; السودان يسابق الحصار وحرب الجنوب | مجلة المجتمع

العنوان السودان يسابق الحصار وحرب الجنوب

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 20-يوليو-1999

بلد منهك بحرب متمردة وعداء دولي.. لكنه مصمم على النهوض

معدل التنمية 8%.. نمو الصناعة 15%.. الثروة الحيوانية ١٢٢ مليون رأس.. الأرض المزروعة ٤٠ مليون فدان.. لكن المواطن مازال يعاني

 تجربة الحكم الفيدرالي فتحت الباب واسعًا للمشاركة الشعبية ونظام الشورى دخل حتى في مجالس القبائل

 المدخولات من الإنتاج والصادرات يتم تحويلها لإنجاز البنية التحتية في أنحاء البلاد كلها

صعوبة السفر إلى السودان من الكويت تجعل أي مسافر يدعو الله كثيرًا بعودة افتتاح الخط الجوي المباشر بين الكويت والخرطوم، دون «ترانزيت» يمتد لساعات طويلة تختلط خلالها رحلات الطيران، فيقضي ساعاته بين ذاهب إلى الفندق لساعات محدودة يعود بعدها إلى المطار ليقابل بتأخر في صعود الطائرة.. وإذا صعد يطلب منه العودة مرة إلى صالة الترانزيت ومعه حقائبه، فتختنق الأنفاس ويعلو صراخ الأطفال.

هذا ما حدث في رحلة الذهاب إلى الخرطوم، التي وصلناها بعد ٤٨ ساعة من الإقلاع من الكويت.. وما إن دخلت الطائرة المجال الجوي للمدينة حتى لفتها غيوم رمادية كثيفة فالوقت وقت أمطار الصيف الغزيرة التي تعودت عليها الخرطوم في تلك الآونة من كل عام.

 النظرة الأولى من أعلى تكشف أن كل شيء يوحي بالبساطة وعند النزول إلى الأرض تتجسد تلك البساطة في كل شيء، وتنطبع أثارها على معاملات الناس حتى تصير معلمًا بارزًا من معالم شخصيتهم حتى ولو كانت شخصية جنرال من الجيش أو الشرطة.

كان الوصول في الحادي عشر من ربيع الثاني قبل ذكرى مولد النبي -صلي الله عليه وسلم- بيوم واحد، وهي مناسبة يحتفل بها السودانيون...!! كلٌ بطريقته، محاضرات في المساجد، غناء شعبي  في الأحياء، الإذاعة والتلفاز شاركا بكثافة في التوقف عند هذه المناسبة بتسليط الضوء على التاريخ الإسلامي وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشخصيته وأخلاقه، وتخلل الحديث من العلماء تصحيح المفاهيم الخاطئة، وكانت المناسبة فرصة تشحذ الروح الإسلامية.

التجول في مدينتي الخرطوم وأم درمان والمدن المجاورة لهما، يولد انطباعًا بأن الحياة في مجملها صورة مشابهة للحياة في بعض مناطق مصر، وإن اختلفت في بعض التفاصيل.... الحافلات المزدحمة.. الميني باص... السيارات الاقتصادية هي هي.. وإن كانت «الركشا» الهندية أصبحت تتكاثر في الشوارع لسهولة حركتها ... النظام المعماري وواجهات البنايات وإن كانت عمارات القاهرة الشاهقة لا تكاد توجد هناك... الشوارع المرصوفة.. الأسواق الشعبية سوق الجامع الكبير -أعرق مساجد السودان- بوسط الخرطوم لا تستطيع أن تفرق بينه وبين سوق العتبة بوسط القاهرة وطريقة البيع والشراء... السلع المعروضة تكاد تكون واحدة.. بل إن طريقة رص البضاعة تكاد أيضًا تكون واحدة.. حتى القصر الرئاسي بطرازه المعماري وأسواره لا تكاد تختلف عن القصر الرئاسي في «القبة» بالقاهرة... إنها وحدة الثقافة ووحدة التفكير الضاربة بجذورها بين شعبي الوادي وإن ظل لكل سماته التي تميزه.

 الإعلام

المتابع للتلفاز والإذاعة يكتشف بسهولة أن مهمتهما تتركز في هذه الفترة على تعبئة الجماهير فيما يشبه التعبئة العامة خلال فترات الحرب، وتغطية العمليات الحربية وما يتخللها من حث على الجهاد والفخر بالاستشهاد، تأخذ هذه حيزًا معقولًا، بينما تغطية عمليات الإعمار وتسليط الضوء على ثقافات وعادات وفنون القبائل السودانية المختلفة خاصة في أقاصي البلاد، تأخذ حيزًا أكبر ولا شك أن ذلك يأتي في إطار التفات الدولة إلى هذه القبائل وهذه المناطق التي ظلت مهملة لسنوات طويلة مما أشعرها بالغبن والرغبة في الانفصال.. الذي يحدث إعلاميًا هو عملية تكسير الحواجز، توصيل وتواصل، بل وإدماج وانسجام من خلال البث الإعلامي، وذلك يصب بطريق غير مباشر وعلى المدى البعيد في تخفيف الاحتقان الاجتماعي القائم على أطراف البلاد.

الحصار الذي يعيشه السودان على امتداد السنوات العشر، ومعه الحرب الشاملة التي تشنها قوات التمرد بمساعدة علنية من الغرب تركت آثارها على الحياة السودانية بصفة عامة ووضعت السودانيين أمام امتحان صعب «يدخلونه» في اليوم الواحد مرات عديدة، وهم يشترون رغيف الخبز وبقية ضرورات الحياة اليومية.. وهم ينتظرون تدفق المياه أو عودة الكهرباء المقطوعة، لقد التهمت الحرب جانبًا كبيرًا من ميزانية البلاد.

ويسعى الحصار الذي أعطت الولايات المتحدة إشارة بدء فصل جديد فيه بالتهديد بفرض حظر جوي على الجنوب وجبال النوبة... يسعى هذا الحصار للإتيان على بقية الميزانية حتى تسقط الدولة بشمالها وجنوبها في قبضتها -لا قدر الله-.

المتوسط العام للدخل الشهري هو ۲۰۰ ألف جنيه سوداني أي ما يقرب من مائة دولار، بينما كيلو اللحم وصل ٧ آلاف جنيه وأجرة المواصلات ۲۰۰ جنيه، جالون البنزين وصل ثلاثة آلاف جنيه، أما الخبز فهو بين ٢٥٠ جنيهًا، وهكذا تسير الحياة.. حصار من كل اتجاه، حتى برنامج المساعدات من صندوق النقد توقف وحرم السودان من ۸۰۰ مليون دولار سنويًا.

نعم الإنجازات على مستوى التنمية والإنتاج تسابق الزمن ولولا توفيق الله لهذا البلد في تحقيق مساحات واسعة من الإنجازات الكبيرة لكان هناك أمر آخر، فمن واقع السجلات الرسمية وخلال السنوات العشر الماضية حقق التصنيع نموًا بنسبة 15%، وأصبح هذا القطاع يساهم بنحو 30٪ من جملة الإيرادات العامة وبلغت صادراته ۲۰۰ مليون دولار، وتحقق الاكتفاء الذاتي من الحبوب واللحوم والسكر والمنتجات الزيتية و ٢٥ نوعًا من الأدوية الأساسية فقد بلغ حجم الإنتاج الكلي من الحبوب ٤.١ ملايين طن بعد مضاعفة المساحة المزروعة بالحبوب، وارتفع عدد قطعان الثروة الحيوانية من ٣٠ مليون رأس عام ۱۹۸۹م إلى ۱۲۲ مليون رأس هذا العام، تسهم في عائدات التصدير بـ23% من إجمالي الصادرات.

 وزادت مساهمات القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي من 28%إلى 48%، وزاد توليد الكهرباء من ٢٦٧,٦ ميجاوات عام ١٩٨٩م إلى ٣٠٧,٦ ميجاوات هذا العام، وبالإجمالي ارتفع معدل نمو الناتج المحلي من ١٪ في عقد الثمانينيات إلى ٨% ووصل إجمالي الدخل من الصادرات إلى ۷۲۱ مليون دولار.

والسؤال المطروح: أين تذهب تلك الأموال... وأين تأثير هذه الزيادات في الإنجاز؟

هناك اتجاه عام في الدولة أكده كل من قابلته من المسئولين وهو الحرص على استثمار المدخولات من الصادرات ومن الزيادة في الإنتاج في إنجاز البنية التحتية في كل أنحاء السودان «٢٦ ولاية»، والإحجام عن إهدارها كلها في توفير الغذاء والخدمات السريعة، إضافة إلى ذلك، فإن كل هذه الإنجازات وإن كانت تمثل طفرة، إلا أنها ليست الطفرة التي تحقق الرفاهية أو تحل كل المشكلات، وإنما التي تخرج السودان من تحت الأرض إلى فوقها استعدادًا للانطلاق السريع.

وربما الذي يولد مصداقية الحكومة لدى قطاعات الجماهير أن الناس لا تشهد إسرافًا أو تبذيرًا أو نهبًا للمال العام، وإنما بساطة في كل شيء إلى حد ما، وكثير من الناس يتفهم ما تسير عليه الحكومة، ولذلك تلاحظ التجاوب الجماهيري، كما أن فضيلة الصبر الطويل التي وهبها الله للسودانيين، تساعد الناس على مواصلة الحياة بقوة والمشاركة في مراكز التطوع وتحقيق المشروعات التي تروج لها الحكومة... مثل لواء حماة البترول.. مراكز التطوع للجهاد... برنامج الطالب المنتج في الصيف... إلخ.

التفعيل الاجتماعي

اللواء الطيب إبراهيم محمد وزير التخطيط الاجتماعي، يؤكد أن إشراك المواطن في إدارة البلاد وفي الهم العام للوطن ووضعه في بوتقة المشروع الوطني كان هدفًا أساسيًا من أهدافنا وقد اتجهنا لتحريك الناس وتفجير طاقاتهم وكوامنهم من خلال بث القيم الإسلامية وتفعيلها في قلوبهم، وكان لذلك أثر إيجابي.

ويؤكد أنه لا توجد دولة تقود معركتي التنمية والحرب معًا لأنهما معركتان متضادتان، ولا يمكن أن يجتمعا في دولة، ولكنهما اجتمعتا في السودان.

وبمناسبة إشراك المواطن على أوسع نطاق فإنه يجدر القول إن تجربة الفيدرالية في الولايات السودانية الست والعشرين، فتحت مجالًا واسعًا أمام هذه المشاركة، فهناك حكومة الولاية وبرلمانها، وهناك حكومة محلية بصلاحياتها ومجالسها التشريعية، وهناك الحكومة الاتحادية وقد صارت كل ولاية بمقتضى هذا النظام أشبه بجمهورية مستقلة في إدارة شؤونها الداخلية وتشكيل برلمانها وحكوماتها وتنفيذ خطط التنمية معتمدة على مواردها، وقد جعل هذا النظام الجميع يدرك مسئولياته في إطار الشورى.

 حتى داخل القبيلة ذاتها، فقد صار أمرها يدار بالشورى، بعد أن كانت كل الأمور مركزة في يد شيخ القبيلة، يقول الناجي محمد عربي سكرتير مجلس شورى قبيلة «الارنقا» في غرب دارفور: إن مجلس شورى قبيلته يتشكل من ٤٠ شخصًا، وكلهم منتخبون من القبيلة، ويعقد كل عام اجتماع عام للقبيلة، يقدم فيه شيخ القبيلة ومجلس الشورى الإنجازات التي قاموا بها، ثم يجري التصويت على بقاء المجلس وشيخ القبيلة أو تغييرهم ويكون القرار للتصويت العام والحر.

كل تلك محاولات للنهوض تنمويًا وسياسيًا واجتماعيًا في إطار مشروع طموح، وإن كان قد حقق خطوات ناجحة، فإنه مازال هناك شوط طويل حتى يتحقق نموذج الدولة العصرية.

 وليس كل الناس هناك مقتنعين بجدوى ما يجري أو حتى راضين عن وجود النظام القائم هناك شرائح ناقمة سياسيًا على الأوضاع وهناك آخرون نفد صبرهم بعد أن أرهقتهم مطالب الحياة المعيشية وضروراتها وحرك سخطهم ضعف بعض الخدمات وبطؤها بسبب وباء الروتين الذي يصيب بلادنا في العالم الثالث.

 في التحليل الأخير، فإن النظرة العامة لسودان اليوم.. تكشف بلدًا منهكًا بحرب متمردة قاربت على العشرين عامًا ومازال الغرب ينفخ في أوارها، ومنهكًا بحصار دولي يسعى لسد منافذ الهواء -إن أمكن- حتى يموت مخنوقًا دون أن يدري به أحد، ولكنه مع كل ذلك يحاول النهوض وتكسير القيد وقد نجح، ولكن محاولات دفنه تحت الأرض مرة أخرى مازالت جارية على قدم وساق، بينما أهله يواصلون الإصرار على الانطلاق معتمدين على الله.

«المقرن».. نقطة البداية لنهر النيل

«المقرن».. موقع اقتران النيل الأزرق بالنيل الأبيض ليندمجا في مجرى واحد هو نهر النيل... والناظر من بعيد إلى هذا الموقع يستطيع أن يميز مياه النيل الأزرق الرمادية الداكنة عن مياه النيل الأبيض الرمادية الفاتحة ويفصل بينهما خيط واضح.

.. في هذا المكان تسجل لحظة اندماج النهرين في لقاء حار فالنيل الأزرق قطع طريقه من منابعه في إثيوبيا، والنيل الأبيض قطع مئات الكيلو مترات من منابعه في أوغندا، وقبل أن يلتقي النهران بعشرات المترات يتفرع كل منهما إلى فرعين، بينهما جزيرة خضراء، وإن كانت جزيرة النيل الأبيض صغيرة جدًا، إلا أن جزيرة النيل الأزرق كبيرة جدًا وعتيقة.. ويطلق عليها اسم جزيرة «توتي» وهي شديدة الخضرة وعامرة بالسكان، وتقع في مقابل القصر الجمهوري بالخرطوم.

وبعد أن يلتقي الفرعان الأصليان للنهرين «الأبيض والأزرق» بعشرات الأمتار تنضم إليهما التفريعات الأخرى ليلملم النهر الكبير أجزاء مكونًا نهر النيل العظيم الذي ينطلق من «المقرن» إلى مصر قاطعًا أكثر من ألف كيلو متر بمياهه الرمادية المليئة بالطمي والخير.

 وليس «المقرن» هو موضع التقاء النيلين الأزرق والأبيض فقط فهو أيضًا موضع التقاء مدينتي الخرطوم وأم درمان، فعلى مقربة منه يوجد كوبري الخرطوم / أم درمان العتيق الذي يربط بين المدينتين.

الخرطوم تشهد حركة تمازج وانصهار بين الشمال والجنوب

3ملايين مهاجر يصنعون السلام على مشارف العاصمة ويكذبون مزاعم «الرق»

ثمة تطور مهم على صعيد الاندماج والتمازج بين أهل الشمال والجنوب وهو ما يصهر الطرفين رويدًا رويدًا في نسيج اجتماعي واحد، وإن كان ذلك يصادف بعقبات كبيرة.

فقد حرص الاستعمار الإنجليزي -كما هو معروف- على عزل الجنوب عن الشمال وجعل من الجنوب مناطق مغلقة حرم فيها السكان من التعليم والخدمات الإنسانية، وحرص على إبقائهم عند الحياة البدائية وشحنهم بكل ما استطاع من شحنات الغضب والحقد والعداء ضد الشمال وبعد الاستقلال حرص الاستعمار من خلال عملائه على استمرار هذا الوضع، بل وعمل على تعميق الهوة وإقامة المزيد منالحواجز والسدود الاجتماعية، لكن حرب الجنوب وإن كانت قد جرت الوبال على السودان، إلا أنها كانت أحد عوامل تفجير هذه السدود والحواجز الاجتماعية، فقد تسببت هذه الحرب في نزوح ثلاثة ملايين إلى الشمال استقروا في معسكرات على مقربة من أطراف الخرطوم، ورغم أن مفوضية العون الإنسانية الدولية تشرف عليهم غذاء ورعاية إلا أن عددًا كبيرًا منهم ترك المعسكر ودخل إلى الخرطوم... متجولًا فيها ... باحثًا عن فرصة عمل... أو حتى لقمة خبز، كما أن هناك عددًا كبيرًا اندفع بقوة الحرب إلى الشمال مباشرة يبحث عن وسيلة للحياة بعد أن فقد مقوماتها هناك.

في جولاتي المتعددة داخل الخرطوم وأم درمان المترامية الأطراف شاهدتهم في مواقع متعددة يمارسون الحياة دون تحفظ يسيرون في الشوارع يقفون عند محطات الحافلات يجلسون على المقاهي أو على الأرصفة... يمارسون أعمالهم دون توجس من جانبهم ودون رفض من الأخرين، ومعظم الأعمال التييمارسونها هي الأعمال اليدوية الدنيا خاصة أعمال «العتالة» في مشروعات المعمار.. نعم هي أعمال متواضعة، ولكن ذلك هو المتوافر في بلد مثل السودان.

وقد صار مألوفًا أن تجد بين الجالسين أو الواقفين أو العاملين في أي مكان شماليين وجنوبيين، كما صار مألوفًا كل يوم في المساء أن يتجمع عشرات من الجنوبيين على مقربة من أحد المطارات العسكرية انتظارًا لركوب الطائرة العسكرية اليومية التي تتوجه للجنوب وتكون العودة على الطائرة نفسها بعد زيارة الأهل هناك.

ولعل من الجدير بالتسجيل أن طبيعة الإنسان السوداني المتسامحة في التعامل تساعد كثيرًا في تقبل كل طرف للآخر.

هذا التحرك من الجنوب إلى الشمال وكذلك من الشمال إلى الجنوب يسهم إلى حد كبير في عملية الاندماج الاجتماعي وهو الأمر الذي يلفت إليه الانتباه أمين حسن عمر وزير الدولة للثقافة والإعلام وهو أحد الأدباء السودانيين، يقول: في ظل التعايش اليومي بين الجنوبيين والشماليين يحدث تبادل في العادات وتمازج ثقافي وتذوب الحواجز النفسية ويكتسب كل طرف من الأخر مكتسبات اجتماعية جديدة وذلك لا شك يصهر الجميع في نسيج واحد على المدى البعيد.. ويؤكد أن ذلك يسهم بطريق غير مباشر ودون مفاوضات أو اتفاقات في حل أكبر المعضلات بين الشمال والجنوب.

الكلام عن الشمال والجنوب يقودنا إلى نقطة مهمة ذات صلة وهي الادعاءات بممارسة السلطات السودانية «للرق»، ضد الجنوبيين وضد أهل منطقة جبال النوبة غرب البلاد، وهي الادعاءات التي روجت لها البارونة «كوكس» رئيسة منظمة «التضامن المسيحي» المدعومة من مجلس اللوردات البريطاني وذات العلاقة الوثيقة بجهات أمريكية مخابراتية.

 وقد حفل ترويج المنظمة لتلك المزاعم بدهاء وخبث وتوظيف حالة التوتر القائمة في الجنوب والغرب السودانيين توظيفًا إعلاميًا جيدًا، كما استخدم بعض المنظمات الأمريكية في عمليات الترويج مثل جمعية «هيومان رايتس واتش» كما حرك بعض الكنائس في حملة واسعة ومارست ضغوطها من خلال اللوبي الصهيوني داخل الكونجرس لإصدار توصية للحكومة الأمريكية بحظر الطيران جنوب وغرب السودان.

ورغم أن عضو مجلس اللوردات البريطاني «ماكينز» الذي زار السودان أكثر من مرة للتحقيق فيما تروجه المنظمة أكد أن اتهام السودان بممارسة الرق يفتقر إلى أدلة وبراهين كما أكدت منظمة «انتي سلفري إنترناشيونال» ما قاله اللورد «ماكينز» رغم كل ذلك ظلت منظمة «كوكس» تروج لدعايتها.

أكثر من مسئول سوداني.. مصطفى عثمان وزير الخارجية، أمين حسن عمر، وعلي الحاج استشهدوا بنقطة واحدة من الرد على هذه المزاعم وهي إن كان السودان يمارس «الرق» من خلال قيام القوات الحكومية بخطف الجنوبيين أو أبناء النوبة، لتشغيلهم في عمليات السخرة، كما تدعي المنظمة، فلماذا ترهق القوات الحكومية نفسها في عمليات القنص والخطف في هذه المناطق ولديها في الشمال ثلاثة ملايين لاجئ يمثلون نصف سكان الجنوب وتستطيع أن تستخدمهم فيما تشاء؟! لو كانت الحكومة تمارس الرق لمارسته على من هم بين أيديها، لكن حياة هؤلاء اللاجئين في ملاجئهم أو داخل المدن السودانية الشمالية أفضل ما يكذب هذه الادعاءات.

والسؤال المطروح على المنظمات الغربية... لماذا برزت حكاية «الرق» مع إعلان السودان توجهه الإسلامي، المسالة واضحة وهي محاولة الربط بين «الرق» وهذا التوجه، وكان هذا التوجه هو السبب في التشجيع على ممارسة الرق!! لكن تلك المزاعم تتبدد رويدًا رويدًا.

ملحمة عتق النفط السوداني من الهيمنة الأجنبية

دخول السودان عصر النفط لا يعني فقط تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض للخارج، وإنما يعني حصول السودان على ضمانة قوية لاستقرار اقتصاده وضمانة قوية للمستثمرين واستثماراتهم، وهو ما يشجع كثيرًا من المستثمرين على التوافد إلى السودان، أبرزهم الجانب الصيني والماليزي، وقد سبق هؤلاء جميعًا المستثمر الوطني، فعمليات الإنتاج وتشييد المصافي ومد الخطوط تتم في معظمها بأيد سودانية وبمشاركة أجنبية محدودة.

ومصفاة كونكورب التي أقيمت في الخرطوم والتي افتتحها الرئيس البشير يوم 30\6 الماضي مثال مهم على نجاح الأيدي والمال السودانيين في اقتحام هذا المجال.. يقول الدكتور عوض الجاز وزير الطاقة: إن المصفاة تم تشييدها بأيدي مهندسين كلهم سودانيون، واثنين من المهندسين الهنود واسم المصفاة هو نفسه اسم الشركة التي شيدتها «كونكورب»، وهي شركة سودانية عالمية مسجلة في الولايات المتحدة والهند وأوغندا، ومملوكة لسوداني هو السيد محمد عبد الله جار النبي، وهي التي بادرت بشراء حصة وممتلكات شركة «شفرون سودان» الأمريكية التي قررت الخروج من السودان عام ۱۹۹۲م، وال إلى كونكورب ٤٢ مليون فدان، تتمتع بامتيازات بترولية عالمية لا تقل عن ١,٣ بليون برميل وفي عام ۱۹۹۳م باعت كونكورب هذه الممتلكات للحكومة السودانية، بعد أن حررتها من قبضة الشركات الأجنبية على حد قول رئيس مجلس إدارتها.

وفي عام ١٩٩٦م، بدأت هذه الشركة في بناء مصفاة كونكورب التي تغطي استهلاك ولاية الخرطوم من النفط، وقد حرصت الشركة على تجميع الخبرات السودانية في إنجاز المشروع الذي بلغت تكاليفه ١٥ مليون دولار.

ويصف إدريس حسن -رئيس تحرير جريدة الرأي العام السودانية اليومية المستقلة- تجربة مصفاة كونكورب بأنها ملحمة تحرير البترول السوداني من قبضة الشركات الأجنبية، واعتبرت جريدة الوفاق اليومية المستقلة المستثمر النفطي محمد عبد الله أول مواطن سوداني يبدأ الاستثمار في النفط ويحل محل شركة شيفرون الأمريكية، وهو بذلك يدخل التاريخ من باب عتق النفط السوداني من القيد الأجنبي.

والذي يبدو من خلال زياراتي لمواقع بترولية أخرى أن المال والأيدي والخبرة الوطنية هي التي تمسك بزمام الهيمنة على عمليات الإنتاج، وإنكان الباب مفتوحًا لأي استثمار أجنبي خاصة أن هناك مواقع عديدة مبشرة بإنتاج كبير.

والموقع الذي بدأ الإنتاج الفعلي هو حقل «إجليج» على بعــــــد 160كم من ساحل البحر الأحمر، حيث سيتم التصدير للخارج من ميناء البشاير في شهر سبتمبر القادم، وفي زيارة نظمتها وزارة الطاقة لهذا الحقل لوحظ أن ما يقرب من نصف الوفد الزائر هم من الصينيين العاملين في مجال البترول.

ويغذي هذا الحقل «إجليج»، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية ١٥٠ ألف برميل يوميًا ثلاث مصاف إلى جانب مصفاة كونكورب وهي:

 مصفاة «المجلد» غرب السودان

 مصفاة الجيلي شمال الخرطوم

 ومصفاة البشاير.

وخلال عام واحد سيرتفع الإنتاج إلى ٢٧٠ ألف برميل يوميًا، تتزايد مع استمرار البحث والتنقيب.

 ولم يخل احتفال السودانيين بإنتاج النفط من محاولات لتعكير صفو الحدث، فقد هدد جون جارانج أكثر من مرة بتدمير خطوط البترول، وجاء التهديد الأمريكي الأخير بفرض حظر جوي على جنوب وغرب السودان ليلقي بتخوفات من إقدام الولايات المتحدة على ضرب هذه الخطوط كما فعلت مع مصنع الشفاء، السؤال فرض نفسه بقوة على الساحة.. ماذا يفعل السودان، وبماذا استعد...؟! الرئيس البشير نفسه أكد في أكثر من تصريح أن بلاده لن تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي وهو التأكيد نفسه الذي كرره الدكتور مصطفى عثمان وزير الخارجية، وعلى الصعيدالعملي فقد تمركز عشرات الآلاف من المتطوعين المدربين جيدًا عند المناطق المهمة من خطوط البترول في إطار حملة نظمتها الحكومة أطلق عليها «لواء حماة البترول»، وهي الحملة التي تجاوب معها عدد كبير من الشباب، وربما كان هذا الاستعداد يجدي نفعًا مع هجمات جارانج لكنه بالطبع لا يفيد مع الضربات الجوية والصاروخية.

على جانب آخر، فإن نشاطًا كبيرًا يجري في ميدان الاستثمار بقطاع التعدين.

 أوراق وزارة التعاون الدولي والاستثمار تقول إن إجمالي الاستثمارات في قطاعي الطاقة والتعدين بلغ ٥.٤ مليار دولار، وهو أكبر حجم للاستثمار في تاريخ البلاد، وإن إنتاج الذهب بلغ خمسة أطنان ونصف الطن من الذهب الخالص، حققت ٦٢ مليون دولار، وقد عقدت مؤخرًا اتفاقات جديدة للتنقيب عن الذهب في شمال وغرب ووسط البلاد، كما عقدت اتفاقات للتنقيب عن الفضة والزنك والرصاص والحديد، والذي يبدو أن الأرض تخبئ في باطنها مكنونات كبيرة من الخيرات والثروات.

طفرة تعليمية

30 جامعة تضم ربع مليون طالب وتساهم في إعادة صياغة المجتمع

امتداد الجامعات إلى الولايات الجنوبية يزيل الشعور بالظلم التعليمي

 طفرة نوعية وكمية يشهدها قطاع التعليم في السودان.. واقع الأرقام يقول إن السودان كان به ست جامعات فقط قبل عشر سنوات تضم ٥ آلاف طالب، واليوم يصل عدد الجامعات إلى ٣٠ جامعة تضم في مدرجاتها على الأقل ٢٥۰ ألف طالب وطالبة «ربع المليون» وتنتشر هذه الجامعات في شتى أنحاء السودان، وهو ما ولد شعورًا بالعدالة والمساواة، وبداية اهتمام النظام بتوزيع الخدمة التعليمية على كل أبناء السودان، ولطالما شعر أبناء الولايات النائية على حدود السودان بالإجحاف التعليمي ضمن سلسلة الإجحافات في الخدمة الوطنية والمواطنة.

قد يبرز سؤال هنا: إذا كان السودان وفر من الإمكانات ما أضاف ٢٤ جامعة خلال عشر سنوات، فمن أين وفر الكادر التعليمي لهذا العدد الكبير؟ والذي يخفى على البعض أن السودان الزاخر بثروات طبيعية زاخر أيضًا بثروة كبيرة من الكوادر والنخب العلمية التي أثبتت جدارة في إدارة العملية التعليمية.

ولم تعد الجامعات السودانية تسع أبناء السودان في الداخل فحسب، بل فتحت أبوابها لأبناء السودان في الخارج.. يقول وزير التعليم العالي إن وزارة التعليم اتخذت قرارًا قبل ثلاثة أعوام بفتح الجامعات لكل سوداني يتلقى تعليمًا في الخارج دون قيد أملًا في عودتهم، وبالفعل عاد عدد هائل من السودانيين والتحقوا بالكليات المناظرة، بل إن حركة إقبال من الأجانب على الدراسة في الجامعة السودانية بدأت تظهر.

وهناك ملاحظة جديرة بالتوقف وهي أن هذا العدد الكبير من الطلاب يجري استثمار جهوده وحماسه واندفاعه نحو الإسهام في عمليات بناء المجتمع من خلال مشاريع عدة أبرزها المشروع القومي للإجازة الصيفية، والذي ينظم قوافل للطلاب في معسكرات عمل تنتشر في أنحاء البلاد لتقديم الخدمة في الولايات السودانية بالتنسيق مع حكومات هذه الولايات، وتقوم هذه القوافل بالإسهام في محو الأمية وعمليات التوعية الثقافية في التعليم والمشاركة في المشاريع الزراعية والطبية كل حسب تخصصه، وقد أسهم الإعلام السوداني وخاصة التلفاز في تغطية هذه الأنشطة تغطية جيدة، وذلك في إطار تغطياته المتواصلة لكل الأنشطة.

وفي داخل الجامعات وعلى أسوارها -خاصة جامعة الخرطوم أكبر الجامعات السودانية- تظهر بوضوح لافتات البرنامج الصيفي بكلمات قليلة وبلغة متواضعة، لكن الإقبال والتجاوب كبيران.

 وفي إطار التطوير الذي شهدته معظم المؤسسات التعليمية تم تحويل كلية القرآن الكريم ومعهد أم درمان العلمي إلى «جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية»، والتي أصبحت تضم كليات: الشريعة- اللغة العربية- الدعوة والإعلام- القرآن الكريم.. وكلية منفصلة للدراسات العليا، وينتظم في الجامعة حوالي ١٤ ألف طالب وطالبة.

وخلال تسع سنوات من إنشائها (۱۹۹۰م) أصبح لهذه الجامعة تسعة أفرع في ولايات السودان، وتضع في خطتها التواجد في جميع ولايات السودان الستة والعشرين «الولاية تضم من ٤- ٧ محافظات».

يقول الدكتور حامد إبراهيم -رئيس الجامعة-: إنها من خلال اسمها تقوم على العناية بالقرآن الكريم تعليمًا وفقهًا، ومن هنا فشروط الالتحاق بها تتعلق بحفظ القرآن الكريم بدرجات متفاوتة من كلية إلى أخرى أقلها أن يتخرج وهو حافظ لنصف القرآن على الأقل.

ويؤكد الدكتور حامد إبراهيم: هدفنا الأسمى الإسهام في تربية الطالب على فهم الكتاب والسنة وتوسيع دائرة معارفه، وإتاحة الفرصة له لمواصلة دراساته العليا إكمالًا للسلم التعليمي القرآني.

 ويضيف: إن إعداد الطالب بهذا المستوى وربطه بأساسيات قيمه يحيي في داخله نزعة المقاومة لكل ما يتهدد قيمه وأخلاقه وعقيدته، ولا شك أن ذلك كله يسهم بشكل كبير في تعضيد الجهود الجارية على كل المستويات لإعادة صياغة المجتمع على فهم الكتاب والسنة النبوية.

يشير إلى أن الامتداد الأول للجامعة كان في جنوب السودان اهتمامًا بالمنطقة، وأصبح لها ثلاثة فروع تضم ٤٠٠ طالب، وهذه الفروع تتركز في:

- ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل الكبرى وقد خرج هذا الفرع حتى الآن ثلاث دفعات.

- جوبا عاصمة ولاية بحر الجبل الكبرى، وفيها يتم افتتاح كلية من نوع جديد هي كلية «تنمية المجتمع»، وتتخصص في تنمية المجتمع ثقافيًا وإسلاميًا وبينيًا.

فالمستوى التعليمي هناك ليس بالمستوى الذي يؤهل الطالب لدراسة علوم القرآن والشريعة وغيرها، وإنما المستوى متواضع وقد شعرنا من خلال الدراسة الميدانية أن سكان الولايات الجنوبية «۱۰ ولايات» بحاجة -من الدرجة الأولى- لمعلومات معرفية في مجالات مختلفة، فاستقر تفكيرنا على إنشاء هذه الكلية لنشر المعرفة الإسلامية والثقافية، وتقديم مناشط تدريبية في مجالات خدمة المجتمع. تربويًا.. إداريًا.. رعاية اجتماعية.. وتقوم الكلية بدورها هذا في إطار من التعاون مع الأجهزة المختصة في الولاية حتى تتكامل حركة المجتمع في المجالات المختلفة.

 ويضيف الدكتور حامد أن هذه الكلية تقوم على نظام الدورات القصيرة والطويلة لمدة عامين يتم خلالها محو الأمية، ومنح دبلومات متوسطة للمتعلمين في مجالات التربية وقيادة المجتمع.

- ويشير إلى أن الطالب يحفظ خلال مدة الدراسة «عامين» ٣ أجزاء من القرآن.

- الفرع الثالث في مدينة «واو» عاصمة ولاية بحر الغزال الكبرى وهذا الفرع يتمثل في كلية «اللغات» وفيها يتم تدريس اللغة العربية واللغة الإنجليزية، ولغات شرق إفريقيا، وتقوم الدراسة فيها على نظام الدورات أيضًا.

 ويعيد الدكتور حامد التأكيد على مضي الجامعة قدمًا في افتتاح مزيد من الفروع حتى تتم تغطية كل ولايات السودان الست والعشرين. ويلفت الانتباه إلى أن الجامعة مفتوحة لكل السودانيين مسلمين وغير مسلمين، كما أن نسبة الطالبات بها تصل 50%.

جامعة إفريقيا العالمية.. تجمع عالمي من ٥٠ دولة

جامعة إفريقيا العالمية تمثل خطوة متطورة للمركز الأفريقي الإسلامي، ورغم أن نشأتها لم تتجاوز بعد ثماني سنوات (۱۹۹۱) - (۱۹۹۹م) إلا أنها تنمو باضطراد على أكثر من صعيد فقد بلغ عدد الدارسين فيها ثلاثة آلاف طالب يشكلون تجمعًا عالميًا فريدًا من أكثر من ٥٠ دولة إسلامية وإفريقية، جاء كل بثقافته الوطنية وعاداته في اللباس والطعام، وممارسة الحياة، ووجد نفسه في بوتقة الجامعة ينصهر مع غيره من ذوي الثقافات والعادات والأفكار، حيث يتم التفاعل الذي يستفيد منه الجميع.. وتلك ميزة أصيلة تجعل الجامعة تكتسب صفتها العالمية رغم قلة إمكاناتها وقلة تعداد المنتسبين إليها.

 يقول الدكتور عبد الحميد علي إبراهيم- مدير الجامعة-: إنها من المؤسسات السودانية التي قفزت من المحلية إلى العالمية بالإمكانات البسيطة، وهي تواصل طريقها نحو استكمال بناء بقية الكليات: الزراعة.. الهندسة.. حتى تكون شاملة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

322

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 6

166

الثلاثاء 21-أبريل-1970

نهر الذهب الضائع

نشر في العدد 7

139

الثلاثاء 28-أبريل-1970

العمال - العدد 7