; السابقون بالفضل | مجلة المجتمع

العنوان السابقون بالفضل

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 60

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 20-أبريل-1993

«الله، الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه».

هكذا يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- منزلة الصحابة وخطورة التعرض لهم بطعن أو تجريح؛ وقد أفضوا إلى ما قدموا، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.

يقول ابن تيمية في كتابه منهاج السنة النبوية: «وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقًا وعلمًا وعملًا وتبليغًا، فالطعن فيهم طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين». وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29) الآية، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: 18).

قال عبدالله بن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه. ويقول: أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لإقامة دينه وصحبة نبيه؛ فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

ويقول ابن القيم في هداية الحيارى: «لا يجوز أن يدعى أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- عوام، وكل هذه العلوم النافعة المبثوثة في الأمة -على كثرتها واتساعها، وتفنن ضروبها- إنما هي عنهم مأخوذة، ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة؛ بل حازوا من السبق والعلو في جميع الميادين والأعمال والأفكار والصفات والعلوم ما يجعلهم أنموذجًا فريدًا للمؤتسي، وقدوةً للمستفيد».

فكلهم أئمة يقتدى بهم؛ لأنهم وارثو علم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه، وقد أنزل القرآن بلغتهم؛ فشهدوا التنزيل، وعلموا أسباب نزوله وخطاب رسول الله فيه، فهم يعرفون معناه ومنظومه وفحواه، ويحيطون بأفعال وأقوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في العبادات والمعاملات والعاديات والسير والسياسات والأقضية والأحكام. وكان منهم أكابر العلماء الراسخين المجتهدين، لم يحتاجوا إلى النحو؛ لأنهم عرفوه بطبيعتهم وسليقتهم العربية قبل مجيء الخليل وسيبويه، ولم يحتاجوا إلى أصول الفقه لمشاهدتهم التنزيل وأحوال النبي. ولم يعرف عن أحد منهم أنه قلد غيره في مسألة من المسائل، بل كانوا يفتون باجتهادهم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد موته. وكانوا مع ذلك يتدافعون الفتوى، ويود كل منهم لو كفاه غيره؛ فكل منهم أمة ونسيج وحده، قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا ممن سمعه وروى عنه.

وُصف أبو بكر بأنه كان أعلم الصحابة بالفقه والأنساب، وأثقلهم في الميزان إيمانًا، وأخوفهم بالله، وأسدهم رأيًا، وأكملهم عقلًا؛ وعمر في العلم وموافقة الكتاب والعدل والهيبة، وكان محدثًا ملهمًا؛ وعثمان في كثرة التلاوة والحياء والعلم والجود. وما جمع أحد منهم الفضائل كعلي؛ فقد أعطي تسعة أعشار العلم، وشاركهم في العشر الباقي، كما قال ابن عباس، وليس في الصحابة من يقول: سلوني إلا علي، وإذا ثبت الشيء عنه لم يعدل إلى غيره، وكان يسأله كبار الصحابة ويرجعون إلى فتاويه، وأقواله في المعضلات مشهورة. وزيد بن ثابت غلب الناس على القرآن والفرائض والفتيا، وما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد أحدًا في القضاء والفتيا والفرائض والقراءة، ولما مات قالوا: مات عالم الناس اليوم، ومالك بنى مذهبه في الفرائض على قول زيد إلا في أربع مسائل.

وعبدالله بن قيس (أبو موسى الأشعري) أعطي مزمارًا من مزامير آل داود في القراءة وتجويد القرآن، وكان يصلي بالناس فيودون أن يقرأ لهم البقرة لحسن صوته. وأبو الدرداء حكيم الأمة وعالم الشام، ومقرئ أهل دمشق وفقيههم وقاضيهم. وعائشة من أكبر فقهاء الصحابة وأفصحهم وأعلمهم بالطب والشعر والفرائض وحديث العرب والأنساب، واستقلت بالفتيا بعد الخلفاء الثلاثة، ولو كانت رجلًا لكانت خليفة، وجمعت استدراكاتها على الصحابة فبلغت مجلدًا.

وما أظلت الخضراء وأقلت الغبراء أصدق لهجةً من أبي ذر. وأبوعبيدة أمين الأمة، ومن عظماء الصحابة. وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وابن مسعود الحبر الذي وصفه عمر بوعاء الراعي، وبكنيف ملئ علمًا. وجابر وابن عمر أعلمهم بالمناسك. وابن عباس الذي دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل؛ حبر الأمة وترجمان القرآن. وأكثرهم حلمًا الأحنف بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان. ولقب الحباب بن المنذر بذي الرأي، وموقفه في السقيفة وبدر ويوم قريظة والنضير معروف. وكان في الصحابة من يعد بشدة البأس بألف رجل مثل النعمان بن مقرن ومجزأة بن ثور السدوسي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي والبراء بن مالك ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو. ومن صوته في الجيش كفئة مثل العباس بن عبدالمطلب، وأبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري؛ فقد كان من شجعان الصحابة وأشدهم رميًا. ومن كان يسبق الخيل بشدة ساقيه كسلمة بن الأكوع، وكان شجاعًا وراميًا، وخير الفرسان أبو قتادة. ودهاة الصحابة معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه. ومنهم من عرف بالقوة المدهشة كعمرو بن معدي كرب ومحمد بن (الحنفية) بن علي بن أبي طالب. وأعظمهم مشية في الحرب أبو دجانة.

أما أطول الصحابة ومن بلغ طوله تسعة أشبار أو يزيد فعمر بن الخطاب؛ كان إذا مشى كالراكب والناس يمشون حوله لطوله؛ وعدي بن حاتم الطائي تكاد رجلاه تخط في الأرض إذا ركب الفرس؛ وجرير بن عبدالله البجلي وعبدالله بن عباس وأبوه، وقيس بن سعد بن عبادة أطولهم على الإطلاق، والزبير بن العوام وعبادة بن الصامت وسعد بن معاذ وعمرو بن معدي كرب والأشعث بن قيس الكندي وعامر بن الطفيل...إلخ. وسلمة بن الأكوع كانت يده كخف البعير!

وكان من أجملهم جرير بن عبدالله البجلي؛ وجهه كشقة قمر أو مسحة ملك. ودحية بن خليفة الكلبي كان ينزل جبريل على صورته. أما حذيفة بن اليمان فكان أعلم الأمة بالمنافقين والفتن. وأنس بن مالك راوي أحاديث الجهاد. وأكثرهم فتوى عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد وعائشة.

ولو تأملنا سلاسل الفقه المالكي والفقه الحنبلي لانتهت إلى عبدالله بن عمر، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الحنفي إلى ابن مسعود، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الشافعي إلى ابن عباس؛ وفضائلهم أكثر من أن تعد، وأوسع من أن توجز، رضي الله عنهم أجمعين.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

955

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 7

145

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم

نشر في العدد 3

134

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة