; السلطة الفلسطينية ما زالت غارقة في صراعاتها غائبة عن الهم الوطني | مجلة المجتمع

العنوان السلطة الفلسطينية ما زالت غارقة في صراعاتها غائبة عن الهم الوطني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 51

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 24

السبت 13-ديسمبر-2003

في ظل الفساد والجري وراء المفاوضات

نبيل عمرو أقر بأن منظمة التحرير لم تنجح في إدارة حياة الشعب الفلسطيني سياسيًا واقتصاديًّا واجتماعيًّا

النظام السياسي الفلسطيني عاني من هوية غير واضحة المعالم.. فلا هو نجح في تشکیل نظام ديمقراطي حاكم ولا نجح في عملية التحرر

د. عاطف عدوان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة: سيطرة السلطة على مقاليد الأمور صبغت النظام السياسي بصبغة الدكتاتورية التي خشي منها الفلسطينيون كثيرًا

محللون سياسيون: السلطة التي جاءت من رحم اتفاقات أوسلو أصبح لزاما عليها التقيد بقرارات دولية والخضوع لأطراف خارجية تقوم على رعايتها وإمدادها بالمال والمعونات وتشرف على سلوكها السياسي من حين لآخر

غياب القانون تسبب في بروز مظاهر العائلية والعشائرية والاحتماء بأجهزة الأمن

فلسطين المحتلة: المجتمع

أشار أحدث استطلاع نشره مركز القدس للإعلام والاتصال إلى أن أغلبية من الفلسطينيين ترى أنها لا تشعر بوجود السلطة الفلسطينية بعد مرور ثلاثة أعوام من إعادة احتلال معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، في حين أن 40,4% قالوا إنهم يشعرون بوجود السلطة الفلسطينية. 

نتائج الاستطلاع هذه جزء من حالة عدم الرضا التي تسود الشارع الفلسطيني من أداء السلطة إلى جانب انشغالها عن همومه اليومية بالصراعات الداخلية في ظل تقلب وتغير حكومات والتنافس على مراكز القوى بين مؤسسة الوزارة ومؤسسة الرئاسة في ظل أصعب الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

اتجاه واسع في الشارع يرى أن أهم ما تبقى من السلطة هو الرواتب التي تدفع أول كل شهر لحوالي 130 ألفًا من العاملين في الجهاز الحكومي والأمني، في حين تقوضت السيادة الأخرى جراء ممارسات الاحتلال خصوصًا في الضفة الغربية المحتلة بالكامل في حين تحول قطاع غزة إلى سجن كبير.

 أما أهم احتياجات الفلسطيني من السلطة وهو الأمن والغذاء فمفقود أو منقوص، في حين يدير الفلسطينيون شئونهم اليومية من خلال مؤسسات وشخصيات وفصائل ولجان أهلية ومحلية في حالة أقرب إلى ما كان عليه الوضع عهد الانتفاضة الأولى حيث لم تكن هناك سلطة سوی سلطة الاحتلال.

والمفارقة العجيبة أن مراسلًا «إسرائيليًّا، مختصًا في حقوق الإنسان وهو جدعون ليفي خرج ليقول في «هاآرتس»: إن السلطة الفلسطينية تشكل غطاء للاحتلال الإسرائيلي وعلى القادة الفلسطينيين أن يعلنوا عن تفكيكها فورًا إذا كانت لديهم كرامة وجرأة وتحل بالمسؤولية!.

لیست سلطة تحرير

في ظل احتلال الضفة وسجن غزة وفوضى مؤسسات السلطة واستمرار الفساد وعدم وضوح النظام السياسي الفلسطيني وفشل كافة التسويات السلمية التي قامت على أساسها السلطة واستمرار المقاومة والانتفاضة كخيار شعبي، يبدو واضحًا أن السلطة الفلسطينية في واد والفلسطينيون في واد آخر، وأكثر ما يعني المواطن اليوم من السلطة فقط الراتب واستمرار الخدمات الحيوية الأساسية مثل الصحة والتعليم. أما الأمن فهو مفقود وحتى على الصعيد الداخلي فليس له قيمه في ظل غياب القانون حيث تصاعدت عمليات القتل على خلفيات مختلفة أبرزها بسبب ما كرسته السلطة من العشائرية في ظل محاولاتها منذ قيامها لتقويض دور الفصائل الفلسطينية، حيث يطلق سراح القتلة الذين ينتمون للأجهزة الأمنية، ولا سيطرة على العائلات الكبيرة مما يفقد الأمن والقانون معناهما، خصوصًا في ظل وجود هيئات تحكيم وتنفيذ أخرى مثل العشائر والمخاتير والفصائل.

ويرى د. إبراهيم إبراش أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر أنه من مهام السلطة تطبيق القانون وإخضاع من يحاولون خرقه ولكن السلطة الفلسطينية اليوم ليست بمستوى السلطة السياسية في أي أنظمة أخرى، مشيرًا إلى أن ذلك لا يمنع وجود نوع من التوافق على ضرورة وجود السلطة حتى من قبل المعارضة التي ترى أن من المصلحة استمرار وجودها وعدم ترك فراغ.

هل يوجد نظام سياسي فلسطيني؟

هذا السؤال يعكس مرحلة طويلة امتدت أكثر من خمسين عامًا، هي من عمر الصراع الفلسطيني الصهيوني، ويقول نبيل عمرو، وزير سابق وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني وأحد قيادات حركة فتح التي واكبت مسيرة المنظمة لسنوات طويلة، يقول: «نظام منظمة التحرير لم يكن بالمعنى الدقيق نظامًا سياسيًّا بل خيارًا سياسيًّا وأن جوهر منظمة التحرير الفلسطينية قام بالأساس على مجموعة خيارات سياسية هدفت إلى التخلص من الاحتلال ولم تكن هناك نظرة جدية وعميقة لتأسيس نظام سیاسي فلسطيني بالمعنى الذي يتصوره البعض». وأضاف «إن منظمة التحرير تعرضت منذ نشأتها إلى عملية تسييس غير أنها لم تتطور وظل الجمود يصاحبها مع استمرار نفس الطبقة الحاكمة أيضًا دون تغيير». ويبدي عمرو قلقه الشديد من أن الطبقة الحاكمة في منظمة التحرير «كانت تعتقد دائمًا أنها صالحة لكل زمان ومكان وأنه لا ينبغي تغييرها تحت تسميات المشروع الوطني، وتحت مبررات الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال».. ويعترف «أقر بأن منظمة التحرير لم تنجح في إدارة حياة الشعب الفلسطيني سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا»..

وعندما انتقلت المنظمة إلى طور أن تصبح سلطة بموجب اتفاقيات أوسلو لم تجر أي تغييرات بل زادت الأمور تعقيدًا أكثر من ذي قبل؛ إذ ظهر التداخل -غير المدروس- بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وبين الرئاسة الفلسطينية والمجلس التشريعي، ثم تعمقت الخلافات بين الرئيس ورئيس الوزراء، وبرزت ظواهر غير واضحة المعالم في النظام السياسي الفلسطيني أحدثت حالة من البلبلة في الشارع حيث لم يعرف من يتخذ القرار ولا «كيف يتخذ».

ويقول الدكتور عاطف عدوان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة: «إن سيطرة السلطة التنفيذية على مقاليد الأمور صبغ النظام السياسي الفلسطيني بصبغة الدكتاتورية التي خشي منها الفلسطينيون كثيرًا».

ویری محللون سياسيون أن السلطة الفلسطينية التي جاءت من رحم اتفاقات أوسلو أصبح لزامًا عليها التقيد بقرارات دولية ومؤثرات خارجية؛ نظرًا لأن الاتفاقية جاءت بضغط خارجي، كما أن نظام الحكم الذاتي كان مدعومًا من قبل أطراف خارجية تقوم على رعايته وإمداده بالمال والمعونات وتشرف على سلوكه السياسي من حين لآخر.

سلطة الولاءات والامتيازات

عانى النظام السياسي الفلسطيني من هوية غير واضحة المعالم، فلا هو نجح في تشكيل نظام ديمقراطي حاكم، ولا هو نجح في عملية التحرر، ومن ثم حدث اختلال كبير بين هذين المفهومين، انعكس ذلك على كل مناحي النظام السياسي الفلسطيني، فقد برزت -على سبيل المثال- الولاءات الشخصية؛ فالقرب من الرئيس يمنح امتيازات ومناصب والابتعاد عنه يعني العزل والإقصاء، كما أن تشكيل الحكومات الفلسطينية لم يأت على أسس ديمقراطية أو على أسس الكفاءة، وإنما على اعتبارات أخرى مغايرة تمامًا مثل الولاء الشخصي للرئيس أو بحسب المناطقية الجغرافية، ومن ثم جرت عمليات استرضاء وتغييب الديمقراطية تمامًا.

وهنا بدأ أيضًا الحديث عن الفساد وانتشار مظاهر التسيب في السلطة الفلسطينية خصوصًا على صعيد الأمن والمال العام، كما أن غياب القانون تسبب في إضعاف هيبة السلطة وبروز مظاهر العائلية والعشائرية والاحتماء بأجهزة الأمن، لدرجة أن كثيرًا من القرارات التي صدرت عن قضاة أو عن المجلس التشريعي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. 

ويشير الدكتور زياد أبو عمرو عضو المجلس التشريعي إلى عدد من معالم النظام السياسي الفلسطيني التي صبغته طوال مسيرته: 

أولها: أنه كان دائمًا نظامًا انتقاليًّا ولم يكتب له الاستقرار في مرة من المرات.

ثانيًا: أنه نظام سياسي متداخل بين السلطة والمنظمة، وهما مختلفان من حيث العمر والنهج.

ويضيف أبو عمرو الذي شغل منصب وزير الثقافة في حكومة محمود عباس «أبو مازن»: إن النظام السياسي الفلسطيني متقادم لم يواكب التغيرات في الأراضي الفلسطينية وبقي متمسكًا بنفس البنية ونفس النهج السياسي، كما أنه نظام معطل؛ فالمصالح كلها مركزة بيد شخص واحد (يقصد الرئيس عرفات)، كما يشير أبو عمرو إلى أن النظام السياسي الفلسطيني غالبًا ما اعتمد أولويات خاطئة لم تصب في صالح القضية.

ويضيف: السلطة جاءت بموجب ميثاق مع الشعب لمدة 5 سنوات لإقامة الدولة المستقلة ولكن ما حدث العكس ازدادت الأمور سوءًا، لكن رغم ذلك يجب طرح الأمر بشكل أكثر عمقًا من خلال عدة تساؤلات تفرض نفسها: في حالة غياب السلطة ما البدائل؟ هل يعود الاحتلال الإسرائيلي؟ -وهو أمر غير مقبول- أم هل تقوم قوى المعارضة -مثل حماس والجهاد- بملء الفراغ وتقوم بدور السلطة وتدخل في إطار المساومات السياسية مع الاحتلال؟

ویری د. إبراش أستاذ العلوم السياسية أن السلطة ليست فقط أبو عمار أو اللجنة المركزية أو التنفيذية أو التشريعي بل هي بناء مؤسساتي من الموظفين والعاملين يفوق عددهم الـ 130 ألف مواطن، وتساءل كيف يمكن أن يذوب كل ذلك ونقول لهؤلاء اذهبوا لبيوتكم...

أما البديل الذي يطرحه د. إبراش فهو ضرورة إدخال إصلاحات جذرية حتى لو تم الاستغناء عن رموز وشخصيات لا تصلح للقيادة في السلطة، وذلك من خلال إستراتيجية عمل ليس من داخل السلطة والحزب الحاكم بل من خلال قيادة وطنية بحيث لا تقتصر السلطة فقط على حركة فتح وبعض التنظيمات الصغيرة، ويضيف: هنا يجب الانفتاح على الشعب في مطلب الوحدة الوطنية لإنقاذ المشروع الوطني، أما إلغاء السلطة وعودة الاحتلال فليس حلًا منطقيًّا.

الرابط المختصر :