العنوان السوفيت يتطلعون للخليج
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 756
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 25-فبراير-1986
بعد أن قررت دولتا سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة إقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي على مستوى السفراء في شهري سبتمبر ونوفمبر الماضيين، أخذت أنظار السوفيت تتجه نحو الخليج، وفي هذه الأثناء كان الاتحاد السوفيتي يدفع بعلاقاته السياسية والعسكرية والاقتصادية مع دولة الكويت، وهي أول دولة خليجية تتبادل السفراء مع موسكو منذ عام ١٩٦٣.
المثال الكويتي
فعلى صعيد العلاقات الثنائية بين الكويت والاتحاد السوفيتي شهدت هذه العلاقات قفزات نوعية في الأشهر القليلة الماضية، تتوجت بالتوقيع على اتفاق للتعاون المشترك في مجالات بناء المنشآت النفطية والمشاريع الأخرى في كلا البلدين وبلدان أخرى، وكذلك التعاون في عمليات التبادل الخاصة بتجارة النفط ومشتقاته والبتروكيماويات، وتبادل الآراء في السوق العالمية للنفط. وكذلك التعاون في المجال المصرفي بين الدولتين. وقد تم التوقيع على الاتفاق في موسكو يوم ١١ فبراير الجاري أثناء زيارة قام بها لموسكو وزير النفط الشيخ علي الخليفة قابل خلالها بالإضافة لوزير التجارة السوفيتي رئيس الوزراء نيقولاي ريتشكوف الذي يوصف بالرجل الثاني في موسكو بعد غورباتشوف.
وكان وزير الدفاع الشيخ سالم صباح السالم قد استقبل نائب وزير الدفاع السوفيتي فلاديمير غوفروف الذي زار الكويت خلال الفترة ١٧- ٢٣ يناير الماضي، ردًّا على زيارة الشيخ سالم صباح السالم لموسكو في يوليو ١٩٨٤.
وقد أسفرت الزيارة عن إبرام صفقة سلاح قدرت بـ۳۲۷ مليون دولارًا لشراء صواريخ سام متعددة الأنواع، ولدعم الدفاعات الجوية الكويتية. كما عقد غوفروف محادثات سياسية مع وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد تناولت مختلف القضايا العربية والدولية، وخاصة الحرب العراقية- الإيرانية. وكانت الكويت قد اشترت أسلحة سوفيتية «صواريخ» عام ١٩٨٤ وسبقتها الصفقة الأولى عام ١٩٧٧.
وقد توصلت الكويت والاتحاد السوفيتي لتوقيع اتفاق تجاري يوم ١٤ نوفمبر الماضي، وكان البلدان قد وقعا من قبل على اتفاقية للتعاون الفني والاقتصادي في ٢٧ فبراير ١٩٦٥.
ولسنا هنا بصدد تسجيل تاريخ العلاقة بين الكويت والاتحاد السوفيتي؛ ولكننا نريد أن نوضح بأن هذه العلاقة التي توصف عادة بأنها تصلح أن تكون نموذجًا للتعاون بين بلدين ذات نظامين اجتماعيين متباينين، تعطي مؤشرًا بالإضافة لمؤشرات أخرى حول تطلع الاتحاد السوفيتي لتنشيط علاقاته مع دول الخليج العربية.
وقد فهم بعض المراقبين من حديث رئيس مجلس الوزراء البحريني الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة لصحيفتي أخبار الخليج والجلف ديلي نيوز البحرينيتين في شهر نوفمبر الماضي، عن إمكانية قيام علاقات دبلوماسية مع السوفيات.
موسكو تغازل الرياض
ومع أن السوفيت حريصون على تنشيط علاقاتهم مع جميع دول الخليج العربية إلا أن أكثر دولة تعنيهم هي المملكة العربية السعودية.
في بداية الأسبوع الماضي خصصت وكالة تاس السوفيتية الرسمية تعليقًا بمناسبة مرور ستين عامًا على المذكرة الدبلوماسية التي اعترفت فيها الحكومة السوفيتية بالدولة السعودية الجديدة عام ۱۹۲٦.
وقد كتب التعليق المحلل في الوكالة فيكتور ليبيديف الذي ركز على أهمية التعاون السوفيتي السعودي. وقد أوضح المعلق سبب هذا التعاون وبين أساسه بقوله: «إن الطبيعة المعقدة للموقف الدولي، وتفاقم الصراع في الشرق الأوسط بسبب إسرائيل والتوتر المتزايد في منطقة الخليج العربي تدعو إلى تنشيط العلاقات».
وأضاف التعليق: «ليس للاتحاد السوفيتي مشكلات مثيرة للجدال مع السعودية، ولا شيء يمنع البلدين من تنمية علاقاتهما»، وقال: «يمكن للاتحاد السوفيتي والسعودية أن يفعلا الكثير إذا عملا معًا على تسوية الصراع في الشرق الأوسط، وما من شك في أن تنمية العلاقات سيفيد الدولتين».
وإذا كان الغزل مع دول الخليج والدول العربية قد بدأ مع تفاقم ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، فإن مغازلة السوفيت لدول الخليج بدأت منذ بداية الثمانينيات من خلال دعوة بريجينيف للولايات المتحدة لتحييد منطقة الخليج، وتجدد الغزل منذ اشتعال الحرب العراقية- الإيرانية الذي بلغ أوجه عندما قال رئيس دائرة الإعلام الدولي في الحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد زامياتين في يوليو ١٩٨٥: «إن الاتحاد السوفيتي يدرك مخاوف دول الخليج، ويتضامن مع رغبتها في التصرف بحرية، ومن دون أي تدخل أجنبي».
حياد لا ينفع
وكتعزيز لهذا الرأي تجنب السوفيات فيما يبدو عدم التدخل في الصراع بين رفاق الحزب الاشتراكي اليمني الجنوبي في الشهر الماضي، كما دعا السوفيت مؤخرًا لضرورة وقف إطلاق النار على الحدود العراقية- الإيرانية، والتحرك الدبلوماسي لمنع توسيع هذه الحرب، لكن هذه المساعي لم تؤد لنتيجة بل إن دولتين عربيتين حليفتين للسوفيت وقفتا إلى جانب إيران، كما ترددت أنباء غربية عن تنسيق أمريكي- سوفيتي لإبقاء أوار الحرب مستعرًا بين العراق وإيران فقط.
وعليه فإن حجة الموقف السوفيتي الداعي للسلام والحياد تبدو غير قوية، ومع ذلك فإننا نتوقع أن تنشط العلاقات الخليجية- السوفيتية إلى حد التمثيل الدبلوماسي.
علاقات اقتصادية
لعل العلاقات الكويتية- السوفيتية تصلح مثالًا لتطور العلاقات السوفيتية الخليجية؛ فالعلاقات الكويتية السوفيتية تقوم من الجانب الكويتي على أساس مبدأ التوازن في العلاقات الدولية من جهة، وتحقيق المصالح الاقتصادية من جهة أخرى. ومع أنه من الصحيح القول بأن حجم دولة الكويت حتم عليها الأخذ بهذه الزاوية، إلا أن تطور العلاقات الدولية وخاصة العلاقات العربية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، قد رسخ القناعة بضرورة التعاون مع جميع القوى الدولية بما في ذلك ثاني أكبر قوة في العالم الاتحاد السوفيتي. ومن جهة الاتحاد السوفيتي الذي ظل يثابر للحصول على نصيب في كعكة الشرق الأوسط، وجد أن من مصلحته، خاصة بعد مجيء غورباتشوف المجدد والمنفتح سياسيًّا وفكريًّا أن يبني علاقاته مع مختلف دول المنطقة بغض النظر عن نظامها الاجتماعي أو ولائها السياسي. وكتمهيد لهذا التحرك كان السوفيت قد نصحوا حكام عدن الموالين لهم بضرورة التعايش مع الدول المجاورة، وبناء على هذه النصيحة تمت تسوية المشاكل الحدودية مع كل من اليمن الشمالي وسلطنة عمان، وتم إخماد ثورة ظفار.
ولما كان الاتحاد السوفيتي أكبر دولة منتجة للنفط في العالم وهو خارج أوبك، ويزود أوربا بحوالي ١٥% من وارداتها النفطية فإنه يمكن أن يلعب دورًا مؤثرًا في وضع حد لتدهور سوق النفط ومساعدة أوبك، الأمر الذي يجعل التعاون في مجال الصناعة النفطية والبتروكيماويات هو أحد صور العلاقات السوفيتية الخليجية.
وكان الاتحاد السوفيتي قد بدأ بشراء النفط السعودي منذ عام ٨٣ وبلغت قيمة هذه المشتريات ٤٠ مليون دولار. كما بدأت العلاقات التجارية بين الاتحاد السوفيتي والإمارات منذ أوائل الثمانينيات.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار حاجة الاتحاد السوفيتي للعملات الصعبة التي غالبًا ما تأتي على شكل أثمان لصفقات أسلحة ومبادلات تجارية، فإننا نميل إلى القول بأن مستقبل العلاقات السوفيتية الخليجية سيدور في هذا الإطار. مع أن هذا النوع من العلاقات تقف في طريقه عقبة تأخر التكنولوجيا السوفيتية مقارنة بالتكنولوجيا الغربية.
تقدم محدود
أما في المجال السياسي فنعتقد أن آمال التقدم فيه محدودة لأسباب مؤقتة وأخرى دائمة.
فأزمة الشرق الأوسط وحرب الخليج بالرغم من كون الاتحاد السوفيتي دولة عظمى إلا أنه يملك هامشًا ضيقًا للتأثير فيهما؛ فمن جهة الشرق الأوسط يعترف الاتحاد السوفيتي بإسرائيل ويرغب في تقوية العلاقات معها، كما أن حلفاءه العرب متفاهمون معها بصورة غير مباشرة، والحرب العراقية-الإيرانية كل ما يستطيع التأثير فيها هو التعاون مع أمريكا لعدم توسيع الحرب بحيث تهدد دول المنطقة، ولأن استمرار الحرب يحقق له بعض الأهداف الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، ودول الخليج تختلف مع الاتحاد السوفيتي بسبب انتقاده لقيام مجلس التعاون، وبسبب موقفه في أفغانستان.
أما المشكلات الدائمة فهي تناقض الفكر الشيوعي مع العقيدة الإسلامية والأطماع السوفيتية في منابع النفط والمياه الدولية العربية منذ أيام القياصرة، ومهما دافع السوفيت عن هذه المقولة من خلال نسبتها إلى الدوائر الإمبريالية، فإن الغزو السوفيتي لأفغانستان يثير المخاوف بشأن صحتها.
وإذا وضعنا في الاعتبار تراكم التبعية للغرب منذ عهود الاستعمار وتفوق الغرب التكنولوجي، فإن المراقب يملك أن يتوقع بأن العلاقات الخليجية والعربية ستظل مع الغرب أعمق وأشمل وأقوى، خاصة وأن معظم أرصدة النفط مستثمرة هناك ولا تملك من الغرب فكاكًا.
دعوة
ومن هنا فإننا وإن كنا نؤمن بجدوى التوازن في العلاقات مع القوى الدولية، إلا أننا ننبه إلى خطورة تطور هذه العلاقات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل