; خواطر من السيرة النبوية | مجلة المجتمع

العنوان خواطر من السيرة النبوية

الكاتب جابر حسن خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

(١) أين هم من النجاشي؟

عندما اشتد الأذى بصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتحملوا في سبيل الله ما لا يتحمله بشر، أذن لهم الحبيب المصطفى بالهجرة إلى الحبشة، حيث وجدوا من النجاشي صدرًا رحبًا، وأفقًا واسعًا، وفهمًا واعيًا، وحسن ضيافة، ولم تفلح محاولات قريش في الوقيعة بين المهاجرين المسلمين وذلك الملك العادل لكي يطردهم من الحبشة ويعيدهم إلى قريش ثانية وكان موقف النجاشي موقفًا يسجل له بحروف من نور في سجل التاريخ، ويكفيه نعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه ملك عادل لا يظلم الناس عنده.

وقد رأينا في العالم المعاصر الذي يدّعي التقدم والحضارة والمدنية أن ألمانيا تريد تسليم من لجأ إليها هاربًا من البطش والتعذيب والتنكيل إلى الدول التي فروا منها حماية لدينهم وأرواحهم، ضاربة بالقوانين الإنسانية، والأعراف الدولية عرض الحائط وليعلم الناس زيف هذه المدنية التي لم تراع حقوق اللجوء السياسي وأن هذا العالم لم يصل بعد إلى مروءة وشهامة النجاشي حتى أن التمييز العنصري هناك وفي فرنسا وفي غيرهما أخذ في التزايد ولا سيما ضد المسلمين، فأين هم من النجاشي؟

(٢) الحصار والإرادة القوية

ظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام ما يقارب ثلاث سنوات في حصار اقتصادي في شعب أبي طالب، حيث تعاهدت قريش وحلفاؤها على التضييق عليهم لكي يذعنوا لمطالبهم ويتخلوا عن دعوتهم. وبلغ الحصار مداه حتى اضطر الصحابة إلى أكل ورق الأشجار والأعشاب حتى أذن الله لهذه الأزمة أن تنفرج، وتتنادى أصوات بفك هذا الحصار..

وفي هذا الموقف الذي وقفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام ما يعلمنا الصبر وتحمل الأذى والتمسك بالمبادئ تتعلم أن نعض على ديننا وشرفنا وحقنا بالوجود، ولا نفرط فيه مهما كان الأذى والضر في سبيل الله.. نتعلم كيف نعتمد على أنفسنا حتى لا يتحكم فينا أعداؤنا، فنزرع ونحصد ونصنع وننتج ونبحث ونتقدم، ولنتخيل موقف العالم الإسلامي إذا أهمل في الزراعة والصناعة وغيرها من مقومات التقدم والحياة.. لو أن أعداءنا منعوا عنا القمح والحبوب والمنسوجات، ومنعوا تصدير منتجاتهم إلينا ماذا سيكون موقفنا؟

إننا بحاجة إلى الاعتماد على النفس بعد التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، وبحاجة إلى أن يتحول الشباب إلى طاقات عاملة منتجة تزرع الأرض وتزيد الإنتاج في كل مجال، نريد شبابًا يميل إلى العطاء أكثر من تطلعه إلى الأخذ، نريد أن نتحول إلى أمة قوية غير ناعمة أو مترفة «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم».. نريد أن نُصَدِّرَ أكثر مما نستورد، ونؤثر في غيرنا أكثر مما نستأثر به فمن يملك زاده «طعامه» واقتصاده يملك حريته وإرادته وقد رأينا الرعيل الأول من الصحابة قد خرجوا من محنة الحصار أكثر صلابة وأشد عودًا وأكثر تمسكًا بالحق الذي يؤمنون به.

(٣) السفراء بين القدوة والتذويب

عندما أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة ليعلم الناس أمور دينهم كان أول سفير في الإسلام وكان من أوائل الدعاة إلى الله الذين يحملون مشاعل النور خارج بلادهم، وكان حقًا صورة طيبة للسفير المسلم قولًا وعملًا، حتى لم يعد في المدينة- حينئذ- بيت لم يدخله الإسلام. وهنا نتذكر سفراء الدول العربية والإسلامية في البلاد التي لا تدين بالإسلام، وأنه ينبغي أن يكونوا صورة مشرقة للمسلمين، وقدوة حسنة لمن يتعاملون معهم لأنهم يمثلون دولًا إسلامية، فلابد من حسن اختيار هؤلاء السفراء، ولابد من تزويدهم بأهل الكفاءة والسمعة الطيبة والغيرة على الإسلام حتى يكونوا مصدر إشعاع لنور الإسلام في هذه البقاع لا أن يذوبوا في خضم الحياة ويقلدوا هذه البلاد في عاداتهم وتقاليدهم بل قد يشاركونهم في معصية الله -عز وجل.

ولا بد أن تشتمل كل سفارة على مسؤولين لرعاية شؤون المسلمين الذين دخلوا الإسلام من أهل هذه البلاد، وكذلك رعاية أبنائنا الطلبة والطالبات الذين يدرسون في تلك البلاد حتى يتعلموا العلم النافع ولا يسلكوا دروبًا تنحرف فيأخذون من هذه البلاد ما ينفع وطنهم، ويساعد على تقدمه، ويطرحون جانبًا ما يتعارض مع عقائد وعادات وتقاليد مجتمعاتنا الإسلامية. وحتى لا يحدث ما حدث لبعض أساطين العلم والأدب الذين تغربوا وعادوا بعقلية غربية علمانية نفثت سمومها في بعض مجتمعاتنا. إن مسئولية السفراء عظيمة أمام الله عز وجل، نسأل العلي القدير أن يعينهم على أدائها، ونسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق والسداد.

(٤) ما أشبه الليلة بالبارحة

عندما أعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعوة الحق، وأنه رسول رب العالمين إلى الناس كافة، وقف الكفار والمشركون وأصحاب الأهواء الضالة في وجهه وقالوا عنه إنه ساحر وإنه شاعر وإنه كاهن وإنه مجنون إلى آخر هذه الصفات التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل رد الحق عليهم بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤). واليوم يقف الدعاة إلى الله نفس موقف الرسول الحبيب -عليه السلام- فينشرون الفضيلة بين الناس ويدعون إلى الخير ويأخذون بأيدي الناس إلى ما يحبه الله ويرضاه ويبصرون المسلمين بطريق العزة والكرامة في الدنيا والآخرة فيقف أعداء الله لهم بالمرصاد ويقولون إنهم متطرفون وإنهم إرهابيون، وأنهم متزمتون وأنهم متعصبون إلى آخر هذه الصفات التي ترددها أجهزة الإعلام التي تردد كلمات أعداء الإسلام كالببغاوات.

ونرى المفسدين من أصحاب النفوذ يقفون من الدعاة إلى الله موقف فرعون من موسى عليه السلام، فنجد فرعون الذي قال: (اقتلوا أبناء الذين آمنوا واستحيوا نساءهم)، ومن قبل يتبجح قائلًا: (أنا ربكم الأعلى)، نجده بعد ذلك كله يقول عن موسى عليه السلام (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْرُ رَبَّهُۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: ٢٦)، فعجبًا لهؤلاء الذين ينطبق عليهم قول الله عز وجل: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).

يحاربون الدعاة إلى الله وينعتونهم بما ليس فيهم افتراء عليهم، فيا أيها الناس لا تصدقوا أجهزة الإعلام الكاذبة، فليس كل المسلمين متطرفين ولا إرهابيين إنما هو الحقد الدفين على الإسلام من هؤلاء الذين يريدون أن يناطحوا السحاب ويطفئوا نور الشمس ولكن أنَّى لهم ذلك؟ (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق: ١٥-١٧).

اقرأ أيضًا

المجتمع الثقافي- العدد (1315)

الرابط المختصر :