العنوان الزهد.. خطوة إلى الآخرة
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1977
مشاهدات 94
نشر في العدد 345
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 12-أبريل-1977
الزهد.. لا يعني التبذير ولا الإقلال
الزهد.. صورة حية للاستقامة
الزهد.. تزكية للنفس من أدران الباطل
حقيقة الزهد:
إن دلالة الكلمات لا تؤخذ فقط من مجرد اللغة ولكن مما تؤديه هذه الكلمات من سلوك وتصرفات، والمعنى اللغوي لكلمة الزهد يعني الترك لأمر ما برغبة أو دون رغبة إلى ما هنالك من تفصيل لمشتقات هذه الكلمة، وإنما المراد منها عمليًا هو أنها الاقتناع بالقليل والضروري من الحاجات دون تطلع إلى الزائد من المطالب والأشياء ودون تعلق بما يشغل الإنسان عن الحقوق والواجبات الشرعية.
وهذا الفهم هو ما جرت عليه سيرة الأنبياء عليهم السلام والعلماء العارفين رحمهم الله، يقول سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبينًا الزهد «أما أنه ما هو بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا: إن تكون بما في يد الله أغنى منك بما في يدك» بمعنى أن توكل أمورك لله سبحانه ولا تهتم لما في يدك لأن الله سبحانه هو الغني وهو الرزاق. وسئل الإمام أحمد - رحمه الله- هل يكون المرء زاهدًا ومعه ألف دينار؟ قال: نعم، قيل: وما آية ذلك؟ قال آيته إنه إذا زادت لا يفرح وإذا نقصت لا يحزن. بمعنى الفرح الذي يبطره والحزن الذي يؤثر عليه في طاعته لربه، وقال ابن السماك «الزاهد هو الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا أصابته لم يحزن، يضحك في الملا، ويبكي في الخلا» أي يكون مع الناس في مؤانسة وبشاشة فإذا خلا بنفسه ذكر الله ففاضت عيناه.
إن هذه المعاني تقدم لنا مضمون الآيات الكريمة التي تبين لنا ارتقاء المسلم عن زوائد الحاجات يقول -سبحانه وتعالى- ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (سورة طه: 131) ويقول سبحانه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص: 77).
أهمية الزهد:
ليس الزهد منزلة بسيطة عادية وإنما يعد صراعًا وجهادًا مع النفس لبلوغ قمته أنه من الجبال الشامخة التي يحتاج فيها الإنسان إلى صبر وجلد وجد واجتهاد ذلك أنه قيادة النفس إلى معالي الأمور وحملها على أن تترك اللذائذ والرغائب ناظرة إلى الآخرة زاهدة في هذه الحياة التي قال فيها سبحانه ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (سورة النساء: 77) وصورها سبحانه بالعدم لقصرها وذم التعلق بها ولفنائها فقال سبحانه ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (سورة الكهف: 45) فهنا بعد أن يختلط النبات بالأرض ينبت ومن ثم يخضر وأخيرًا يصفر ويحصد وفي نهايته يكون هشيمًا تذروه الرياح ومرحلة الاخضرار والاصفرار والحصاد كلها لم تذكر وهي تعني أن الحياة كذلك قصيرة فانية وعليه ينطبع في الحس عدم التعلق بها وبذلك تكون أهمية الزهد كبيرة إذ إنها تنقذ الإنسان من وهاد الأرض إلى السياحة والرقي في فضاء الحياة الواسع ولا تكتب هذه الأهمية لما للزهد من تأثير في حياة المسلم وحسب ولكن ينضاف إليه صعوبة تحقيق الزهد لمجاهدة النفس وردها عن المشتهيات ويضرب الأستاذ البهي في كتابه «تذكرة الدعاة» مثلًا دقيقًا يمثل صعوبة تحقيق الزهد فيذكر أن الإنسان ليس ميكانيكي الطبع وأن هناك زرًا للخير وآخر للشر فنترك زر الشر ويرتاح الإنسان ويستريح وأن الحقيقة لذلك فالأمر إذن لتحقيق هذه الأهمية التي تقدم الإنسان خطوة إلى الآخرة وتساعده على استكمال الخطوات التالية من الإخلاص واليقين والإنابة والتوكل إلى سائر الأعمال القلبية الأمر الذي يساعد المرء في ذلك هو أن يرقى هذا المسلم بإسلامه ووعيه سلم الزهد ويأخذ الطريق إليه.
الطريق إلى الزهد:
درج العلماء العارفون كابن قدامه والغزالي وابن القيم وابن الجوزي وغيرهم عند الحديث عن المعاني القلبية والسلوكية كالزهد أن يذكروا درجاتها بشكل مصنف على درجات وأن يذكروا علامات الوصول إليها أو تحقيقها والطريق إلى الزهد نصل به إذا ثبتنا الخطوات إلى معرفة هذه الدرجات وتلك الدلالات والعلامات، وإذا ما أتينا إلى سلم الزهد فإن هناك أناسًا ينظرون إليه وينقصهم أن يذهبوا إليه وآخرون يرقون إلى الدرجة الأولى فيزهد الإنسان للدنيا وهو لها مشته وهذا المتزاهد أو المبتدئ بالزهد وينقصه أن يرقى درجات أخرى ولكنه يزهد في الدنيا طوعًا وقلما يلتفت إليها وهذا ينقصه أن يزهد طوعًا ويزهد في زهده وهي صفة الزهد الحقيقي حيث لا يهتم للأشياء أصلًا باعتبار أنها غير مهمة فتكون طبيعة في نفسه دون تكلف، مثلًا: لا يعير ثوبًا باليًا تركه وهكذا.
ويأخذ نفسه بالعزيمة فلا يتابعها فيما تريد ويروضها على التكاليف العبادية لطاعة الله سبحانه كالحفاظ على الورد اليومي لتلاوة القرآن والمواظبة على صلاة الوتر وتداركها بقيام الليل وكثرة التضرع كما يربي في نفسه الإنفاق في سبيل الله وكثرة الصدقة وبذلك لا يألم على ما فاته من الدنيا.
وهنا يتحقق قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- ناصحًا بقوله «ازهد فيما عندك يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس».
والزهد بهذه الصورة يطبع الإنسان على الوقار والاتزان والاهتمام بالضروريات فليس الزهد في المطعم والملبس والمشرب والمال، ولكنه أيضًا في المنكح والجاه وفضول القول وفضول التصرفات.. وبهذا السلوك يرتقي المسلم سلم الزهد ويشق طريقه إليه.
شواهد على الطريق:
إن حياة الأنبياء عليهم السلام كانت علمًا في الزهد فلم يكونوا يسألوا الناس أجرًا ولم يترقبوا منصبًا ولم يتطلعوا إلى جاه. كانوا يسيرون في الطريق إلى الله يسيرون إلى الآخرة وخير ما يمثل لنا هذه الحقيقة قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «إنما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم تركها» أما حياة الصحابة والتابعين والعلماء العاملين فكانت تقتفي الأثر نفسه للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- فهذا عمير بن الحمام عندما سمع بشارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن من يقتل يوم بدر محتسبًا دخل الجنة ما كان منه إلا أن ألقى تمرات في يده واعتبر أن فترته في الحياة حتى لأكل هذه التمرات حياة طويلة!! انظر.. وتأمل!!
وهذا أبو بكر -رضي الله عنه- يأتي بكل ماله في غزوة تبوك العسرة تاركًا لأهله الله ورسوله وكذلك فعل صهيب فقد دل المشركين على أمواله وهاجر فاستحق ثناء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه رابح فائز وهكذا كانت التضحية والزهد بالمال كما كانت التضحية والزهد بالمتاع والنفس في سبيل الله. وشواهد الزهد كثيرة نلحظها في ضراعة سليمان -عليه السلام- في قوله -سبحانه وتعالى- عنه بقوله ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة النمل: 19).
ونرى شاهد الزهد في تخلي يوسف -عليه السلام- عن المتاع إذ كان معصية وسمو نفسه عن الدنايا، ومن جملة ما تعلمناه من رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموضوع دخول عمر -رضي الله عنه- عليه ورؤيته ينام على حصير خشن فدمعت عينا عمر وقال كسرى وقيصر ينامون على الحرير والديباج وأنت رسول الله تنام على حصير خشن أثر في جنبه فرد -صلى الله عليه وسلم- بقوله أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.. نعم إن الزهادة تعني السير إلى الآخرة وأن الزهادة في الدنيا ترك ما فيها قانعين بأن حياة البساطة هي الحياة السهلة دونما ترف وتعقيد واستعظام للأمور وبذلك تحقق إن شاء الله خطوة من خطوات السير إلى الآخرة طلبًا لاستكمال بقية الخطوات!؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل