العنوان السلطات مشغولة بإذلال الحمى
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 39
الجمعة 23-ديسمبر-2011
الجيوش التي أسست لحماية الشعوب وصيانتها، تبدل بها الحال وانقلب دورها إلى سحق الشعوب وتحطيمها، والشرطة التي قيل عنها: إنها في خدمة الشعب، انقلبت إلى سيدة للشعب وصاحبة مقدراته، والشعوب المسكينة لا تملك إلا أن تحوقل وتحسبن على هذه القوة الضائعة، والوجهة الضال، التي دربتها أبالسة الضلال على سحق الشعوب وإذلالها.
كم من قوي ظالم قد ناله من شعبه ما ليس في الحسبان
كم من جائع قد خاف جلادا له فأسر بالشكوى إلى عريان
ومعذب سمع الدجى أناته متعلل بالصبر والإيمان
جلاد شعبك ويا كبير بغاته مهلا فأيام الخلاص دواني
من أي غاب قد اأتيت بشرعة ما أن يساس بها سوى الحيوان؟
الرفق بالحيوان أصبح واجبا أفلا ننال الرفق بالانسان؟!
والآن يرى ويسمع العالم عن شعوبنا ما يفعل بها حكامها من مجازر وقد تسلطوا عليها عقودا من الزمان، وذبحوها ذبح الخراف حقبا من الأعوام، وفعلوا بها ما لم يفعله المستعمر من بشاعات ومآسٍ.
ومنذ عقود والعاملون في الحقل الإسلامي يتجرعون القهر والاستبداد من أنظمة شمولية على اختلاف مشاربها، فتارة شيوعية وتارة اشتراكية وأخرى تدعى الديمقراطية، وقدم «الإسلاميون» في وسط هذه التغولات تضحيات جسام بالنفس والمال من أجل خدمة دينهم ووطنهم والمحافظة على هويتهم وموروثهم الثقافي والحضاري.. فعلى سبيل المثال قدمت جماعة الإخوان المسلمين مرشدها العام ومؤسسها الأول الإمام الداعية حسن البنا شهيدا في عملية اغتيال سياسي استهدفته، كي توقف دعوته التي غرسها داخل المجتمع المصري وخارجه، وقدمت بعده العديد من زعمائها في شتى الاتجاهات من أمثال الفقيه الدستورى عبد القادر عودة، والداعية والمجاهد البطل سيد قطب، والشيخ الداعية محمد فرغلي، والمجاهد المربي عبد الفتاح إسماعيل، ورمز الكفاح محمد هواش، هؤلاء وإخوانهم كثيرون قضوا شهداء براء رفعوا بجهادهم مشاعل الإسلام الحنيف في وسط الظلام الحالك البهيم.
يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى
سوف تبقى في الجنايا علما حاديا للركب رمزا للفدا
ما نسينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردي
غالك الحقد بليل حالك كنت فيه البدر يهدي للهدى
نسي الفجار في نشوتهم أن نور الحق لا لن يخمدا
تلك التضحيات العظيمة التي استمرت على مدى حقب من السنين، وكان حصادها آلافا مؤلفه في السجون والمعتقلات وتشريد الأسر ومصادرة الأموال وتبديد المقتنيات هي المخزون الاستراتيجي والرصيد العملي للإخلاص والكفاح في سبيل انتشال الأمة من وهدتها، ومن براثن الفاسدين وأنياب الشياطين، هذا هو الذي ترى آثاره الأمة اليوم وتتعرف عليه، وذلك هو الذي دفع الناس بحق لمنحى الجماعة ثقتها في الانتخابات البرلمانية في أرجاء الوطن المصري، وكذلك في أنحاء الوطن العربي والإسلامي، وهذا هو الذي أزعج كثيرا من الحكومات والدول الغربية، كما أصاب بعضا من النخب المستغربة بالدهشة والذهول، لأن هؤلاء وأولئك عاشوا طوال السنين الماضية في عقلية الذي لا يعرف عن الإسلام سوى التعصب والجمود، ولا يرى في المسلمين إلا شعوبًا مستضعفة للتسخير، وأوطانا خصبة للاستعمار، واستمرأ النخاسون هذه الأوضاع واعتبروا الشعوب عبيدا لأطماعهم يوجهونها لخدمتهم صباح مساء، وأخذوا يتوجسون من حركات اليقظة حتى لا توقظ هؤلاء النوم، ولما ظهرت بواكير نهضة قادمة وصحوة مرتقبة أخذوا يذهبون في تفسيرها وتأويلها كل مذهب، فمن قائل: إنها نتيجة نتيجة قيام هيئات متطرفة، وجماعات متعصبة، ومن قائل: إنها رد فعل للضغط السياسي ولاقتصادي الذي شعرت به الضحية في هذا الإعصار، ومن قائل: إنها وسيله مبتكرة للتمرد لا تلبث أن تزول... إلخ.
ولكن الحقيقة التي ما لبثت أن تجلت من جديد في قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن عَلَى الذين استضعفوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين وتمكن لهم في الأرض ونري فرعون وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص).
وتحرك العملاق، ونهض المارد وطلع الفجر، وولى الظلام، وانقشع الغمام وانفلق الإصباح فتوارت الشياطين، وهربت الهوام، واستعصم المؤمنون بحول الله وقوته.
إذا كنت بالله مستعصما فماذا يضيرك كيد العبيد؟
أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد
سأثأر لكن لرب ودين وأمضي على سنتي في يقين
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين
والغريب كل الغرابة أن هناك الكثير من بني جلدتنا اليوم لا يستطيعون قراءة الظاهرة، رغم أن غيرهم من الغرب قد بدأ قراءتها، فقد صرح الكاتب نيكولاس كرستوف في قوله عن الإخوان المسلمين: إن حقيقة جماعة الإخوان المسلمين المصرية أفضل بكثير من تلك الصورة المشوهة المأخوذة عنهم لدى الغرب ولدى أفراد أخرى كثيرة.
وأشار الكاتب الصحفي الأمريكي في مقاله، إلى أن المقابلات التي أجراها مع أنصار هذه الجماعة الإسلامية، تشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين هي أكثر بريقا بكثير من الصورة المشوهة التي أخذت عنهم، والتي تخيف الكثير من الأمريكيين وغيرهم.
وبعد، فهل تشتغل السلطات بحماية الشعوب ورفعة شأنها وتقوم بواجبها في رعايتها وحفظها؟ وهل تراعي ربها في دمائها وأموالها وأعراضها؟ وهل يوفون لشعوبهم بما عاهدوهم عليه من استقامة وحرية وعدالة ورعاية؟
﴿وأوفوا بالعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء)، ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وَإِيَّايَ فَارْهَبُون﴾ (البقرة).. نسأل الله ذلك.