العنوان الرواية الإسلامية بين الرحلة المشرقية والرحلة المغربية (٢ من ٤) الجانب المأساوي في حياة الإنسان الأمريكي
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002
مشاهدات 50
نشر في العدد 1513
نشر في الصفحة 52
السبت 10-أغسطس-2002
تقدم الروايتان رحلة إلى المشرق، وأخرى إلى المغرب، لذا فالمكان بصفة عامة غريب على القارئ العربي، وإن كانت مدينة الرياض حاضرة بطريقة ما، فهي بلد «عبد المحسن المبعوث إلى أمريكا، مولدًا ونشأة وإقامة، وهي مكان العمل بالنسبة لنور حياتي القادمة من إندونيسيا، وهي رمز للهدوء والرخاء، والحلم والحنين، إنها موضع إرسال واستقبال للمفاهيم الإسلامية، من خلال الأشخاص أو الأبطال، ويمكن القول إنها مصدر للحرص على القيم الإسلامية في مواجهة ما يخالفها سواء في داخلها، أو عبر المشرق والمغرب معًا، بحكم انتماء بطل الرواية الأولى إليها، وانتساب بعض اشخاص الرواية الأخرى إلى ساكنيها.
أما المكان بالنسبة لمجال الأحداث الرئيسة في الروايتين، سواء في أمريكا أو إندونيسيا، فهو ساحة للحركة والنشاط وتفاعل الأحداث.
فنيويورك التي يصل إليها عبد المحسن من الرياض مدينة العمل والتجارة ذات القلب القاسي مدينة الآلة الكبيرة التي تطحن كل شيء في دورانها. لا تعرف شيئًا اسمه العواطف، وهي أكثر المدن ارتفاعًا في معدل الجريمة، وهي مدينة المخدرات التي ينسى الناس فيها شيئًا اسمه الآخرة.
وولاية بيترلاند، مكان تكسوه الخضرة والأشجار السامقة تعطي الكثير من المتعة، وخاصة في الربيع، ومع ذلك فهناك إحساس بعدم الأمان ويكفي أن يكون سوق «الداون تاون» صاحب شهرة لأكبر معدل في الجريمة من أي منطقة أخرى، حيث تتم فيه السرقة بالإكراه، في وضح النهار، وقد تعرض «عبد المحسن» لتجربة سرقة في المكان نفسه، واقتربت السكين من عنقه وهو يدير مفتاح السيارة، لولا لطف الله.
ويمكن أن نجد تشابهًا في الأماكن الأخرى مع الصورة السابقة للمكان في كاليفورنيا ويومنج وغيرهما، حتى البيت الأمريكي على سعته وثرائه فإنه يخلو من روح البهجة وهدير الحياة، مع أنه يبدو أحيانًا صاخبًا، يبدو أن المسجد أو المركز الإسلامي يكاد يكون هو المكان الذي تجد فيه الحياة مجالًا حقيقيًا للعواطف والمشاعر والأفكار والرؤى الطبيعية والإنسانية.
والمستشفى من خلال الرواية، ثلث روادها المقيمين من المرضى النفسيين الأمريكيين، فالمكان كتيب وقلق، ومضطرب، ولا تجد فيه استقرارًا.
وفي الشرق البعيد، حيث إندونيسيا كبرى دول العالم الإسلامي، يبدو التفاوت في المكان واضحًا بين بيوت الأغنياء الذين يمثلون أقلية، وبيوت الفقراء، فبيت «غزالي» عبارة عن فيلا فخمة أنيقة، حولها الأشجار الخضراء والديكورات الجميلة والشلال الصناعي، والجداول الصافية والجسور الخشبية، وبركة السباحة، أما منزل «أندي» فيقع في بيئة فقيرة جدًا، متخلفة، تكتظ بالأكواخ الحقيرة، بجانب جدول نهر صغير أسن المياه، وهو مثال لأغلبية البيوت والمساكن في إندونيسيا.
ومع أن هذه الدولة تنتشر فيها الجبال الخضراء، والغابات ذات الأشجار العملاقة والسهول الرائعة الجمال، وأشجار الشاي التي تصنع خضرة شاملة تشيع في السفوح، وتقدم لك في النهاية لوحة فنية باهرة، فإن جو القرية هو العليل اللطيف الذي يختلف عن جو المدينة «وجاكرتا خير مثال له» الذي يتشبع بالدخان وكل أنواع التلوث الضوئي والحراري والصوتي.
وتبدو القرية مجالًا للتراحم واللقاء الإنساني الحميم، ومع قسوة الحياة فيها، فإن أهلها يمثلون أسرة واحدة تسود بينهم المودة والرحمة.
أما المدينة فهي رمز لقهر لأغلبية سكانها الفقراء، مع أنها كانت - ومازالت - حلمًا بالنسبة لمعظمهم عندما قدموا إليها من القرى والأرياف كانت حلم النعيم والرخاء، ولكنها خيبت ظنهم، كما فعلت بأندي بطل رواية «مهما غلا الثمن»... وتحولت إلى غول متوحش يلتهم الأحلام، ويصنع الشرفاء في السجن بسبب المكائد والمؤامرات، وقد ذاق، أندي مرارة السجن على يد مدير المستودعات الشرير المختلس، وتعذب بقسوة الظلم.
أما الزمان، فيبدو في الروايتين غير واضح تاريخيًا أو غير محدد تمامًا، عبد المحسن المبتعث إلى أمريكا، لم يخبرنا أو لم تخبرنا الرواية عن الفترة التي سافر خلالها من أجل العلم، ولكننا نعلم من السياق أنها فترة قريبة أو غير بعيدة، يمكن أن تكون أواخر القرن العشرين الميلادي أو أوائل القرن الخامس عشر الهجري، و«أندي» لم يحدثنا أيضًا عن الفترة التاريخية التي تجري فيها أحداث روايته وإن كنا نفهم من السياق أيضًا أنها فترة معاصرة حيث السفر للعمل في الخليج فضلًا عن كونها فترة ما بعد الاستقلال بالنسبة لإندونيسيا.
يبدو أن الكاتب يحسم مسألة الزمن التاريخي بالنسبة للرواية الإندونيسية، فيشير في صفحة الإهداء - وهي خارج السياق الروائي - إلى أن شابًا عربيًا - لعله المؤلف - وطنت قدماه أرض الأرخبيل الإندونيسي في العام الأول من القرن الخامس عشر الهجري فقضى هناك أربع سنوات هانئة هادئة، ومن وحيها كانت هذه الرواية، إذًا فالزمن التاريخي في الروايتين يكاد يكون واحدًا.
أما الزمن الروائي، فهو في الروايتين يطرد بالسرد ويتتابع ويمتد إلى سبع سنوات هي عمر مدة الدراسة في الولايات المتحدة بالنسبة للرواية الأولى، وعمل «أندي» في مرحلته الأولى التي لا تعدو بضع سنوات أيضًا، تتحول فيها الشخصيات من وضع ما إلى آخر، أو تتغير فيها ظروفها الاجتماعية والإنسانية.
ويبدو الزمن الروائي بصفة عامة ملائمًا للأحداث ونموها، وحركة الأشخاص وتطورهم وإن كانت الرواية تعيدنا أحيانًا إلى ماض أبعد، أو تاريخ أعمق، عبر الحوار الداخلي المونولوج أو الارتداد إلى الماضي «الفلاش باك» من خلال التذكر أو الاسترجاع.
الهدف.. والقيم
«عبد المحسن» بطل رواية «دفء الليالي الشاتية» يمثل الشخصية العربية المسلمة الملتزمة في سلوكها، ولغتها، فهو يذهب إلى أمريكا، ومعه هدف واضح وغاية محددة، هي الرجوع إلى بلاده بشهادة علمية - فهو يتعاطف مع الآخرين، يدافع عن الإسلام ويدعو إليه، وهو زوج عطوف متسامح متعاون مرتبط بوطنه، ثم إنه يقدم صورة أخرى للعربي المسلم غير المركوزة في ذهن الغرب، إنه لا يركز بصره على «جين»، ويحول نظره عنها كلما رآها، انطلاقًا من عقيدته وتربيته.
إنه بصفة عامة شخصية إيجابية فاعلة لا تستسلم للانفعال أو القطيعة، من ذلك أنه يسعى إلى وليد ابن خالته الذي يحاول التهرب منه ليعيش حياته العابثة، فيمد إليه يد العون، ويصله بعبد الكريم حيث يستفيد من تجربته، ويقف من ورائه حتى يتغير فكره وسلوكه.
وهناك موقفه من عدوان بهاء حنا على التشريع الإسلامي ومعطياته، إنه لا يستسلم لعدم وجود محاضرين متخصصين في الموضوع ويتقدم بنفسه ليحاضر بطريقة عفوية يشرح فيها مبادئ التشريع الإسلامي، ويجد تجاذبًا منقطع النظير من الجمهور، وينتصر على العدوان.
ثم إنه يكافح من أجل بناء مسجد في الولاية التي يعيش فيها ليكون نواة تجمع المسلمين وتحميهم من الذوبان، ويبذل جهدًا كبيرًا مع أصدقائه حتى يتم إنجاز الهدف.
ولعل تطوعه مع زوجه لإعادة الفتاة «جين» إلى أمها، يعد من أبرز جهوده الإنسانية ليحقق لهذه الأم العجوز رغبة حميمة عجزت عن تحقيقها بجهدها الخاص.
إن «عبد المحسن» من الشخصيات الجاهزة المرسومة من الخارج لم نراها من الداخل إلا نادرًا لذا فهي لا تعاني من مواقف صعبة أو معقدة، على المستوى الشخصي أو الصعيد الاجتماعي باستثناء تعرضها لعملية سرقة بالإكراه أو موقفها من «بهاء حنا»... حيث يتحول موقف السرقة إلى لحظة عابرة لها دلالاتها في الواقع الاجتماعي والفكري، أما موقف بهاء حنا فيمثل حالة الاستفزاز المباشر التي تدفع عبد المحسن إلى الدفاع عن دينه أمام العدوان المتعمد.
وتبدو شخصية «وليد» أكثر نضجًا وغنى من الناحية الفنية، وكانت مهيأة لتكون شخصية محورية لو أن الرواية قدمتها من خلال مواقف عملية متنوعة.
إن «وليد» متمرد على قيم الواقع الاجتماعي ويسعى إلى الابتعاث في الخارج ليعيش حياته المنطلقة المتحللة من الالتزام الخلقي والديني وينجح مسعاه، ولكنه يتغير عندما يتعرف على المطرب الأمريكي الذي أسلم بعد تجربة حية وعنيفة تأثر بها، وجعلته يفكر في الحياة والموت، وقيمة الإنسان وتأثيره وتأثره بما حوله، وتمتد التجربة للسؤال عن الوجود والمصير، ثم الانعطاف نحو الإسلام والاقتناع بمعطياته والدخول في دائرته.
ولا ريب أن شخصية «مسز بودي» العجوز التي هجرتها ابنتها «جين» تمثل صورة حية للواقع الاجتماعي في أمريكا، وقد سيطرت عليه الحياة المادية، ولم تبق للمشاعر الإنسانية مساحة معقولة، فهذه الأم التي تؤجر شقة من بيتها لعبد المحسن تعيش منذ سنوات في شوق عارم لرؤية ابنتها ولكن الابنة تعيش مع طموحاتها وعملها، وتنقطع عن زيارة أمها، بل إنها حين وصلت إلى البيت بعد جهود عبد المحسن وزوجه تقابل أمها بشيء من الجفاء والبرود، بل تحاول التخلص من ذراعي أمها، مكتفية بكلمات الترحيب المقتضبة، لقد حول العمل الابنة «جين» عن أنوثتها إلى خشونة الرجال، وما هي برجل، ولقد وصلت في عملها إلى رئيسة ممرضات، حيث أصبح العمل كل حياتها، وقد اعترفت في النهاية: «أنفقت الكثير من عمري ولم أحصل إلا على القليل التافه»، وبعد أن صار عمرها سبعة وثلاثين عامًا، فالمستقبل بالنسبة لها موحش كتيب لا زوج ولا ولد.
وتنجح الرواية في تصوير شوق الأم إلى ابنتها من خلال منظر مواز، حيث تتعلق «جين» بابنة عبد المحسن الصغير «مناير» تنفر منها الطفلة أول الأمر، ولكنها تواصل التقرب منها حتى صارت الطفلة جزءًا من حياتها طوال الفترة التي قضتها في زيارة أمها.
إن «مسز بودي» وابنتها «جين» تطرحان الجانب المأساوي في حياة الإنسان الأمريكي الذي هيمنت عليه الحياة المادية لدرجة تحويله إلى مجرد آلة تسعى وراء المال والعمل والشهرة، ثم يكتشف في النهاية أنه بلا رفيق ولا صديق، ويعيش حالة من عدم التوازن النفسي، لدرجة أن الشعب الأمريكي صار مصنفًا بوصفه أكثر شعوب العالم استهلاكًا للأسبرين.
وهنا تكون علاقة «مسز بودي» وابنتها بأسرة عبد المحسن مجالًا مناسبًا لبيان أهمية القيم الإسلامية في إشباع الروح والقضاء على جفاف الحياة المادية، أو بصورة موجزة تقديم البديل للحياة الجافة الميتة.