; السنغال.. والغياب الإسلامي عن بوابة أفريقيا | مجلة المجتمع

العنوان السنغال.. والغياب الإسلامي عن بوابة أفريقيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 65

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 23-فبراير-1993

السنغال.. والغياب الإسلامي عن بوابة أفريقيا

تشهد السنغال في 21 فبراير الجاري حدثًا جد مهم من تاريخها، وهو الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في البلاد. ويشارك في هذه الانتخابات -بشكل أو بآخر- عشرون حزبًا هي جملة الأحزاب السياسية الموجودة في السنغال، وتؤكد كل المعطيات الداخلية والخارجية على أهمية هذه الانتخابات لما قد يتمخض عنها من تحولات في السياسة السنغالية على المستوى المحلي والخارجي، فهي ليست كالانتخابات السابقة، لحساسية الوضع الراهن في البلاد بالإضافة إلى التحولات في الساحة العالمية، وتغير أنظمة الحكم في بعض الدول المجاورة: مالي- جزر الرأس الأخضر.

ونظرًا للدور الكبير الذي تلعبه السنغال في سياسة دول القارة الأفريقية وخاصة المجموعة الفرنكوفونية منها، فإن الغرب يطلق على السنغال اسم «بوابة أفريقيا» حيث تعتبر السنغال القاعدة الرئيسية لتوجيه سياسة هذه الدول أو الترويج لأي فكرة أو برنامج إلى أفريقيا، ولذا فإن الغرب يولي هذه الانتخابات اهتمامًا بالغًا وينظر إليها بعين الاعتبار.

والسؤال المطروح الآن: هل يدرك العرب والمسلمون هذه الحقيقة؟ وهل تفتح بوابة أفريقيا للإسلاميين أيضًا أم أنها ستبقى مسدودة في وجه أي تيار إسلامي كي تظل مدخلًا رئيسيًا للهيمنة الغربية على القارة الأفريقية المسلمة.


وقفة مع التاريخ

من المعلوم أن المستعمرين لا ينسحبون من بلد إلا بعد أن يتركوا فيه «زعيمًا» من عملائهم صنعوه حسب النمط المطلوب ليلعب الدور المرسوم حتى يستمر إصبع الاستعمار يدير دفة الأمور في ذلك البلد من وراء الستار، وبالرجوع إلى التاريخ نرى كيف دبّر الاستعمار الفرنسي قبل انسحابه من السنغال، إخضاع الأغلبية المسلمة لحكم علماني صليبي، انطلاقًا من ربيب المبشرين «ليوبولد سيدار سنغور» حتى خلفائه المتمسكين بسنن الغرب وشريعتهم.

لقد نشأ سنغور في مدارس الكنيسة الكاثوليكية بالسنغال، ولم يكن أوفر حظًا في التعليم ولا أحسن حالة مادية من بقية أبناء الشعب السنغالي آنذاك، ولكنهم سلطوا عليه الأضواء تمهيدًا لما بعد الاستقلال المزيف الذي لا بد أن تنخدع به شعوب القارة الأفريقية، فأوفدوه إلى فرنسا، وهناك جعلوه يتدرج في وظائف التدريس وأحاطوه بالأوصاف والنعوت الرنانة، فهو المثقف والمفكر، وهو الأديب الأفريقي وشاعر الزنجية، إلى آخر الصفات والعناوين البراقة الخداعة.

وفي عملية تمويهية من فرنسا، تزعم «سنغور» الحركة الوطنية السنغالية المطالبة بالاستقلال، وأحيط بالأقاويل المؤيدة لتحرير أفريقيا، ثم فجأة ينسحب الاستعمار الفرنسي من السنغال بعدما سلم مفتاح «بوابة أفريقيا» لسنغور الصليبي مع إهدائه هديتين هما: التزوج بامرأة فرنسية والتمتع بالجنسية الفرنسية لإحكام القبضة الفرنسية على هذا البلد المسلم.

فلا عجب أن نرى «سنغور» أثناء رئاسته للسنغال فرنسيًا أكثر من الفرنسيين ومسيحيًا أشد حرصًا على مصالح الكنيسة من بابا الفاتيكان.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الاستعمار الفرنسي ووراءه الغرب الصليبي سيبقى يقظًا وجاهدًا لإيصال حكام السنغال إلى السلطة على نفس الطريق الذي سلكه سنغور وغيره من أصحاب الفخامات لحماية مصالحهم. هكذا جندت القوى الغربية كل طاقاتها لحماية بوابة أفريقيا من تدخل أي اتجاه إسلامي لتسيير الأمور في البلد الذي تقطنه غالبية عظمى من المسلمين «95%» إلا أنه من غير المعقول أن يستسلم الشعب السنغالي المسلم لهذه الهيمنة الغربية إلى الأبد. من هنا بدأت بشارات البحث عن البديل الإسلامي تلوح في الأفق، كما يظهر لكل من يراقب مجريات الأمور في السنغال ويتابعها عن كثب.


تعدد الأحزاب والديمقراطية المزيفة

بعد فتح عهد ما يسمى بالديمقراطية وتعدد الأحزاب في السنغال تشكل عشرون حزبًا في البلاد، ويمكن القول بأن بعض هذه الأحزاب إنما تمثل فكرة يراد ترويجها فحسب أو تمثل شخصيات تحن للوصول إلى أدوار قديمة قد تهاوت مع انهيار قواعد المذاهب الفكرية والسياسية الفاشلة. والبعض الآخر يمثل أشخاصًا يعملون على حفظ أو تحصيل مناصب ومكاسب شخصية، ولا يمثل معظم هذه الأحزاب فئة ذات أهمية من الشعب السنغالي، ورغم التبجح بالانفتاح الديمقراطي المزعوم في السنغال فإن الدلائل القاطعة تثبت أنها ديمقراطية مشكوك في الدوافع والمقاصد من ورائها. فقد حظرت السلطات بجميع الوسائل المتاحة لها «إقامة حزب أو تيار إسلامي تحت أي تشكيل سياسي بدعوى الالتزام بنصوص دستور السنغال الذي قد تمت علمنته كي تسير البلاد وفق النهج الذي أراده الاستعمار، إذ تنص المادة الأولى من دستور السنغال على «أن جمهورية السنغال علمانية ديمقراطية واجتماعية تكفل المساواة أمام القانون لجميع المواطنين وتحترم جميع المعتقدات»

وتنص المادة الثالثة على أنه «لا يسمح لحزب سياسي بالانتماء إلى عرق معين أو جنس معين أو دين معين...».

فالديمقراطية عندهم، وحسب المفهوم الغربي، هي حرمان المسلمين من حريتهم السياسية.


الأحزاب المتنافسة

في خضم هذه الديمقراطية المزيفة ووسط محاولات البحث عن البديل الإسلامي، تتصارع في الساحة السياسية في السنغال أحزاب سياسية مختلفة، ومن الصعب أن يجد الإسلاميون في هذه الأحزاب ما يروي غليلهم، إذ إن معظمها تعلن صراحة عن علمانيتها وقيامها على أسس مذهبية وفكرية بعيدة كل البعد عن عقيدة الشعب السنغالي المسلم، والبعض الآخر يحاول كسب ثقة المسلمين إلا أن التزام الاتجاه الإسلامي بالصمت والحذر الشديد يدل على أن هناك تحفظات كبيرة حيال هذه الأحزاب. وفيما يلي الأحزاب المتنافسة في الساحة.

1- الحزب الاشتراكي الحاكم عبده ضيوف

وهو الحزب العلماني الذي ظل يحكم البلاد أكثر من ثلاثين عامًا، وذلك منذ حصول السنغال على الاستقلال من فرنسا عام 1960م إلى يومنا هذا، ورغم أن هذا الحزب قد استطاع أن يخترق الحواجز الواهنة لتحقيق الفوز في الانتخابات السابقة بفضل الحماية الفرنسية من جانب وغياب الوعي السياسي لدى الغالبية العظمى من الشعب من جانب آخر، إلا أنه يواجه مشكلات جمة في سبيل الفوز في الانتخابات القادمة ما لم يلجأ إلى عملية التزوير المعتادة أو إلى التدخل الخارجي المألوف فقد سمعنا رئيس الوزراء الفرنسي السابق «ميشيل روكارد» الذي قام مؤخرًا بزيارة السنغال يصرح: بأن فرنسا تتابع السياسة السنغالية عن كثب فلا عجب إن أُكرم «روكارد» بحفل غذاء وتوج بوسام الشرف من قبل الحكومة السنغالية قبل مغادرته دكار، وبالإشارة يفهم العقلاء.

ولكن مع إفلاس معظم المؤسسات العمومية بسبب الفساد الإداري المستشري في البلاد، كما تشهد عليه الاضطرابات العامة، فمن المستبعد أن يخرج الحزب الحاكم من الانتخابات القادمة مرفوع الرأس معززًا بالأغلبية الساحقة لأن الشعب السنغالي قد بدأ يراجع الحسابات ويضع النقاط على الحروف.

2- الحزب الديمقراطي السنغالي عبد الله واد

وهو الحزب الذي قد مارس احتكاكات انتخابية مع الحزب الاشتراكي الحاكم في الجولات السابقة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية في السنغال، وكان يتمتع بشعبية واسعة في السبعينيات والثمانينيات، غير أنه لم يعد يتمتع بهذه الشعبية نتيجة ظهور أحزاب سياسية متعددة فضلًا عن مغامرات زعيم الحزب  عبد الله واد كان آخرها الاندماج في حكومة «ضيوف» ذلك الاندماج الذي قد أدى إلى نتائج سلبية للحزب الديمقراطي السنغالي حيث أحدث انشقاقات في صفوف الحزب، كما صوبت أصابع الاتهام إلى «واد» بأنه انتهازي يسعى وراء مصالحه الشخصية ولكي يستعيد «واد» استراتيجيته ومكانته كزعيم سياسي ومعارض قوي استقال من حكومة «ضيوف» في شهر أكتوبر الماضي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

3- ميثاق الديمقراطيين والوطنيين أبدير تيام

تحت زعامة «أبدير تيام» الذي كان قد تولى وزارة التربية والتعليم في الفترة من 1983 إلى 1988، وقد أقيل من منصبه لسوء التفاهم بينه وبين «جان كولين» الفرنسي الذي كان يتولى -آنذاك- وزارة الدولة والسكرتارية العامة لرئاسة الجمهورية. ومما يمتاز به أبدير تيام أنه يتسلح -نسبيًا- بثقافة إسلامية ومعروف لدى أوساط الشعب السنغالي بالميل نحو الفكرة الإسلامية وضد التبعية الغربية والعلمانية، مما قد يجعل الاتجاه الإسلامي يتعاطف معه بالرغم من أنه لم يصرح بإقامة حكومة إسلامية في البلاد، أما بقية الأحزاب فيمكن أن نمر عليها مر السحاب لأنها عديمة الفاعلية في الساحة السياسية، وهي:

1.    حزب الاستقلال والعمل تحت زعامة أحمد دانسوخو، وزير الإسكان حاليًا، وهو حزب شيوعي ينشط في أوساط الطلبة والعمال.

2.    الرابطة الديمقراطية/ الحركة لحزب العمل، وهو حزب شيوعي يستغل السلك التعليمي من أساتذة ومدرسين ويرأسه عبد الله باتيلي.

3.    الحزب الأفريقي للاستقلال، تحت زعامة محمود جوب، شيوعي علماني قومي.

4.    حزب تحرير الشعب، تحت زعامة المحامي بابكر نياغ، إصلاحي معتدل.

5.    الاتحاد للعمل/ الحزب الأفريقي للديمقراطية والاشتراك، بزعامة لاندينغ ساواني، شيوعي متطرف.

6.    التجمع الوطني الديمقراطي، تحت زعامة «ماجور جوف» وهو قومي علماني.

7.    الحركة الجمهورية السنغالية.

8.    الحزب الشعبي السنغالي.

9.    حركة الاتحاد للعمل.

10.                      الرابطة الشيوعية للعمال.

11.                      المنظمة الاشتراكية للعمال.

12.                      الحزب الأفريقي لاستقلال الجماهير.

13.                      الاتحاد الديمقراطي للتجديد في السنغال، إلخ.

وكما قلنا سابقًا، فإن معظم هذه الأحزاب لا يمثل فئة ذات أهمية من الشعب السنغالي بقدر ما يمثل أشخاصًا يعملون على تحصيل مناصب ومكاسب شخصية أو يمثلون ألعوبة يديرها أعداء الإسلام من خلف الستار لبث أفكار هدامة في المجتمع السنغالي رغم العناوين البراقة.

هذا، والمرشحون للانتخابات الرئاسية حتى الآن سبعة وهم:

1.    عبده ضيوف الحزب الاشتراكي الحاكم.

2.    عبد الله واد الحزب الديمقراطي السنغالي.

3.    أبدير تيام ميثاق الديمقراطيين والوطنيين.

4.    بابكر نيانغ «حزب تحرير الشعب.

5.    عبد الله باتيلي الرابطة الديمقراطية / حركة حزب العمل.

6.    لاندينغ ساواني الاتحاد للعمل/ الحزب الأفريقي للديمقراطية والاشتراك.

7.    محمد لو مرشح مستقل.


موقف الكنيسة

مما لا شك فيه أن الكنيسة العالمية، ووراءها كل القوى المعادية للإسلام، قد قعدت للسنغال كل مرصد، وهي تنتهز كل فرصة يمكن استغلالها لضرب الإسلام وترسيخ قدم المسيحية في البلاد.

من هنا نؤكد أن موقف الكنيسة من الانتخابات يكمن في إعاقة انتصار أي حزب سياسي لا يخدم مصالحها في البلاد. والتحولات في الساحة السنغالية توحي بأن الكنيسة تحركت في وقت مبكر لإعداد ميدان المعركة الانتخابية لصالحها، فعلى غرار ما يتم في بعض الدول الأفريقية خلال ما يسمى بالمؤتمرات الوطنية التي تترأسها الكنيسة دائمًا، فإن الكنيسة السنغالية دشنت نمطًا جديدًا من سيطرتها على الأوضاع في البلاد، حيث دعت كل الأحزاب السياسية إلى الحضور فيما يسمى بـ «ثلاثاء بروتي» لمناقشة هذه الأحزاب برامجها الانتخابية، علمًا بأنه على أثر أحداث عام 1988م، حين كانت البلاد في أزمة حادة كانت الحكومة قد وضعت عقبات كأداء في طريق دعوة بعض الشيوخ على رأسهم الشيخ عبد العزيز سه لإجراء مصالحة وطنية تشارك فيها الأحزاب السياسية وجميع القوى الوطنية الأخرى، وغني عن التأكيد بأن تلك الدعوة لو صدرت من الكنيسة لبادرت الحكومة إلى الترحيب بها.

هذا، وتتخذ الكنيسة هذه الوسائل لتنفيذ مخططاتها:

1.    تعزيز موقف زوجة الرئيس، وهي صليبية حاقدة على الإسلام، للتأثير على الحكومة فيما يخدم مصالح الكنيسة، خاصة على الوزارات ذات الحساسية والقدرة على التأثير في عملية الانتخابات. وقد تشكلت لهذا الغرض «مؤسسة إيليزابيث جوف الخيرية للتضامن».

2.    رشو البلديات ورجال السياسة بأموال طائلة من أجل تعبئة المواطنين للتصويت للمرشحين الذين يخدمون مصالح الكنيسة.

3.    تشكيل هيئة جديدة باسم «الحضور النصراني» وتسخير وسائل الإعلام الرسمية لجميع أنشطتها .

4.    رشو وكالات الأنباء العالمية للوقوف إلى جانب عملاء الكنيسة في الحملة الانتخابية وتشويه سمعة الأحزاب الأخرى، وعلى الأخص الأحزاب المتعاطفة مع التيار الإسلامي.

5.    تعديل الفترة الرئاسية حتى تنتهي مع نهاية القرن المسيحي وبداية ما يسمونه «بالألف المسيحي الثالث».

6.    التحالف مع أيد خارجية لإحداث البلبلة والفوضى في البلاد من خلال تصعيد العمليات الحربية من قبل الحركة الانفصالية في الجنوب بزعامة القس «جماكون سنغور».


الموقف العربي والمسلم

إذا كان الغرب قد نجح في استقطاب السنغال إلى ساحته وجعلها قاعدة تنطلق منها الحملات التنصيرية إلى باقي الدول الأفريقية، فلم لا يسأل العرب- المسلمون أنفسهم عن السبب الذي جعلهم يفشلون في الاحتفاظ بالسنغال دولة إسلامية موالية للقضايا العربية والإسلامية.

  • هل يقولون إن السبب هو العامل الثقافي واللغوي؟ كلا إن لغة القرآن لا تزال تحتل مكانًا مرموقًا في المجتمع السنغالي رغم تكثيف الغزو الفكري الغربي على هذا البلد المسلم.
  •  أَيقولون إن السبب هو العامل الاقتصادي؟

قد يكون ذلك صحيحًا في عصور ما قبل البترول، أما اليوم، وقد تدفق الذهب الأسود في جميع أرجاء الوطن العربي تقريبًا وأصبح الغرب نفسه يعتمد اقتصاديًا على خزائن العرب، فيستحيل أن يكون العامل الاقتصادي هو السبب في فشل العرب في الاحتفاظ بالسنغال إسلامية، بل إن السبب الوحيد في ذلك يرجع إلى تجاهل العرب المسلمين أهمية هذا القطر الذي قال عنه «الجنرال ديغون» أمام البرلمان الفرنسي عام 1959م «إذا استطعنا أن نحتفظ بالسنغال إلى الأبد، فإن أفريقيا الفرنسية ستبقى مرتبطة بنا إلى الأبد بدون شك».

إن السنغال تمر الآن بمرحلة حاسمة يتقرر فيها مسار تاريخها أحقابًا من الزمن، وهذا يتطلب من الجانب العربي المسلم أن يتخذ موقفًا إيجابيًا يتكيف مع التحولات في الساحة السنغالية.

فعلى وسائل الإعلام العربية أن تكون على مستوى المسؤولية تجاه كل ما يحدث في السنغال وأن تتجنب مسايرة الإعلام الغربي الذي يعمل لمصلحة الغرب فالمصلحة الإسلامية لها شخصيتها ومميزاتها، وعلى الجانب العربي المسلم أن يناصر الاتجاه الإسلامي في السنغال بدعم ميزانيات المؤسسات الإسلامية الساهرة على خدمة العمل الإسلامي في البلاد، ثم إن على الجانب العربي المسلم أن يضع برنامجًا طويل الأمد لإعداد كوادر ذوي كفاءات عالية لقيادة مسيرة الدعوة والعمل الإسلامي، لا في السنغال وحدها بل في القارة الأفريقية بصفة عامة.


موقف الزعامة الصوفية

غني عن البيان أن الزعامة الصوفية تلعب دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الانتخابات السنغالية، إذ أن السواد الأعظم من الشعب السنغالي ينتمون إلى الطرق الصوفية، ومجرد إشارة من زعماء هذه الطرق للتصويت لفلان أو علان قد يجعل ذلك المرشح محظوظًا بعديد من الأصوات في الانتخابات.

ولذا تسعى الحكومة والأحزاب السياسية المعارضة، على سواء لاستغلال هذه الظاهرة في الحملات الانتخابية، ولكن بعض الزعماء الصوفيين لم يعودوا يتمتعون بنفس القوة التي كانوا يتمتعون بها لاستغلال أتباعهم واستخدامهم كورقة مساومة سياسية، ويرجع السبب إلى ما قلنا سابقًا من أن الشعب السنغالي قد بدأ يراجع الحسابات بفضل الصحوة الإسلامية التي تشهدها البلاد بالإضافة إلى أن بعض الزعامات الصوفية بدأت تراجع موقفها من النظام اللائكي ففي عام 1991م وجه الشيخ صالح إمباكي زعيم الطائفة المريدية نداء عامًا إلى الشعب السنغالي للالتزام بالمبادئ الإسلامية في جميع مجالات الحياة، كما وجه سماحة الشيخ عبد العزيز سه زعيم الطريقة التيجانية في شهر مايو المنصرم بيانًا شاملًا دعا فيه الشعب السنغالي بصفة عامة والحكومة السنغالية بصفة خاصة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية جملة وتفصيلًا، وجعل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المصدرين للتشريع، وشجب بشدة ما تبثه وسائل الإعلام من الفساد والانحلال الخلقي على هذا الشعب المسلم، لكن الشاشة التلفزيونية السنغالية ووسائل التثقيف والإعلام ازدادت فسادًا وإفسادًا ليقولوا للمسلمين بأن العلمانية هي طريق الخلاص وأن الدعوة إلى تحكيم شرع الله ما هي إلا عودة بالأمة إلى القرون الوسطى.

هذه الإهانة ليست إهانة زعيم طائفة بعينها بقدر ما هي إهانة لجميع المسلمين في السنغال أن المسلمين في هذه البلاد، وهم الغالبية العظمي، مسؤولون عن قيام حكومة علمانية تستخدم جميع الوسائل والأساليب لمقاومة الإسلام وتكميم أفواه العلماء المخلصين، وتفتح الباب أمام تيار عارم من الأفلام والمسلسلات لزعزعة القيم الدينية ونشر الإباحية.

لقد آن الأوان ليراجع المسلمون موقفهم حتى تفتح بوابة أفريقيا للتيار الإسلامي الذي يتكفل بإقامة مجتمع إسلامي تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» من هنا تتجلى أهمية الانتخابات السنغالية التي إما أن يتمخض عنها تصحيح المسار أو تكون ترسيخًا لدعائم الكنيسة والعلمانية والجواب أمام صناديق الاقتراع، إن شاء الله.


موقف الاتجاه الإسلامي

أما موقف الاتجاه الإسلامي من الانتخابات السنغالية فيتسم عمومًا بالحذر الشديد، حيث إن الإسلاميين لا يريدون أن يقحموا أنفسهم في صراع لا يستفيد منه إلا أعداء الإسلام، ولكن مع البحث عن البديل الإسلامي كان لا بد من اتخاذ موقف إيجابي متكيف مع القضية، طبقًا لقاعدة التغيير المرحلي. وعليه فإن دخول الانتخابات بالتحالف مع الأحزاب المتعاطفة مع الحركة الإسلامية ووفق شروط تحقق للإسلام بعض المكاسب أصبح أمرًا ضروريًا.

ومن المكاسب التي يمكن أن تتحقق:

1.    إدخال التربية الإسلامية في المناهج الحكومية.

2.    مراجعة برامج أجهزة الإعلام «الإذاعة والتلفاز»

3.    دعم مؤسسات التعليم العربي والإسلامي.

4.    إعادة فتح المحاكم الشرعية.

5.    اعتبار الأعياد الإسلامية، بما فيها يوم الجمعة.

6.    إلغاء بطاقة البغاء.

7.    إلغاء قانون الأحوال الشخصية.

بما أن من المستبعد أن يكون موقف الاتجاه الإسلامي تجاه الانتخابات موقفًا سلبيًا فهناك ضرورة لتمكين الحركة الإسلامية من التأثير في مجريات الأحداث، وذلك بما يلي:

1.    دعم الحركة الإسلامية ماديًا ومعنويًا كي تتمكن من مقارعة الأطروحات الصليبية والعلمانية بشكل فعال.

2.    إحاطة العملية الانتخابية بتغطية إعلامية إسلامية في مواجهة الإعلام المعادي المكثف خلال هذه الفترة.

هذا، والأمل معقود في أن يجد الإسلاميون -عاجلًا أو آجلًا- منفذًا لتحرير بوابة أفريقيا من أيدي العلمانيين وإقامة حكومة إسلامية في أرض السنغال المسلمة.



هل يستفيد الإسلاميون من التجربة السنغالية؟


السنغال... تعود «واحةً» للديمقراطية في الغرب الأفريقي

 

الرابط المختصر :