العنوان السنة الخالدة.. مع المجددين والمبدعين
الكاتب وليد أبو الخير
تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004
مشاهدات 70
نشر في العدد 1615
نشر في الصفحة 44
الجمعة 27-أغسطس-2004
كنت إذ ذاك بدمشق وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم... فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالنعال حتى سقطت عمامته، واحتملوه إلى قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وتعزيره «1» القائل هو ابن بطوطة يصف موقفًا تعرض له أثناء رحلته، أما الفقيه المسكين الذي فعل به ما فعل، فهو ابن تيمية، ولماذا؟ يقول ابن بطوطة: «إنه كان يقول بأمور منكرة منها أن المطلق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة» «۲».
هكذا يُعاقب المجددون وهكذا يفعل بهم، إنها السنة الخالدة التي بدأت مع بداية التاريخ ومازالت وستبقى حتى تقوم الساعة، عانى منها ابن تيمية وقبله وبعده عانى الكثيرون، حتى مات رحمه الله في سجن القلعة بدمشق وهو يكتب بالرماد على حيطان ذلك المكان المشؤوم.
ومن الأمثلة «3» ما روي أنه: عام 396 قبل الميلاد، صدر حكم بالإعدام على رجل عجوز يناهز السبعين عامًا، والتهمة هي الهرطقة والجنون، ويتجرع سقراط سم العدالة لأنه مجرم في نظرها، والحقيقة أنه مجدد مبدع خلدت آراؤه إلى وقتنا الحاضر بعد مرور 2400 سنة على موته.
والمحزن والمؤلم حقًا قصة الفيلسوف الإسلامي ابن رشد الذي عوقب بالنفي إلى بلدة الليسانة اليهودية حتى لا يتأثر بآرائه أحد، وظن علماء قرطبة يومها أنهم قد قضوا على آرائه وأماتوها، وإذا بها تحيا وتعيش إلى يومنا هذا، بعد مرور أكثر من 800 سنة على موته رحمه الله.
وغيرهم كثيرون من أمثال جاليليو الذي نادى بكروية الأرض، وباروخ الذي استحق لعنة الكنيسة، وبروند الذي أحرق وهو حي، وديكارت الذي اختفى وهو يقول «يعيش سعيدًا من عاش في الظلام». وهناك العز بن عبد السلام الذي حكم عليه بالإقامة الجبرية، وابن جرير الطبري الذي يدفن في بيته خوفًا عليه، وجمال الدين الأفغاني الذي طرد أكثر من مرة، والشهيدان البنا وسيد قطب.. وهكذا تبقى السنة ماضية.
وهنا نطرح سؤالًا: هل نطالب أولئك المجددين بالسكوت والخنوع والرضا بما كان على قاعدة: «إنا وجدنا آباءنا على أمة أم أنهم مطالبون بإعلان ما يرونه ويعتقدونه نجاة وفلاحًا وصلاحًا، ثم يتحملون إزاء ذلك ما يجدونه من صلف وعنت كما هي السنة الجارية؟
إن التاريخ يثبت بأحداثه ووقائعه أن التغيير لا يكون أبدًا إلا من فئة قليلة مبدعة تقوم بدور القائد في أمة باردة خانعة، تلك الفئة أعملت فكرها في حاضرها الذي تعيشه ودرسته لا على شكل وقائع بل على شكل استنتاجات رياضية تعنى بتفسير الحدث ومسبباته لا بالحدث ذاته. فالتاريخ كما يقول ابن خلدون في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق «4».
ثم إن تفكير تلك الفئة المجددة يكون جامعًا بين حدين: الأول موضوع والآخر محمول فالموضوع يكون في العقل بما يحمل من تراث نقلي سماوي أو ثوابت كونية لا تتبدل ولا تتغير، أو نظریات ظنية قابلة للأخذ والرد «5»، والحد المحمول إلى العقل يكون في واقع الناس الممتد عبر التاريخ الطويل، وهنا يأتي دور المفكر المجدد فيربط الحدين بقدر ما يملك من أدوات علمية ثقافية حياتية واقعية، يخرج من هذا الربط بفكرة أو مشروع يمثل في حياة الناس دورًا إصلاحيًا طال انتظاره وعظمت الحاجة إليه.
لذا كان لزامًا على أولئك المجددين البوح بآرائهم ومحاولة جعلها واقعًا في حياة الخاصة والعامة مهما كلفهم الأمر، مع عدم الخوف من ردات فعل الجامدين المحاربين لكل جديد.
إلا أننا في إطار دعوتنا إلى التجديد يجب ألا نغفل بعض المحاذير المهمة التي تؤثر سلبًا أو إيجابًا في عالم الرؤى والأفكار، نذكر بعضها:
مفهوم التجديد: مصطلح التجديد حين يذكر يحمل معنيين: الأول ما يكون على سبيل البعث والإحياء لشيء كان موجوداً إلا أنه اندرس واختفى، وهذا المعنى هو المقصود من حديث يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد للناس أمر دينهم.. فالدين أضحي كاملًا مع توقف الوحي وموته صلى الله عليه وسلم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3) إلا أن تعاليمه تختفي في حياة الناس مع مرور الأعوام، فهذا التجديد ضروري وتجدر الحاجة إليه مثاله ما تنادي به الدعوات اليوم من ضرورة جعل الإسلام شاملًا لجميع مناحي الحياة، فخرج لنا ما يسمى بالإسلام السياسي أو الأحزاب السياسية، ويجب أن نلحظ أن هذا التجديد قد يكون في أمور فرعية بسيطة مثاله قول ابن تيمية في مسألة الطلاق، مع أنه لم يأت بجديد، فقد سبقه في ذلك عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة إلا أنه لقي صنوفًا من التنكيل والتضييق من أناس ربما يكونون فقهاء بمعنى النقل لا بمعنى النقد والنظر، والآن نجد رأي ابن تيمية معمولًا به في أصقاع شتى وأنحاء كثيرة.
أما المعنى الثاني فهو مأخوذ من الجدة الذي يكون من العدم، وهذا أيضًا ضروري ومهم في طرح الأفكار والرؤى وتعظم الحاجة إليه في جانب الوسائل والأساليب مثاله ما ينادي به الآن بعض العلماء من تيسير الفقه وجعله مبسطًا يستطيع الرجوع إليه عامة الناس، ومثله أيضًا تجديد الطرح باستخدام كل الوسائل التقنية العالمية لتمثل لنا جانباً مهمًا في تفعيل الفكرة وعصرنتها بما يناسب الواقع.
صراع المجتمع: وإن مما اقتضته سنة التغيير أن التغيير لا يكون أبدًا إلا بعد صراع طويل بين المجتمع وبين الأفراد المجددين، هذا الصراع قد تصحبه أساليب من القمع والتضييق التي ربما تتجدد هي الأخرى مع طبيعة كل مرحلة، بيد أن الجانب الإيجابي من هذا الصراع جلي وواضح إذ يصب في صالح التقنية والتجديد الارتقائي، ذلك أن الفكرة الجيدة تقوى وتعظم ومن ثم تكتب لها الحياة، وعلى النقيض منها الفكرة الرديئة الفاسدة التي سرعان ما تموت، ولعل مثالًا من عالم الحيوانات نذكره فأنت ترى الدجاج يجتمع على دجاجة مجروحة، ويبدأ بالنقر في مكان الجرح حتى تموت تلك المسكينة، والأرانب تهجم على المريض منها فتعزله بقوة الرفص والعض، والهدف من هذه العملية المؤلمة إقصاء كل ضار أو مفسد للبيئة الحيوانية الصغيرة.
وهكذا يظل الصراع المحك لكل تجديد وصدق من قال: الضربة التي لا تقسم ظهرك تقويك. فالمجدد يدرك جيدًا كيف يجعل من هذا الصراع ذخرًا ودعمًا لفكرته، والأفكار العظيمة تتطلب تضحيات جسيمة وكبيرة.
ومن المهم جدًا أن تعلم ما القاعدة التي يقوم على أساسها الصراع، فهناك من يرفض غيرة وحرصًا، وهذا طبعًا أقرب بكثير ممن يصارع حقدًا وكراهية أو حبًا لذات أو منصب، والغالب – والله أعلم – أن الغيرة والخوف على التراث تجعلان كثيرًا من العالمين على قائمة الرافضين خاصة في جانب العمل الإسلامي الحركي، الذي تقترن الغيرة فيه بشيء من الجهل بالواقع أو البعد العقلي عن طبيعة المرحلة الراهنة، فإذا كانوا كذلك فليس من الحكمة جعلهم في مصاف أعداء الفكرة وهي في مهدها بل الأولى كسبهم واحتواؤهم.
طبيعة المرحلة
يرى مالك بن نبي أن الإنسان في نموه يمر بثلاث مراحل هي ثقته بالأشياء ، ثم تتحول إلى تلك الثقة إلى الأشخاص، ثم بعد ذلك إلى الأفكار.
وكثيرًا ما يقف نمو الكثيرين عند مرحلة الثقة بالأشخاص، والبعض لا يتعدى المرحلة الأولى، وهي عالم الأشياء المحسوسة الملموسة، لذا من الطبيعي جدًا ألا يقبل شخص صاحب نمو قاصر فكرة لم يسمع بها من قبل، أو لم يقل بها شيخه الفلاني، والحل إذا أردنا لأفكارنا أن تحيا أن نجعل للناس عقولًا نقدية تفكر قبل أن تعمل، تقارن قبل أن تسلم، تنظر إلى الأمور من جهة الباطن الخفي لا من جهة الظاهر الجلي، بذلك نستطيع أن نضمن للأفكار الناجعة أوعية حاملة تصونها ، وتحفظها، أما أن نلقن دون أن نشرح ثم يهز الرؤوس نفرح فما هي إذن إلا نسخ مكررة تطرح نهجها الدائم في كل حادثة أن تنطح.
الطرح الجيد
كم من فكرة فاعلة ماتت في مهدها بسبب التسويق السيئ لها، وقد يكون السبب في الأسلوب العنيف البغيض ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ (هود: 27)، أو في الغموض وعقدة الخوف من اللا شيء. إن التاريخ يسرد لنا أفكارًا ماتت بسبب عنف أصحابها بغض النظر عن ماهيتها، من هؤلاء هتلر وستالين، وفي ذلك يرى المؤرخ البريطاني توينبي أن الحضارة تبدأ بأقلية مبدعة يمشي الناس خلفها بآلية المحاكاة والإعجاب، وتنهار هذه الحضارة عندما تتحول بيد أقلية مسيطرة تسوق الناس بالسوط.
يجب أن ندرك أن الفكرة الجيدة الصائبة هي التي تفرض نفسها، وليس على صاحبها فعل ذلك بالقوة، إنما على الأخير البلاغ الحسن المقترن بالرفق واللين المصاحب للحرقة والتوقد المجانب للغموض والتوجس.
عدم المسارعة
مات ابن تيمية وابن رشد وغيرهما من المجددين ولم يروا ثمرة أفكارهم، لكننا نلمسها الآن حية فاعلة، بل إن بعض تلك الأفكار من أشخاص مختلفين أضحت يقينيات مسلمة. أن كانت أمرًا كفريًا يستوجب القتل. إن الإسلام الذي نزل من السماء لم ينزل جملة واحدة بل امتد عبر 23 سنة يراعي أحوال الناس وعقولهم، ومع ذلك بقيت بعض الأمور التي سكت الشارع عنها مع رغبته في تغييرها، من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة وأعدت بناءها على قواعد إبراهيم».
ولو قدر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يغير بناء الكعبة الآن لاستطاع، دون أن تقع أي فتنة.
وأخيرًا أقول قد يراعي المجدد كل الجوانب المساعدة لإنضاج فكرته وإنزالها حية في واقع الناس، لكنه مع ذلك يفاجأ بالصدود والإعراض مع أنواع من التعذيب والعقاب، حينها لن يستغرب أبدًا إذا علم أنها سنة خالدة باقية كما لو أنه قدر لابن تيمية أن يبعث من جديد، ويحيا وسط الناس فيكافئونه بناء على قاعدة بالرمي بالرصاص.
إن كلمات تعرفها جيدًا هي مجنون، ساحر. كاهن شاعر كلها قيلت في أعظم من جدد وأبدع على مستوى البشرية أجمع، محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات.
الهوامش
«1» رحلة ابن بطوطة دار صادر، ص95، بتصرف.
«2» المصدر السابق.
«3» راجع طرفًا من قصص أولئك المجددين في كتاب قوانين التغيير للدكتور خالص جلبي
«4» مقدمة ابن خلدون، دار المثنى ص3.
«5» يلاحظ أن هذا الحد يكون واسعًا وعميقًا في عقول المجددين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل