العنوان السودان.. قصة الدستور الإسلامي منذ بداية عهد الاستقلال حتى اليوم
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1984
مشاهدات 70
نشر في العدد 678
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 10-يوليو-1984
جاء الاستعمار في نهاية القرن الماضي إلى السودان وأطاح بالحكومة الإسلامية التي كانت تحكم البلاد آنذاك، ومنذ أول يوم عمل الاستعمار على فصل الدين عن الدولة وإبعاد أي أثر للدين في شؤون الحياة والحكم. ونجح في علمنة الدولة وإنشاء المؤسسات التعليمية على أساس استعماري، وغير القوانين المدنية والجنائية الإسلاميتين إلى القوانين الأنجلو سكسونية، ومنذ ذلك اليوم اغترب السودان عن أصله وتطبعت حياته بطابع غير إسلامي في كل المناحي من فكرية وسياسة واجتماعية واقتصادية وتربوية.
واستمر حكم الإنجليز للسودان زهاء خمسة وخمسين عامًا، ونال السودان استقلاله في أول يناير 1956م ولم يكن له دستور دائم، إنما تركه الاستعمار بدون دستور.
- بداية الدعوة للدستور الإسلامي:
في تلك الأثناء قامت في البلاد جبهة إسلامية عريضة تدعو إلى وضع دستور إسلامي كامل مستمد من الكتاب والسنة للبلاد، وجابت قادة الجبهة أنحاء السودان مطالبين الشعب بالوقوف مع الدستور الإسلامي، ووضع فقهاء القانون الإسلاميين دستورًا شاملًا على أساس إسلامي، وعندما كونت الحكومة آنذاك لجنة حكومية لوضع الدستور مؤلفة من جميع الأحزاب، كانت الجبهة الإسلامية ممثلة في تلك اللجنة وجاهدت لأن يوضع دستور إسلامي مستمد من قيم وتعاليم دين الأغلبية الساحقة، إلا أن ممثلي الأحزاب التقليدية الذين تركهم الاستعمار بعد أن تربوا على يديه وتشبعوا بالروح العلمانية في مؤسساته التعليمية رفضوا رفضًا باتًا إجازة هذا الاقتراح وبذلك فشلت أول محاولة لوضع دستور إسلامي في البلاد، وكان السبب هم أعضاء أحزاب الوطني الاتحادي والشعب والأمة، وكلاهما أحزاب تستمد قوتها وشعبيتها من الطوائف الدينية، وكان ذلك في عامي (56 و57)، ومع ذلك فقد فشل السودان في الوصول إلى وضع دستور دائم، إذ قام انقلاب 58 بقيادة الفريق عبود الذي عطل الدستور المؤقت وحل لجنة الدستور والأحزاب وحظر أي نشاط حزبي وفكري، ودامت البلاد تحت الحكم العسكري القهري ست سنوات حيث أطاحت به ثورة أكتوبر المجيدة بعد أول انتخابات أجريت عقب ثورة أكتوبر سميت الجمعية المنتخبة بالجمعية التأسيسية وكانت مهمتها وضع الدستور الدائم للبلاد حيث البلاد تعيش منذ رحيل الاستعمار بدون دستور.
- دستور إسلامي كامل:
وقد صاحب ثورة أكتوبر قيام جبهة الميثاق الإسلامي وضعت كل القطاعات الإسلامية الملتزمة بالإسلام منهجًا للحياة، وكانت تدعو للدستور الإسلامي.
تمكنت الحكومة الحزبية بعد مضي عامين من ثورة أكتوبر من تكوين لجنة قومية لوضع الدستور ومثلت جبهة الميثاق الوجوه القانونية.
كان خط الجبهة هو العمل داخل اللجنة لإقناع الأعضاء بالدستور الإسلامي الكامل والعمل وسط الجماهير لتكون هذه الجماهير وسيلة ضغط شعبي على قياداتها الدينية والسياسية التي لا تعبأ بالدستور الإسلامي حفظًا لمكانتها الزعامية، كما كان لأعضائها في الجمعية التأسيسية جهد واضح في إقناع النواب.
- انقلاب مدني ضد الدستور:
أنهت اللجنة أعمالها وقدمت مسودة الدستور إلى الجمعية التأسيسية، وكان المأمول أن يجاز الدستور الإسلامي ولكن الخلفيات العلمانية لكثير من نواب الأحزاب حالت دون ذلك، وأنفقت الجمعية 11 شهرًا من عمرها في مناقشة مواد الدستور، وذلك في ثمانين جلسة، وتم الاتفاق على 9 مواد فقط وهي المواد التي لا تلزم بشيء، وتم تأجيل 229 مادة إلى أن حلت الجمعية تنفيذًا للعبة سياسية لإنقاذ الحكومة من السقوط وذلك في فبراير عام 1968م.
أجريت الانتخابات لجمعية تأسيسية أخرى في أبريل من 1968م مهمتها وضع دستور للبلاد أيضًا!! وعادت الجبهة تحاول الكَرّة مرة أخرى، ولكن لم تمض مدة قصيرة إلا وقام الانقلاب الذي وقع في 25 مايو وذهبت محاولات وضع دستور للبلاد وبشكل إسلامي أدراج الرياح.
وللحقيقة والتاريخ نقول: إن الشيوعيين والجنوبيين من غير المسلمين لم يكونوا حجر عثرة في وجه الدستور الإسلامي لأنهم كانوا أقلية حيث كان للشيوعيين نائبان فقط من مجموع ثلاثمائة نائب والجنو ببين غير المسلمين 35 نائبًا.
- العلمانيون هم السبب:
إن العامل الأساسي في فشل إقرار الدستور الإسلامي في جميع العهود الديمقراطية هو عامل الأحزاب التقليدية القائمة على الزعامات الدينية الموروثة والطائفية، وأعني طوائف الختمية والأنصار وطائفة الشريف الهندي، فهذه الطوائف قامت على أساس ديني صوفي، وأتباعها وهم على هذا الأساس منحوهم كل الولاء، غير أن قيادة هذه الأحزاب ورجالها المؤثرين كانوا ممن تخرجوا في مدارس الإنجليز واصطبغت أفكارهم بالأفكار العلمانية اللا دينية، بل كان منهم ماسونيون، فهؤلاء هم الذين أجهضوا جميع المحاولات وحاربوا دعاة الإسلام باللسان دون السنان وكلهم الآن في ذمة الله فعسى أن يتوب عليهم.
- خوف من 25 مايو:
بعد انقلاب مايو أوجس الناس خيفة من أن تقع البلاد في قبضة الشيوعيين والناصريين، ولكن بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل في يوليو (1971م) اطمأن الناس قليلًا، حيث أزيح عن الكواهل الكابوس الشيوعي المقلق ورويدًا رويدًا ومع تزايد الأحداث اتجه الرئيس نميري إلى الدين واعتصم ببعض الفعاليات الصوفية التي اعترف بأن لها دورًا بارزًا في هداية كثير ممن كانوا يحاربون الإسلام فكرًا ومنهجًا وحتى عبادة.
- دستور بملامح إسلامية
وضعت حكومة مايو دستورًا للسودان فيه بعض الملامح الإسلامية، وطابع تلك الملامح قطعًا دون طموحات الحركة الإسلامية، لذلك استمرت الحركة في مصادمتها للنظام إلى أن تحقق مقاصد الإسلام الكلية، ولو درجة بعد درجة، وفي هذه الفترة ازدادت اتجاهات الحكومة إلى مظاهر وأشكال الدين، فمن الاحتفال بميلاد لينين مؤسس الشيوعية في أبريل عام (1970م) وصل النظام إلى الاهتمام بالاحتفال بالمناسبات الدينية مثل مقدم شهر رمضان والإسراء والمعراج والمناسبات الدينية الأخرى ونقل صلاة الجمعة بالإذاعة... إلخ، وحرص الرئيس النميري حضور كل هذه الاحتفالات.
- بداية التوجه الجاد:
بعد حركة يوليو (1976م) رفع النميري شعار القيادة الرشيدة وطلب من كل القيادات وكبار موظفي الخدمة المدنية كتابة إقرار وتعهد شخصي بالإقلاع عن تعاطي المسكرات وطلب ممن لا يستطيع أن يهتدي تقديم استقالته، وفي الوقت نفسه أعلن إلغاء «توتوكورة وهي مراهنات مباريات كرة القدم ومراهنات سباق الخيل، وأدى في العام نفسه فريضة الحج وأعيدت الجامعة الإسلامية لسابق دورها».
في عام (1977م) بدأ عهد المصالحة الوطنية ففي الولاية الثانية في أبريل (1977م) تقدم النصيري ببرنامج انتخابي للرئاسة رافعًا شعار الإسلام واعدًا بدفع أطر النظام نحو الإسلام، ورأت أحزاب الجبهة الوطنية مصالحة النظام وصدقت الحركة الإسلامية في المصالحة ثم المشاركة، وفي بداية المصالحة كونت الحكومة لجنة لتصنيف القوانين بما يتفق مع الإسلام وفق الشريعة الإسلامية، وصار للمجالس الشعبية في الأقاليم الحق في منع الخمور وإغلاق البارات وفعلًا حدث المنع في أقاليم دارفور والشمال والشرق.
- المؤسسات الإسلامية:
صاحبت هذه الفترة قيام مؤسسات إسلامية فعالة مثل منظمة الدعوة الإسلامية والمركز الإسلامي الإفريقي والوكالة الإسلامية للإغاثة، وبدأ أسلمة الاقتصاد فأنشئ لأول مرة في البلاد بنك فيصل الإسلامي وتبعته أربعة بنوك إسلامية، واهتم النظام بمؤسسات القرآن والخالاوي، وسرت روح التدين وسط الجيش، وشيد مسجد فخم في القيادة العامة يؤمه الضباط والجنوب.
وفي عام (1983م) كان مجلس الشعب قد أجاز قانون الثراء الحرام وقانون الزكاة، وكان جاهزًا أمامه القوانين الإسلامية لإجازتها في نوفمبر.
ولكن في السابع من سبتمبر (1983م) وقف الرئيس نميري يعلن رجوع السودان إلى أصله الأصيل وأعلنت القرارات الإسلامية بوضوح وحسم، وبدأت الدولة في تطبيق أحكام الشريعة فور إعلانها، ولاقت هذه القرارات تأييدًا منقطع النظير في الداخل والخارج.
بقي أن نقول: إن هذه ليست كل المنجزات الإسلامية المأمولة، فالهدف النهائي لم يتحقق بعد، وهو إقامة منهج الإسلام الكامل الشامل في كل شؤون الحياة صغيرها وكبيرها.
ونسأل الله العلي القدير أن يحقق تلك الآمال والأماني إنه على ما يشاء قدير.