; السنة النبوية.. ومزاعم «القرآنين» | مجلة المجتمع

العنوان السنة النبوية.. ومزاعم «القرآنين»

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012

مشاهدات 58

نشر في العدد 2029

نشر في الصفحة 50

السبت 01-ديسمبر-2012

في المقال السابق تناولنا المعنى اللغوي والاصطلاحي للسنة، وأكدنا أن الآية الكريمة دليل على حجية السنة، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتعلمون السنة كما يتعلمون القرآن الكريم.. فقد روى مسلم عن أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلموننا القرآن والسنة.... وروى الشيخان وغيرهما عن حذيفة: «أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة... 

الغريب أنه رغم الآيات القرآنية الكثيرة التي وردت في بيان وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأشرنا إلى بعضها في المقال السابق - وهي قليل من كثير - ظهر قوم سموا أنفسهم القرآنيين» ادعوا أن الشريعة لا تؤخذ إلا من القرآن، وأن المسلمين ليسوا بحاجة إلى السنة وفاتهم أن يدركوا ما تدعوا إليه هذه الآيات التي ذكرناها. 

ولهؤلاء القوم سلف فيمن مضى.. وقد ألف العلماء قديمًا وحديثًا كتبًا في الرد على هؤلاء منهم السيوطي في رسالته المشهورة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للرد على من وجد من دعاة هذه الفكرة في زمانه من الزنادقة، ومن على شاكلتهم، وذكر أنهم كانوا موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فَمَنْ بعدهم، وتصدى لهم الأئمة الأربعة، وأصحابهم في دروسهم، ومناظراتهم، وتصانيفهم. وقد أفاض الشافعي في «الأم» في الرد على هؤلاء، وعقد في «الرسالة» فصلًا طويلًا في بيان حجية خبر الآحاد.

وفصل القول في الرد على هؤلاء الآمدي أيضا، وابن حزم، وغيرهما من العلماء قديمًا وحديثًا.

وحسبنا أن نذكر ما رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عن المقدام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو مُتكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استخللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حَرَّمُناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله»..

وهذا الحديث صريح في بيان مكانة السنة ومعلوم أنها تنفرد ببيان بعض الأحكام، وتخبر عن بعض المغيبات من انطواء الغيب على فتنة غاشمة، وحملة ظالمة، يقودها هؤلاء الجاهلون المارقون، الذين يعميهم البطر، ويطغيهم الهوى ويأسرهم الضلال، ويملكهم الغرور، فيدعون لأنفسهم العلم، وينادون بالاقتصار على القرآن، وفاتهم أن القرآن نفسه يرد جهالتهم.

إنها فتنة قديمة حديثة تأخذ ألوانًا شتى تارة باسم «الصنم» الذي يدينون «التطور» وتارة بدعوى «الأصالة في الرأي»، و«التحرر في التفكير»، ولكن حالهم من السوء والبهتان لا تخفى إلا على من هم مثل الخفافيش التي لا تبصر في النور ولا تتحرك إلا في الظلام.

 ويقول الشوكاني إن ثبوت حجيتها - أي السنة - واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم مبين للقرآن الكريم مفسر لآياته، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:44)،

وهو صلى الله عليه وسلم محدد المعالم الحق حين يختلف الناس فيها، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل:64)، وهو المعلم للناس أحكام الدين، وكتاب رب العالمين والمقوم للسلوك والمزكي للنفوس، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾  (آل عمران:164)، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧). 

ومن ثم فشأن المؤمن أن يُذعن وينقاد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:36).

 ونذكر في هذا المقام فهم السلف الصالح للعلاقة بين القرآن والسنة، فيما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأته، لقد وجدته. أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ۷)؟ قالت: بلي. قال: فإنه قد نهى عنه. قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه. قال: فاذهبي، فانظري، فذهبت فنظرت، فلم تَرَ من حاجتها شيئًا، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتنا!

وذكر الشاطبي طائفة شبيهًا حالها بحال هؤلاء، إلا أنها كانت تقبل الحديث إذا وافق القرآن، وقال: «إنهم قوم لا خلاق لهم، وهم كما قال، وقد استدلوا بحديث موضوع هو: ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله، فأنا لم أقله، وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله؟.. 

وقد جمع ابن حزم ألفاظ هذا الحديث الموضوع، وأجاد في ذكر أقوال العلماء في الحكم عليه بالوضع، وقال الشوكاني: عرضنا هذا الحديث على كتاب الله فوجدناه مخالفًا له؛ لأنا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، ووجدنا فيه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران:۳۱)، ووجدنا فيه: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ (النساء:۸۰)، وبهذا يظهر أن القرآن الكريم يكذب هذا الحديث صراحة ويرده على قائله.

وإن تعجب فعجب أن يستند كثير من الكتاب والمفكرين وأهل العلم ممن لا دراية لهم بعلوم الحديث رواية ودراية إلى هذا الحديث الذي ثبت كذبه سندًا ومثنا في دراساتهم وكتاباتهم، لدرجة أن د. هيكل قد ادعى في كتابه «حياة محمد» أن هذا الحديث خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي، وأنه مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر. 

إننا أحوج ما نكون إلى الالتزام بقواعد التحديث رواية ودراية ومعرفة بأقوال الراسخين من أهل العلم قبل أن نتكلم حتى لا نقلد في الجهل ونفتري على الحق، وكما قال الإمام الشهيد حسن البنا يرجع في فهم السُّنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات». 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

128

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 48

121

الثلاثاء 23-فبراير-1971

تاريخ لا يُنسى