام عليهم إنهم عملاء، خونة.
متآمرون وسيدخلونهم من أسوأ أبواب التاريخ!! أمام هذه القائمة السوداء التي يعلقها حكام البشر اليوم في علاجهم لمثل هذه المواقف استمع إلى القرآن وهو ينزل على النبي وجراحه ولم تندمل
﴿فَبِمَا رَحمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِكَ فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِي ٱلأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ﴾(آل عمران: ١٥٩)
نعم أعف عنهم لترد عليهم الاعتبار الإنساني بالعفو واستغفر لهم لترد عليهم الاعتبار الإيماني بالتوبة والمغفرة وشاورهم في الأمر لترد عليهم الاعتبار الدستوري بالشورى.
إن غاية ما يطمع إليه المخطئ اليوم هو العفو أما أن يصل إلى مستوى القيادة فهذا لا يكون إلا في دولة الإسلام ورحمة الإسلام المهداة.
قولوا هذا أيها المسلمون لمن يريد أن يبني شخصية الإنسان في ظل الرأسمالية القائمة على الربا المحرم والاستغلال اللئيم، قولوا هذا لمن يريد بناءها في ظل الشيوعية الحاقدة القائمة على إنكار وجود الله سبحانه وعلى كبت حرية الإنسان وخير شاهد اليوم ما تقوم به من احتلال لأفغانستان المسلمة، وتهديدها لبولندا البلد الشيوعي الذي اشتاق إلى نداء الفطرة ولو لحظة فثار على الاشتراكية فأسقطها في مسقط رأسها وقبرها في مهد ولادتها ولأول مرة يسمع العالم أن بولندا تحتفل احتفالًا دينيًا في السنة الجديدة منذ ثلاثين عامًا إنها صفة توجه إلى مبادئ ماركس ولينين التي اغتالت إنسانية الإنسان أمام الآلة والمصنع وقدمتها قربانًا للشيطان.
لقد سمعنا ما قدمه مؤتمر «الطب الإسلامي» من تقارير رهيبة عن الخمر في أمريكا تقول إحصائية سنة ١٩٧٧ أن عشرة ملايين مدمن للخمر والآن عشرون مليونًا و٧٥% من حوادث السيارات بسبب الخمر و٤٧٪ من الأطفال ما بين ٧-١٢ يعاقرون الخمر و٦٥% من جرائم القتل العمد بسبب الخمر وقد بلغت تكاليف الخمر في أمريكا ٣٥ مليار دولار يعني ٣٥ ألف مليون دولار إنها من نفط المسلمين واستهلاك المسلمين وأرصدتهم المكدسة في بنوك أمريكا أبمثل هذه المجتمعات تبنى إنسانية الإنسان؟! وصدق الله إذ يقول
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَٱطمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُم عَن ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ أُوْلَٰئِكَ مَوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ﴾ (يونس: ٧-٨)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل