العنوان السمو أمر ممكن.. وهذا هو النموذج الحي
الكاتب أحمد عثمان مكي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1972
مشاهدات 77
نشر في العدد 94
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-أبريل-1972
السمو أمر ممكن
وهذا هو النموذج الحي
أحمد عثمان مكي – الخرطوم
مما يقر به الدارسون لعلمي الاجتماع والأجناس أن الإنسان منذ نشأته ظل يسعى جاهدًا مسخرًا كل طاقاته وكل ما أكسبته له الأيام من خبرات وتجارب كي يؤسس مجتمعًا سعيدًا ينعم فيه بحياة مستقرة ويجد فيه راحة الشعور والضمير، ولعل هذا السبب كان هو الدافع القوي للعديد من الثورات والانتفاضات التي أحدثها الإنسان عبر تاريخه الطويل، وحتى في تلك البقاع التي ظن البعض أنها قد تدرجت وتطورت فبلغت قمة عالية من التقدم والمدنية وتوفر أسباب الراحة وسبل الرخاء .. حتى في هذه كانت الصيحات مطالبة بالتغيير يدفعها لذلك الشعور بعدم الاستقرار النفسي مما جعلها تعيش في حيرة وقلق وارتباك لغموض أهدافها في الحياة فانساقت في تيه فكرى مميت ...
هذه الظواهر البارزة في حياة الإنسان يختلف في تفسيرها الباحثون، ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف القاعدة التي ينطلق منها تفكير كل منهم فضلًا عن فقدان حلقات أساسية إن هي غابت عن الذهن فلن يسلم تحليل النتائج من الخطأ والانحراف، ولحدث التناقض بين هذه النتائج وبين كثير من الأحداث التاريخية التي لا يشك أحد في ثبوتها وصحتها ... والإسلام ينظر لتلك الأطوار التي مرت بها البشرية في طفولتها فيعلل ذلك تعليلًا دقيقًا ويبين الداء وأصل الشقاء .. وهو أن هذه العذابات النفسية والتعاسة التي مرت بالإنسان وطريق الهلاك الذي يمضى فيه أحيانًا.. إنما حدث ويحدث ذلك دائمًا لأن القلوب قد خلت من الإيمان بالله .. ولأن الأرواح ظلت تقاسي من الخَوَاء القاتل وقد بعدت عن الهداية والحق فأذل الإنسان نفسه ورآها تافهة لا قيمة لها .. ثم هانت عليه فرضي لها الهوان...
ومن جَرَّاء ذلك عانت المجتمعات البشرية ما عانت من الضعف والتفكك وحياة الفراغ والضياع ... حتى بعث الله برحمته وأنزل رسالاته من السماء لينهي طفولة البشرية ما عانت من الضعف والاضطراب إلى الرفعة والاستقرار..
ولكن البشرية كانت تنتكس كل مرة، فتأتيها رحمة الله ثانية ... ثم تنتكس فيبعث الله لها من ينذرها ويذكرها حتى كانت خاتمة الرسالات التي جعلها الله آخر هداية للإنسان فجاءت دائمة خالدة على مر الأزمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها ليحصد الإنسان ثمرة عمله يوم الحساب..
جاءت رسالة الإسلام فالتقطت الإنسان من سفحه وعماه ورفعته إلى منزلة السمو الروحي فربطته بقوة السماء ووثقت الصلة بينه وبين ربه وبأسلوب القرآن الذي تفرد به .. جعل الإنسان يرفع ببصيرته إلى السماء ... ويتطلع إلى كرامته الإنسانية وإلى حقوقه العامة التي سلبها منه الطغاة في حين غفلة منه ... وبحركية الإسلام التي مازته عن العقائد الأرضية اندفع الإنسان دفعًا إلى المجتمع السعيد الذي ظل يبحث عنه ... وهو في ذلك التيه البعيد يتدحرج نحو الهاوية الخطرة .. ...
فنشأ ولأول مرة في تاريخ الإنسان ذلك المجتمع الذي كان يبحث عنه ويلهث وراءه فانخرط فيه من أعمل عقله وفتح قلبه للحق من غير تعصب ولا مكابرة ..
مجتمع يثرب المسلم : -
كان المجتمع الإسلامي في يثرب آية في كل أمر .. فقد فاق حد التصور في سلامة تركيبه العضوي وقوة قاعدته التي يرتكز عليها .... ذلك المجتمع الأول الذي انبثق من عقيدة الإسلام واستمد منها وجوده ... وهي تعده ثم توجهه ثم تطلقه في مسار رباني كريم يحقق له سعادة الدنيا وحسن مآب الآخرة .. وترد أفراده إلى وحدة الأصل والمنشأ والمصير وهي ترسم لهم خطى الحياة الطيبة العفيفة
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (سورة فاطر : 11)
۱۱- فذابت نعرات الجاهلية ولم يعد رباط الدم هو الذي يكيف وضع المجتمع وعلاقات أفراده كما كان في الجاهلية القريبة، فامتدت بدلًا عن ذلك الأخوة الشاملة حتى سادت بين السادة والعبيد ...
وصار التفاضل بين الناس بالإیمان واستقامة العقيدة واتباع الرسول -صلى الله عليم وسلم- وبما يقدمه المسلم من عمل حتى وإن لم ينتسب لأشراف العرب ولا حتى لملتهم بأجمعها ...
يذكر الرواة أنه كان بعض المسلمين يأتون بلالًا في دمشق ويذكرون فضله وما قسم الله له من الخير .. فيقول لهم «إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدًا !»
وهذه المقاييس الربانية تتجلى في أروع صورة حين جاء بلال إلى أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يا خليفة رسول الله .. إني سمعت رسول الله صلى الله عليم وسلم وهو يقول أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله» فقال لـه أبو بكر: فما تشاء يا بلال؟ قال «أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت» فيقول له أبو بكر: أنشدك الله يا بلال .. وحرمتي وحقي، فقد كبرت وضعفت واقترب أجلي» يقصد ثَنْيَه عن ذلك ليبقى بجانبه يعينه على تصريف أمور الدولة .. فاستجاب له بلال وأقام معه حتى توفي أبو بكر .. فما الذي يجعل رجلًا كأبي بكر الذي ينتسب لأشرف بطون العرب بنى مرة بن كعب يسعى ويسترضي ويقنع عبدًا حبشيًّا لا يزال أثر قيد الرِّقِّ باديًا على يديه ليكون موضع رأيه ومشورته؟ . ولندع الإجابة للقارئ فهي أوضح من
أن تقال أو تكتب!.
لقد وثب المجتمع الإسلامي بالإنسان وثبة ما عرفها التاريخ من قبل، فحرص على المساواة بين أفراده حرصًا يجعل الحق هو الفيصل بين الزعيم والوضيع لا يؤثر على ذلك بيت ولا مركز...
فتروي لنا كتب تاريخ الإسلام أن عمر بن الخطاب لما أخذ ابنه عاصمًا من زوجه المطلقة، وكانت تريد أن تبقيه معها اختصما إلى أبي بكر ليقضي بينهما في شأن احتضان الولد... فقضى أبو بكر للأم دون عمر وأمر أن تأخذ هي الولد وتقوم بحِضانته وقال مخاطبًا عمر «رِيحُها وشَمُّها ولطفُها خيرٌ له منك» هكذا يقضي أبو بكر دون أن تؤثر عليه مكانة عمر وهو أقرب أصدقائه وأحبهم إلى نفسه.. ودونما اعتبار لأنه هو أول من بايعه وسانده!! وإنه هو -أي عمر- الذي بعث لعلي بن أبي طالب حين تخلف عن بيعة أبي بكر يقول له «إنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ولكنه أقرب منك قربى.. والقرابة لحم ودم والقربى نفس وروح!» تحدث هذه المساواة -ونسوق القول لدعاة المساواة في عصرنا هذا- لأن الأمور كانت توزن بميزان السماء... ولأن حمية العقيدة هي وحدها التي تدفع للذَّود عن الحق وتجري العدل والإنصاف بين الأفراد... ولا حرج بين البشر وإنما لدين رب البشر.. ولهذا وحده لا يؤثر في عدالة الحاكم عامل ولا يحورها هوى حتى ولو الانتصار للنفس بغير الحق.. وإن كان هو المظلوم نفسه!
وليس أدل على ذلك من وصية علي بن أبي طالب بعد أن ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف في رأسه محاولًا قتله... يوصى على -وهو الحاكم- ذويه وعشيرته بصوت الحق قويًا مجلجلًا «النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي... يا بني عبد المطلب.. لا تجمعوا من كل صوب تقولون قتل أمير المؤمنين... ألا لا يُقتَلَنَّ بي إلا قاتلي» ثم يلتفت إلى ابنه الحسن والدم يقطر منه يقول له «انظر یا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة واحدة! ولا تُمَثِّلَنَّ بالرجل، لأني سمعت رسول الله صلوات الله عليه يقول: إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور» فأي عدالة هذه؟ یری قاتله أمامه وهو يسبح في دمائه، ثم يوصي بوصية كهذه، دون أن يميل مع هواه أو يعصف بــــــه غضبه، إنه مجتمع الإسلام وحسبه ذلك!
ومن ملامح هذا المجتمع تلك الصفحات الناصعة الوضاءة التي نستشرفها ونحن نقلب أرجاء المجتمع الرباني فنرى حكامًا قد زهدوا في الدنيا ومتاعها... ولم تغرهم أُبَّهَةُ الحكم ولا بهرجةُ السلطان، عن علي بن أبى الأرقم عن أبيه قال: رأيت عليًّا وهو يبيع سيفًا له في السوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عندي ثمن ما بعته!» وعلى هذا هو حافظ المال والمتاع وهو أعلى سلطة دستورية كما يحلو لنا أن نسميها اليوم! ولا تعليق، بل نقلب صفحة أخرى لنرى أعجب من ذلك وأدعى للدهشة... صورة للعلاقات التي كانت تسود بين الراعي ورعيته.. وقد يظن البعض أنها من الأساطير أو من نسج الخيال، ولكنها حقيقة، يروي أنس بن مالك: بينما عمر يَعُسُّ بالمدينة إذ مر برحبة من رحباتها، فإذا هو ببيت من شعر لم يكن بالأمس فدنا منه، فسمع أنين امرأة ورأى رجلًا قاعدًا، فدنا منه، فسلم عليه، ثم قال: من الرجل؟ فقال: رجل من أهل البادية، جئت أمير المؤمنين أصيب من فضله، فقال عمر: على ذلك ما هو؟ قال: امرأة تَمخَضُ، قال: هل عندها أحد؟ قال: لا، فانطلق أمير المؤمنين حتى أتى منزله.. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها: هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأة عربية تَمخَضُ ليس عندها أحد.. قالت: نعم إن شئت، قال: فخذي معك ما يصلح للمرأة في ولادتها من الخرق والدهن وجيئيني ببُرمة وشحم وحبوب، فجاءت به وقال لها: انطلقي.. وحمل أمير المؤمنين البرمة ومشت أم كلثوم خلفه حتى انتهى إلى البيت فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى جلس إلى جانب الرجل، فقال له: أوقد لي نارًا! فجعل تحت البرمة حتى أنضجها، ووضعت المرأة فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين... بشر صاحبك بغلام! فلما سمع الرجل قولها «يا أمير المؤمنين» هاب عمر فجعل يتنحى عنه، فقال له عمر: مكانَك كما أنت! وحمل عمر البرمة فوضعها على الباب ثم قال لأم كلثوم: أشبعيها -أي أن تقدم الطعام للوالدة- ففعلت وأخرجت له البرمة ثم قام عمر فأحضرها ووضعها بين يدي الرجل وقال له: كلْ ويحَك فإنك سهرت من الليل.. ففعل، ثم قال لامرأته: اخرجي، وقال للرجل: إذا كان غدًا فأتنا نأمر لك بما يصلحك.. ففعل الرجل، وأجازه الخليفة وأعطاه ما يصلحه ويقوم حاله.
إن المرء ليتوارى خجلًا أن يقدم صورة كهذه للذين يتولون مقاليد الأمور فيما يسمى بالعالم الإسلامي وما الخجل إلا لبعد ما بين الإسلام وبين من ينتسبون إليه... بعدُ في التصور وبعدُ في السلوك.. وبعدُ في الصلة بالعلي الجليل، حتى حدثت الجفوة بين الإسلام والمسلمين.. وتغيرت فيها معالم المسلمين حتى خرج بعضهم عن دائرة الإسلام وصرح بكفره إن قولًا أو عملًا.. ولا تزال معالم الإسلام ثابتة راسخة تمد يدها بالدواء للحيارى والتعساء إن هم أرادوا السعادة وإزالة الشقاء وحقًّا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11).