; السيرة الذاتية | مجلة المجتمع

العنوان السيرة الذاتية

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2009

نشر في الصفحة 56

السبت 30-يونيو-2012

 شاركته أصابع يديه في كتابتها واجتهد منه العقل في صياغتها واهتمت حواسه بالأمر فأنصتت له وعملت معه

كلما أضاف سطراً من سيرته أو دون عملاً من أعماله ازداد إعجابه بنفسه وأخذ منه كل مأخذ

 جلس لترتيب السيرة وتجميلها وصياغتها بالأسلوب المناسب عسى أن تكون سببا في نيل تلك الوظيفة الجديدة

أتم صلاته وخرج منها وقد شعر بأنه صغير جدا أمام نفسه وأحس بالندم على بعض ذرات الكبر

استشعر النعمة أن عافاه الله وستره فخر ساجدا وقد أحس بالندم لما اعتراه من لحظات ضعف بشرية اختلطت بعجبه وإعجابه وهو يكتب سيرته

ذهب للصلاة وأثناء قراءة الإمام تذكر سيرته الذاتية وكيف أنه قد نسى قبح ما اقترف من ذنوب في سالف أيامه

أخذ يفتش ويبحث في كل الأوراق التي بين يديه، وهو يبعثرها بعصبية وقلق، وظل ينقب في الملفات المخزونة على الكمبيوتر الخاص به عله يجد بغيته، ويحصل على ما يريد.. كان التوتر ظاهراً على قسمات وجهه، وكلما وقع في يده شيء يراه مناسباً جمعه وسطره في صفحة فارغة لم يكتب فيها كلمة أو يخط على سطورها خط أو ينكت فيها نقطة.. وكان كلما وجد شيئاً من ذلك انفرجت أساريره، وهدأت نفسه وأحس بالزهو والانتصار.


ظل على هذه الحال يبحث طوال يوم مضى تبعته ساعات اليوم الذي يليه، وخرج بعدها بحصيلة لا بأس بها من المعلومات التي يريد جمعها وتمخضت بعد طول عناء عن ولادة عدة وريقات مليئة بالسيرة الذاتية التي تفصح عن حاله وشأنه، فقد كان مجبراً على ذلك ولا خيار أمامه لأنه سيتقدم لطلب وظيفة هي أفضل وأرقى من وظيفته الحالية وقد ظل يبحث عنها طويلا طويلا حتى طرقت في ذلك اليوم باب سمعه وعقله وقلبه ووجدانه ...

صياغة السيرة

وها هو قد جلس لترتيب السيرة وتجميلها وصياغتها بالأسلوب المناسب عسى أن تكون سببا في نيل تلك الوظيفة وهذا هو سر انشغاله بجمعها .

شاركته أصابع يديه في كتابتها، واجتهد منه العقل في صياغتها، واهتمت حواسه بالأمر فأنصتت له وعملت معه في هدوء تام يحسد عليه.

بدأ بالتسمية في نفسه، فهو يوقن تمام اليقين أن في التسمية بركة، وبدأت أنامله تلمس حروف الكلمات لتصنع منها مجتمعة أعمالا غاية في الأهمية، ومثلا في الروعة. لقد درست في سنة .... كذا وكذا من الدراسات، وتخرجت من جامعة .... وعملت في يوم .... كذا وكذا من الأعمال، حصلت على الدراسات العليا، وشاركت في العديد من المؤتمرات في مختلف الأماكن والبلدان عملت أعمالا خيرية وساهمت في مهام تطوعية، وقدمت خدمات اجتماعية.. لي باع طويل في مجال التعليم وتطوير الذات وفي مجال التنمية البشرية، وقد حصلت على العديد من الشهادات التقديرية .. أجيد بعض اللغات بالإضافة إلى لغتي الأصلية ودخلت عدة دورات علمية لتثبيت علمي وتطوير تخصصي وزيادة في الحصول على أعلى مستوى فيه .... و .... و .... إلخ.

 

زهو وعجب

كان كلما أضاف سطراً من سيرته أو دون عملا من أعماله، أو تذكر مرحلة من دراساته ازداد إعجابه بنفسه وأخذ منه كل مأخذ.. وصدق نفسه واستمع الحديث النجوى - التي هي من الشيطان - فيزداد ارتفاعه عن الأرض تيها وفخراً، ويتوالى صعوده إلى قمة عالية من الإعجاب والنشوة كل ذلك وهو مخمور بسكرة العجب، محجوب بنشوة النصر، مأخوذ بحلم الظفر بالوظيفة مشغول بأمنية الفوز بها دون غيره. 

ازداد إيقاع أصابعه على لوحة الحروف وهي تضم كل حرف إلى أخيه لتكون منها في النهاية صورة طيبة له بما قدم من أعمال حسنة لا سيئ فيها على الإطلاق، فهي صفحة بيضاء طاهرة نقية لا تشوبها شائبة كسل ولا يطالها أي خطأ ولا تلوثها مسحة من تقصير أو ذرة من إدانة، إذ توحي لمن تصله ويقرؤها أنه أمام إنسان قل في الدنيا نظيره، فما يتوقع منه في مستقبل الأيام والسنين إلا أفضل مما كان. 

أخذ يغذ سيره في كتابة سيرته خوفاً من أن يسبقه أحد، فتضيع عليه الفرصة ربما إلى الأبد، ويفوته شرف خدمة بلده ونشر علمه ونفع إخوانه فيجلس مع القاعدين المخلفين، أو ينوح حظه حيث لا ينفع النوح والبكاء والأنين.

حمل ثقيل

وأخيراً انتهي من رسالته، وهدأ قليلاً وأخذ نفسا عميقا وحمد الله تعالى، ثم أسند ظهره على مقعده وكأنه قد تخلص من حمل ثقيل كان يحمله، وبينما هو كذلك إذا بصوت المؤذن يعلو كل شيء ويطمس كل فكر إلا التفكير في أداء حق الله عز وجل فقام لتوه مسرعا وأسبغ وضوءه وخرج إلى المسجد.

 كان كل ما يشغل باله أن ينتهي من التقدم للوظيفة بأسرع وقت قبل أن ينتهي موعد التقديم، وكانت كل أمانيه تنصب في محيط الحصول عليها، وقد استغل الشيطان ذلك فحضر معه صلاته ليشوشها عليه ويسرقها منه، وبدأ يشغله بالوظيفة الجديدة والسيرة الذاتية.. هل نسيت منها شيئا .. فكر يا رجل.. إنها فرصتك.. لا تضيع الوقت.. هيا تذكر ... أتذكر كذا .. وكذا .. وكذا، ومع كل هذه المناوشات والوساوس التي تطارده وتنزع معها الخشوع منه إلا أنه انتبه فجأة على قراءة الإمام الخاشعة الندية وقد هزته، فقد كانت قراءة تأخذ بالألباب وتذهب بالعقول وتقطع أفئدة المصلين، فتذكر حينها أنه بين يدي الملك الجليل الذي بيده خزائن كل شيء، فليقف خاشعا داعيا ربه أن يمن عليه بالوظيفة ويجعلها له خيرا.

رهبة مزلزلة

وتتوالى الآيات في الركعة الأولى في خشوع، وتنساب حروف الكلمات الربانية لتملأ المكان بالجلال وتشحن النفوس برهبة تزلزل الأعماق وتخترق القلوب وتهز الأحاسيس.. ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ ( الكهف) .. تذكر سيرته الذاتية، وكيف أنه قد نسي مع جميل ما فيها قبح ما اقترف من ذنوب في سالف أيامه، وجرم ما ارتكب من  محظورات في سني عمره، وطار بنفسه وحلق مع كتابه يوم العرض والنشر .. كتاب أعماله وفيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير .. فاقشعر بدنه. 

وتأتيه الآيات تحمل معها الإفاقة التي ضاعت مع سيرته الذاتية منذ قليل .. ﴿ يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۢ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (القيامة). 

فيفيق من سباته وينتفض، ويعيش لحظات من القرب الحقيقي التي تسوق معها رياح الندم وسحابات التوبة، وغيث الإنابة وأمطار الأوبة، وإذا هو يحيا بالآيات ومع الآيات وقد وجل واقشعر جلده، وعاين جلال الموقف بقلبه حين تظهر المخبات والضمائر يوم تبلى السرائر»، ويرى أعماله قديمها وحديثها. أولها وآخرها صغيرها وكبيرها، معصية وشر، طاعة وخير ما أخر وضيع، ما سن من سنة وما ترك من أثر.. ويستمر الإمام في صلاته ... ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ , وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ (القيامة).. دمعت عيناه وتذكر حاله فبكى وازداد بكاؤه.

إحساس بالندم

أتم صلاته خلف إمامه، وخرج منها وقد شعر بأنه صغير جدا أمام نفسه، وأن ما كان منه حينما اغتر بما أنعم الله به عليه من علم ما هو إلا من همزات الشياطين فاستعاذ بالله منها، وأحس بالندم على بعض ذرات الكبر التي اعترت نفسه وهو يسطر سيرته الذاتية، وأيقن أن الله تعالى يستره ويبصره فطلب منه الستر والعفو وتساءل في نفسه ماذا لو كان لزاما على من يتقدم لوظيفة أن يذكر حسناته وسيئاته، وعيوبه ومميزاته؟! هل يقول قائل: إنه ارتكب بعض المنكرات، مثلا في يوم كذا عصيت ربي وما التزمت أمره، ففي ساعة كذا أخرت صلاتي وأطلقت بصري وأظهرت عورتي وكنت أغتاب بعض أصحابي.. وفي ساعة كذا عققت والدي وقطعت أرحامي وظلمت زوجي وأهملت ولدي وجرت في وصيتي، قاطع ومشاحن لإخوتي وبعض جيراني وعشيرتي.. وفي السنة الفلانية لم أؤد زكاة مالي.. في عائلتي يتيم أكلت ماله ظلماً وقهرته، وفي طريقي سائل نهرته.. رأيت محتاجاً فما ساعدته وضعيفا فما أعنته ومسكينا فاحتقرته وشاهدت فقيراً فتعاليت عليه. مرضت يوماً فلم أصبر .. ذقت الفقر فلم أتعفف اغتنيت فلم أشكر .. أكلت ربا وتناولت سحنا وشهدت زورا .. غششت وارتشيت وكذبت.. بارزت ربي بالمعاصي وما تورعت جاهرت بذنوبي وما استترت.. أشبعت بطني من حرام.. لم يسلم من أذاي الأنام.. شتمت هذا وسببت هذا ولعنت هذا .. لم أحترم كبيرا أو أرحم صغيرا .. لست وفيا لأصدقائي، لا أستر لهم عورة ولا أقيل لهم عشرة أقابل إحسانهم بالجحود والنكران وأدفع إساءتهم بالإساءة والاعتداء.. بخيل قاتل لوقته مسوف مخلف للوعد هوايتي قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»، وشرابي المفضل الشيشة والدخان وأحيانا أشرب الخمر وأتعاطى البانجو والحشيش، والقات والمخدرات أطعن في العلماء ولا أجلهم. هاجر للقرآن تلاوة وحفظاً وتعلما وتعليما ومنهجا وتحاكما قليل الفقه في الدين لا أحضر مجالس العلم إلا في المناسبات وأطلب العلم من أجل الدنيا .. بي أمراض قلبية كثيرة معدية وخطيرة ظاهرة ومستترة أخطرها حب الدنيا والتعلق بأستارها والشح والحرص والطمع والحسد والرياء والعجب والغرور والكبر وسوء الظن أهملتها ولم أعالجها حتى استفحلت فأصابت قلبي وانتشرت في جميع جوارحي وجسدي فأورثتني فتورا وخمولا وتكاسلا وتخاذلا ... 

استشعار النعمة

أفاق من شروده، وقد شعر بغثيان من مجرد التفكير في هذه الآفات المهلكة التي نقع في بعضها، فاستعاذ بالله منها، واستشعر النعمة أن عافاه وستره فخر ساجدا، وقد أحس بالندم لما اعتراه من لحظات ضعف بشرية اختلطت بعجبه وإعجابه وهو يكتب سيرته، ورأى صغر نفسه وهوائها على الله إن هي هانت وخاضت في مستنقعات الفواحش أو غرقت في برك الذنوب ووحلها .. واتهمها بالتطفيف إن هي نظرت لحسناتها وأغفلت سيئاتها، فلا أقل من نظرة لجلد الذات ووقفة للمحاسبة والله هو الستار الحليم.

بدأ يراجع نفسه، وقد ارتفعت في تلك اللحظة لكن شتان بين ارتفاع وارتفاع، فقد ارتفعت من قبل مع هوى النفس ووساوس الشيطان ورداء الكبر والعجب فهوت، أما الآن فقد علت وسمت مع علو الروح وإشراقتها، وها هو قد جلس على مقعده ثانية ليقرأ سيرته ويعدها الإعداد الأخير.. بدأها بالبسملة، وما أن فرغ منها حتى قال بصوت يسمع به نفسه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون ..

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 185

79

الثلاثاء 29-يناير-1974

نزار قباني وقصته مع الشعر (٢)

نشر في العدد 2172

162

السبت 01-أكتوبر-2022

القرضاوي.. أديبًا