; السياسة.. بين السلوك «الأخلاقي» و«التدبير التعاقدي» (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان السياسة.. بين السلوك «الأخلاقي» و«التدبير التعاقدي» (1 من 2)

الكاتب د. محمد يتيم

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 52

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 66

السبت 12-أبريل-2008

المتأمل للتاريخ الإسلامي المعاصر يلاحظ كيف لبست ظاهرة «الإرجاء السياسي» لبوسًا جديدًا، وكيف أصبح يروج بعض الناس خطابًا مستقذرًا للعمل السياسي، داعيًا إلى ترك الناس لرب الناس والدنيا لأرباب الدنيا، وأن «نفسًا تنجيها خير من إمارة لا تحصيها». إلى غير ذلك من مقولات الإرجاء السياسي التاريخي الذي وجد له اليوم لبوسًا معاصرًا، في حين أن النبي ﷺ جعل السياسة العادلة من أول موجبات الاستظلال بظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

لكن من قال إن ممارسة السياسة عمل سهل، وإن الداخل إليها سيجد على جنبتي طريقها ماء زلالًا، وريحانًا ووردًا، وجنات من الزهد والورع بهجة للناظرين؟! ومن قال أيضًا، إنها ليست سوى مرتع خاص بأهل الضلال والشياطين، وأن الشر فيها هو الأصل، وأن غيرها من أهل التجارة أو الصناعة أو الثقافة أو الوعظ والإرشاد ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟

هناك حقيقة وجب بيانها والتأكيد عليها، وهي المفاسد التي يمكن أن تأتي إلى العمل السياسي من قبل المشتغلين به -لا من قبله- لا تبرر استقذاره واعتزاله، فتلك المفاسد من قبيل التنازع وحب الجاه والسلطان وحبك المؤامرات، وسوء الظن و«الميكيافللية» توجد حتى عند بعض المنتسبين للدعوة والتصوف والعلم والفقه، ولم يخل منها زمان ومكان، وإن كانت أظهر وأبين في مجال السياسة.

بل أدهى من ذلك أن يكون بعض هؤلاء مستخدمين في مؤامرات وألاعيب ذوي السلطان. ولذلك أصبح من اللازم إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وبيان أهميته ومكانته بعيدًا عن أي وهم بإمكانية إلغاء السياسة أو تركها «لأهل السياسة ومحترفيها»، فقد رأينا في تجارب قريبة وبعيدة كيف تحول هذا إلى موقف يصب في خدمة أطراف سياسية بعينها.

ومن جهة ثانية، فإن ممارسة السياسة في نطاق الرسالية-أي في إطار القيم والأخلاق وتحصين العمل السياسي من الآفات - لعل ذلك من أعظم القربات إلى الله ومن أعظم الممارسات الدعوية.

ألم يجعل النبي ﷺ الإمام العادل في صدارة ترتيب السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فسبق في الترتيب رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلًا قلبه معلق بالمساجد، ورجلًا متعففًا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه!

ففساد السياسة من قبل بعض المتعاطين لها لا يعني فساد السياسة، بل إن اعتزال السياسة مدعاة من الصالحين لتركها في يد الفاسدين والمفسدين.

قضية أخرى تتعلق بمنهجية مقاربة الآفات التربوية التي يمكن أن ترتبط بالعمل السياسي. فأقول، وجب مقاربة الآفات المذكورة بمنهجية واقعية وغير مثالية، من خلال الاعتراف بأنها ظواهر بشرية إنسانية، وأن الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية بشر كغيرهم من البشر، يمكن أن يتسرب إليهم ما تسرب إلى التجمعات السياسية.

فالآفات الملازمة للعمل السياسي يمكن أن تلحق العاملين في الحقل الإسلامي، لكن كثيرًا من الإسلاميين يتعاملون مع أنفسهم وإخوانهم وكأن الأمر يتعلق بملائكة، ولعل ذلك ناشئ عن قراءة مغرقة في المثالية، أنشأتها الضرورة التربوية في كتب السلوك والتصوف والمناهج التربوية للحركات الإسلامية الحديثة التي تقدم لنا صورة انتقائية «ملائكية»! عن المجتمع الإسلامي الأول.

لكن ما نود التنبيه عليه هو أن المقاربة الأخلاقية والتربوية على الرغم من أهميتها وضرورتها تبقى غير كافية، ولربما كانت أكبر ثغرة في التاريخ السياسي الإسلامي هو أن النموذج السياسي الإسلامي قد بقي رهنًا للقوة الأخلاقية، ولكن القوة الأخلاقية إن كانت تقوم على خلوص النية وسلامة الإرادة واستقامة التوجه إلا أنها ليست قادرة على تدبير الاختلاف ومعالجة التأول في الأموال، أو التأول في الدماء، أو التأول في الجاه، أي الشطط في استخدام السلطة!

وهو الأمر الذي جعل العقل الإسلامي يقف مشدوها أمام تلك المفارقة بين وصول الجيل الأول إلى أعلى درجات الكمال الخلقي، ودخولهم في حروب طاحنة بينهم وصفت بـ «الفتن» التي تترك الحليم حيران، وبين نجاحهم في اكتساح مجالات العلم والمعرفة والانسياب في الأرض في ظرف قصير من الزمن ينشرون نور الإسلام وحضارته، وبين هزيمتهم الداخلية في مجال تدبير شؤون اجتماعهم السياسي بطريقة سلمية.

الرابط المختصر :