العنوان السودان: النفط وتقرير المصير، محور التقرير الأمريكي
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1502
نشر في الصفحة 30
السبت 01-يونيو-2002
فرغ مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص للسودان من إعداد تقريره بشأن السودان ورفعه إلى الرئيس بوش. وتفيد الأخبار المتسربة قبل نشر التقرير رسميًا أن التقرير يتضمن طرحًا لأهم موضوعين للمشكلة السودانية وتحقيق السلام:
1- حق تقرير المصير: إذ إن التقرير أغفل الحديث عن هذا الموضوع ويتحدث عن سودان واحد موحد، ورغم أن تفاصيل الطرح الأمريكي لم تعرف بعد إلا أن حركة التمرد انتقدت بشدة هذا الإغفال واعتبر بيان أصدرته الحركة أن تجاوز دانفور لمهمته إهانة للقوى السياسية كافة وليس للقوى الجنوبية وحدها وأن المبعوث قد تعدى مهمته وفرض رؤاه على المتفاوضين.
يلاحظ أن حق تقرير المصير أقرت به كل القوى السياسية في السودان بما فيها الحكومة وإن كانت بعض القوى تخوفت من أن يؤدي الاستفتاء على هذا الحق إلى الانفصال بدلًا من الوحدة الطوعية لاسيما وأن الجماعات الكنسية والصهيونية تسعى إلى فصل الجنوب وتأسيس دولة صليبية تخدم أهداف اليهود في السيطرة على منابع النيل.
إزاء هذه المخاوف المشروعة خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد تقدمت مصر وليبيا بمبادرة مشتركة تسمى المبادرة المصرية الليبية المبادرة المشتركة تنص في أول مادة على وحدة السودان أرضًا وشعبًا.
الدولتان العربيتان ساورتهما الشكوك لما يراد للسودان وشعبه وهما يشاهدان ما يجري وقد تم استبعادهما قصدًا وعمدًا من مبادرة الإيجاد التي تتكون من دول مسيحية تتعاطف بدرجات متفاوتة مع حركة التمرد ومبادرتها تتضمن حق تقرير المصير إن رفضت الحكومة السودانية التنازل عن الشريعة الإسلامية وأصرت على عدم فصل الدين عن الدولة.
دول إفريقيا تدرك خطورة الحركات الانفصالية المتمردة، فما من دولة إلا ولها نفس مشكلات السودان فلو فتح باب حق تقرير المصير فلمن يغلق مما يشكل خطورة كبيرة على جميع الدول.
2- الموضوع الثاني والمهم هو موضوع النفط: فقد قدم دانفورت اقتراحًا مخالفًا لرأي حركة التمرد التي تری اقتسام عائدات النفط مناصفة مع الحكومة. الطرح الذي في التقرير يقول بتجنيب أو تخصيص جزء من العائدات لتنمية الجنوب وجاء في التقرير: «لا يمكن الوصول لحل مستدام للحرب الدائرة في السودان ما لم تعالج مسألة النفط بصورة عامة، وينبغي أن يكون من الممكن الوصول إلى قاعدة مالية يتم بموجبها اقتسام العائدات بين الحكومة المركزية وشعب جنوب السودان لاستعمال نصيبه في التنمية الاقتصادية.
وكانت حركة التمرد تدعو دائمًا إلى وقف ضخ النفط لحين انتهاء الحرب وحل المشكلة برمتها إلا أن المبعوث الأمريكي أهمل هذا الطرح المتطرف ورأى أن عائدات النفط يمكن أن تسهم في التعجيل بوضع حل للحرب إن استعملت بطريقة تحفز الفرقاء المتحاربين على الوصول إلى اتفاق يرضي الجميع.
حركة التمرد لا ترى هذا الرأي وتعتبره طرحًا ساذجًا وتصر على موقفها القديم الذي يدعو إلى وقف الضخ كليًا، ومن هذا المنطلق فالحركة تستهدف آبار النفط وتهدد المناطق التي تعمل فيها الشركات الأجنبية وتطلب منها الرحيل كما أنها اعتبرت الآبار والأنابيب التي تنقل النفط إلى الميناء في البحر الأحمر أهدافًا عسكرية كما أن الحركة تحرض الكنائس الغربية على الضغط على شركة تلمسان الكندية لكي تبيع حصتها وترحل عن البلاد.
حركة التمرد تتحدث بهذه الجرأة عن دانفورث لأنها تجد سندًا قويًا من المنظمات الكنسية وخاصة من منظمة «حرية الأديان» الأمريكية التي تحشر أنفها في الشأن السوداني وتطالب بوضع عائدات النفط في صندوق خاص يتم الصرف منه فقط على مشروعات التنمية مناصفة بين الشمال والجنوب.
أما الحكومة فإن لها رأيًا آخر مخالفًا للطرح الأمريكي فضلًا عن طرح التمرد الحكومة السودانية لا تعتبر النفط إلا ثروة قومية وأكدت على لسان النائب الأول علي عثمان محمد طه رفض الحكومة لأي مقترح يتحدث عن قسمة عائدات النفط مع الحركة ونفى نفيًا قاطعًا أن تكون الحكومة قد اعتمدت أو وقعت أي شكل من أشكال الاتفاق فيما يتعلق بقسمة عائدات النفط وأن هذا الموضوع ليس من الأجندة التي تطرح في المفاوضات بين الحكومة والتمرد.
وترى الحكومة أن النفط ثروة قومية وملك للشعب السوداني بأسره سواء في الشمال أو الجنوب ولا مانع لديها من أن تنفق عائداته في التنمية المتوازنة لكل ولايات السودان مع إعطاء اعتبار خاص للتنمية والإعمار للجنوب ولكن لا مجال لإعطاء عائدات النفط لحركة متمردة لكي تتقوى بها في المناطق التي تحتلها ظلمًا وعدوانًا.
واضح أن الحكومة لن تقبل المحاولات أو الأفكار التي تسوقها بعض الجهات بشأن وضع عائدات النفط تحت رعاية دولية بطريقة أشبه بما يحدث للنفط العراقي، فالسودان يجب أن يمارس حق السيادة كدولة ذات سيادة ولكن:
لماذا يرفض جون قرنق المقترحات الأمريكية وهو المدعوم ماديًا ومعنويًا من أمريكا؟ لماذا يريد أن يفتعل معركة مع المسيحي الأصولي دانفورث الذي جاء أصلاً لصالح حركة التمرد؟
جون قرنق يرى نفسه مدعومًا دعمًا بلا حدود لا من الحكومة الأمريكية وإنما من الجماعات التي تنتمي إلى الأصولية الإنجيلية أي تحالف اليهود والنصارى البروتستانت بالذات، وهذه الأصولية المسيحية الصهيونية هي الأخطبوط المتحكم في الكونجرس والبيت الأبيض ولا تستطيع الإدارة الأمريكية أن تعصي لها أمرًا، ولذلك لا نستغرب هذا التطاول من حركة التمرد على المبعوث الذي وصفته بأنه ساذج .