; الرسول القدوة.. والمبشرات | مجلة المجتمع

العنوان الرسول القدوة.. والمبشرات

الكاتب أ. د. محمد بديع

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010

مشاهدات 43

نشر في العدد 1893

نشر في الصفحة 52

السبت 13-مارس-2010

المجتمع التربوي

لقد جاءنا الرسول بالنور المبين، والهدي المستقيم، والدين القويم الذي جمع القبائل المتفرقة، وجعل منهم أمة واحدة، وإخوة متحابين حملوا لواء الحق، ومشعل الهداية، فاستطاعوا في ربع قرن أن ينشروا الرحمة، ويُقيموا العدل، ويحققوا الأمن لكل من أظلتهم راية الإسلام، وإن اختلفت عقائدهم، أو تنوعت أجناسهم، أو تعددت طبقاتهم فالجميع في ظل الإسلام سواء.

الرسول القدوة.. والمبشرات

بقلم: أ. د. محمد بديع

الله سبحانه وعدنا بإتمام نوره وإظهار دينه وبالاستخلاف والتمكين والأمن والنصر والنجاة للمؤمنين

عودة الخلافة على منهاج النبوة والانتصار على اليهود وبقاء الطائفة المنصورة وظهور المجددين في كل قرن وانتشار الإسلام في العالم.. من مبشرات الرسول للمسلمين

المسلمون اليوم في حاجة شديدة إلى أن يذكروا محمدًا رسول الله الذي احتمل الآلام وصابر المشقات في سبيل بناء الإسلام وإقامة صرحه الشامخ

لقد أقام رسول الله ﷺ دولة علمت الإنسانية لأول مرة مبادئ الحرية والإخاء وألقت عليها دروس المساواة والعدل والرحمة وعلم به الناس كيف يحيون سعداء، وكيف يموتون سعداء، وما لنا لا ترفع الرؤوس بين العالمين فخارًا ونقول: إن محمدًا علمنا الحرية فلن نستكين، وإن محمدًا علمنا العزة فلن نستعبد بعد اليوم.

واعلموا أيها الإخوان أن المسلم الحر يأبى الضيم، ويرفض الذل، وأنه حين يهتف الله أكبر، لا يرضى لغير ربه أن يكون مستعليًا عليه، ولا لغير دينه فوقه سلطانًا واستعلاء، ولن يصلح حال أمتنا الإسلامية إلا بما صلح به أولها، وإن المسلمين اليوم في حاجة شديدة إلى أن يذكروا محمدًا رسول الله، الذي احتمل الآلام، وصابر المشقات في سبيل بناء الإسلام، وإقامة صرحه الشامخ وإن اقتداءهم بالنبي في ذلك يقضي على اليأس الذي ملأ النفوس، والفساد المستشري في مجتمعاتهم، والظلم الذي عم الأرجاء.

أيها المسلمون في كل مكان..

لقد كان الرسول ﷺ يمثل الحقيقة الكاملة في طفولته، وفي شبابه، وفي كهولته، كما كان المثل الأعلى والأكمل في الطموح، وفي العفة، وفي الصبر، وفي الأمانة، وفي الصدق، وفي الجد، وفي المزاح، كما كان الشخصية المتكاملة في حياته الخاصة والعامة، وفي عبادته، وفي أسرته، ومع أولاده، وفي فقره، وفي غناه وفي فرحه، وفي حزنه، وفي غضبه وفي رضاه، وفي علمه، وفي اجتهاده، وفي حربه، وفي سلمه.

والمسلم الصادق الإيمان الراجي الأجر من الرحمن الطامع في أعلى الجنان لا سبيل له إلى ذلك إلا بالتأسي برسول الله تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾(الأحزاب).

عودة نور الإسلام

ومن التأسي بالرسول ﷺ أن تجاهد في سبيل إعادة هديه للحياة، كما تعمل على عودة نور الإسلام إلى الدنيا التي أظلمت بالفساد والبغي والظلم، ومن رحمة الله بنا أنه تكفل لحملة هذا الدين بأمرين:

حفظ الذكر مكتوبًا، فقال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾(الحجر). والحفظ يشمل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لأنها المبينة للذكر.. ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل).

حفظ الذكر عملًا، فما خلت القرون من أمة قائمة بالحق وعلى الحق وعد الله بنصرها، قال ذلك رسول الله ﷺ: فَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ: حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كذلك (مسلم).

المبشرات بالنصر والتمكين

وفي وسط الشدة، وفي أحلك الساعات كان الرسول يبدد اليأس الذي قد يتسرب إلى النفوس، ويبعث بالأمل في نفوس أصحابه ثقة في وعد الله.. عن خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتْ قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظل الكعبة قلنا له: ألا تَسْتَقْصِرُ لَنَا ؟! أَلا تَدْعُو الله لَنَا ؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَل فِيهِ، فَيُجَاء بالمنشار فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقِّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدَّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ، مَا دون لحمه من عظم أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدَّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهُ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلا الله وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تستعجلون (البخاري).

وفي الهجرة وهو مطارد والطلب من خلفه يعد سراقة بسواري كسرى، وفي غزوة الأحزاب بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وبينما هم يحفرون الخندق تعترض الصحابة كدية لا يقدرون عليها، فَأَخَذَ الرسول ﷺ المَعْوَلَ فَضَرَبَ به ضَرْبَةً لمعت تَحْتَ الْمَعْوَل بُرْقَةً، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى وكذلك الضربة الثالثة.. فقال سلمان الفارسي: بأبي أنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الَّذي رأيت لمع تحت المعول وانت تَضْرِبُ قَالَ: «أَوَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ يَا سَمَانُ؟». قَالَ: قلت: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةَ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا المشرق».

وتأسيًا برسول الله ﷺ نسوق المبشرات  التي وعدنا بها ربنا، وأخبرنا بها نبينا والتي منها:

1-  المبشرات من القرآن الكريم:

- أن الله وعدنا بإتمام نوره وإظهار دينه.. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ , هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ (الصف)، فهذا وعد من الله تعالى بظهور دين الحق الإسلام على الدين كله أي على الأديان كلها، وكان وعد الله حقًا، فلن يخلف الله وعده، وما زلنا ننتظر تحقيق هذا الوعد: غلبة دين الإسلام وظهوره على جميع الأديان، سماوية أو وضعية.

- وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن للمؤمنين.. ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ (النور)؛ فهو سبحانه كما وعد بالأمن نبه إلى أن قبله خوفًا، فإذا وجدتموه فلا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا.

- وعد الله بالنصر والنجاة والدفاع عن المؤمنين.. ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾(الروم﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾(يونس). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾(الحج).

- ويتأكد النصر حين تمسهم البأساء والضراء.. ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾(البقرة)، فإذا وصل البأس أقصى مداه وأطل اليأس؛ كان الفتح والنصر.. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡ‍َٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ (يوسف).

- وعد الله بإحباط عمل من يصدون عن سبيل الله، وإن مما يطمئن المسلم ويبشره أمام تسخير قوى الباطل وأموالهم للصد عن سبيل الله أن الله وعد بأنهم لن يرجعوا إلا بالخيبة والحسرة والهزيمة مع ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة.. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ﴾ (الأنفال).

2- المبشرات من السنة النبوية:

- إخبار الرسول بانتشار الإسلام في العالم كله.. عن تميم الداري رسول الله ﷺ يقول: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ الليل، ولا يترك اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّين بعز عزيز يُعزّ به الإسلام. أو ذل ذليل يُذل به الْكُفْرَ، وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ الأرض فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَإِنْ أُمَّتِي سَيَبْلُغ ملكها مَا رُوِي لِي مِنْهَا» (مسلم).

- ظهور المجددين في كل قرن.. عن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لهذه الأمَّة عَلَى رَأس كل مائَةِ سَنَة مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (أبو داود).

عودة الخلافة على منهاج النبوة.. عن حذيفة رضا النبوة فيكم قال: قال رسول مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا . شاء الله الله أَن تَكُونَ، ثُمَّ يَـ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ الله: تَكُونُ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَا نُبُوَّة (أحمد).

 - الانتصار على اليهود.. عن عبد الله بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ فَتُسَلِّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولُ الْحَجَرُ : يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلُهُ (متفق عليه).

- بقاء الطائفة المنصورة.. عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهرين على الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مِّن خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ (مسلم)، وفي رواية قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس (أحمد).

التاريخ شاهد صدق

يا أمة الإسلام.. إن نهضات الأمم جميعًا إنما بدأت على حال من الضعف، يُخيل للناظر إليها أن وصولها إلى ما تبتغي ضرب من المحال، ومع هذا الخيال فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة القليلة الوسائل إلى ذروة ما يرجوه القائمون بها، من توفيق ونجاح.

ومن ذا الذي كان يصدق أن الجزيرة العربية- وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟! ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر صاحب القلب الرقيق اللين، وقد انتفض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشا تقمع العصاة، وتقوم المعوج، وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟!

ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال، فيرد ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكًا من ملوكهم الأكابر؟

ذلك في التاريخ القديم.. وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك فمن كان يظن أن حسن البنا مع ستة نفر في مدينة لا تجد فيها إلا آثار المحتل الغاصب سوف يجدد الإسلام الصحيح، وينشر نوره إلى كل قرى مصر، ومنها إلى كل أنحاء العالم، وأضحت دعوته تغيظ الأعداء ويتحقق فيهم هذا المثل: ﴿مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡ‍َٔهُۥ فَ‍َٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ (الفتح).

أيها الناس أجمعون.. أيها المسلمون في كل مكان.

أحب أن تعلموا أن الإخوان المسلمين ليسوا يائسين رغم كل هذا الظلم والفساد والاستبداد، وهم وأمثالهم المجاهدون في كل مكان ينالهم النصيب الأوفي وبإذن الله الأجر الجزيل، وأنهم ليأملون خيرًا كثيرًا، ونعتقد أنه لا يحول بين الناس والنجاح إلا هذا اليأس فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين.. إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته، وعسر شفائه واستفحال دائه فإذا انعكس الأمر، وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام، ومن همود إلى حركة، شعرت بقرب شفائه وتقدمه في طريق الصحة والعافية.

ولقد أتى على الدول الإسلامية حين من الدهر، جمدت فيه حتى ملها الجمود، وسكنت حتى أعياها السكون، ولكنها الآن تغلي غليانًا بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطرابًا بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس الجياشة، ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار.

لهذا لسنا يائسين أبدًا، وآيات الله تبارك وتعالى وأحاديث رسوله، وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء، وما قصه علينا في كتابه.. كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع، ويرشدنا إلى طريق النهوض، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿طسٓمٓ , تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ , نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ , إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ , وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ , وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ ( القصص).

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته، ويغتر بقوته، ويطمئن إلى جبروته، ويغفل عن عين الحق التي ترقبه حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر وأبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، فهو سبحانه وتعالى القائل في حديثه القدسي الدعوة المظلوم: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»، وهو الذي أخذ بناصية المهضومين المستضعفين، فإذا الباطل منهار من أساسه وإذا الحق قائم البنيان متين الأركان، وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام، تؤمن بالله ورسوله وكتابه.

فاستبشروا أيها المسلمون بالخير، واعملوا لتحقيقه، واثبتوا حتى يأتي أمر الله.. ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾(يوسف).

سيد العقول والقلوب

محمد قانصو

سيد العقول! تحار في مولدك الكلمات.. وأرى القصائد خجلى قاصرة الطرف أمام علياء المقام لكنها العقول التي حررتها من أغلال الجمود جاءتك جذلى تزف الحنين وتعلن الفرح، تحتفي بيوم مولدك الذي مسح عنها غبار الموروث.. وأزاح عنها أقنعة الجهالة.. وأعاد إليها نبض الحياة.. وأطلق لها العنان لتتأمل وتكتشف وتبدع.. ولتأخذ بالبشرية إلى معالي الارتقاء.

سيد القلوب!! على خطو العقول أنت.. تحمل إليك الحب الذي غرسته بذرة فيها يوم كان يضنيها التصحر وأينع حبك فيها فتلاشت أحقاد القبلية.. وقسوة الواد.. وخمدت نيران الثأر، وعرف الناس أنهم شركاء في الإنسانية، لا فضل لغنيهم على فقيرهم ولا لأبيضهم على أسودهم ولا لذكرهم على أنثاهم.. وأنهم يتفاضلون بصفاء الروح وتقوى الإله!

رسول الرحمة! أبا الفقراء والأيتام.. جليس المساكين.. صديق العبيد أي صدر حوى قلبًا يتسع الكون حلمًا وحنانًا.. أي كف تلك التي كانت تلقم الضعفاء.. أية سماحة يا فيض التسامح وأنت تعفو عمن أضرم لك نار حقده.. أية عدالة أصف فيك وأنت ترضى بسوط سوادة وتشكر له العفو عنك!

حبيب الله.. أي أنس ذاك الذي علم الصبح ترانيم الهيام.. حين استفاقت الشمس تمسح حبيبات الدمع عن وجنات الشجر.. كان يؤنسها ابتهالك في السحر.. حين ترى جناحيك يفترشان التراب في مناجاة الحبيب وجبينك الذي حاكى العلاء علوا معفرًا على أعتاب السماء!

عذرًا . عذرًا سيدي لجرأة القلم إن حاول الدنو من قدس سيرتك.. ملتمسًا عبقًا من الحب.. لكنه من عذبك يستقي.. ومن معدن نورك يرشف أحرفًا رصعت بتلاوين المهابة والجلال.

عذرًا سيدي عمن عرفوك ولم يعرفوك.. أو عرفوك ولم يفهموك.. أو من لم يعرفوك ولم يريدوا أن يعرفوك أو يفهموك.

الرابط المختصر :