العنوان السيرة الذاتية للشيخ أبي الأعلى المودودي وزوجته(1824).. في بيت عالم الدين.. علم وعمل
الكاتب حميراء المودودي
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2008
مشاهدات 101
نشر في العدد 1824
نشر في الصفحة 42
السبت 25-أكتوبر-2008
كبري بنات المودودي، ولدت في 22 يوليو 1945م بالهند، وتعيش الآن بمدينة لاهور في باكستان.
قال لـ أيوب خان: السياسة أصبحت أوحالا فدخلتها لأطهرها وأجعلها نظيفة سديدة لا تدنس الأجيال بل تصبح رحمة على الوطن وأهله.
المودودي: في ظل الإيمان بالغيب يرى المرء من فوائد الدنيا وخسارتها الآفاق البعيدة جدًا.. وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون.
ترجمة: نور محمد جمعة: أستاذ بكلية اللغة العربية والحضارة الاسلامية بـ الجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الباكستانية – إسلام اباد.
دخل والدي السجن مرة أخرى في ٦ يناير ١٩٦٤م، وبدأت صناديق الكتب تنتقل إلى السجن واحدا تلو الآخر، وكان السجناء يتعجبون، ويتساءلون، ما بال هذا الشيخ تأتيه صناديق الكتب، ويأتي لغيره ألوان الطعام والحلوى؟!...
وقد سجن والدي هذه المرة في لاهور، في المكان الذي يسمى حاليا شادمان كالوني.. وكان يسمح لنا بزيارته أسبوعيًّا، وفي تلك الفترة كانت والدتي تعاني من المرض، ولم تكن جدتنا عندنا لتواسينا(1) ، فقد كانت يرحمها الله، نعم العون لوالدتنا في مثل تلك المحن والمصائب.
قبل أن يتم القبض على الوالد بأيام كان هناك لقاء بينه وبين رئيس أركان الجيش ورئيس الدولة الجنرال محمد أيوب خان(2)في حضور والي باكستان الغربية أمير محمد خان(3) ، وكان أيوب خان يلح على والدي قائلًا: يا سيدي الشيخ الشعب والدولة بحاجة ماسة إلى علمك، فأرجو أن تعتزل السياسة وتتفرغ للعلم فرد عليه والدي بالقول: يا سيد أيوب أنت قضيت عمرك كله في الجيش لماذا تمنعني أن أزاول نشاطاتي الاجتماعية، واعتزل الحياة وبناء على أي مبادئ أو قوانين تشير علي بأن أبتعد عن النشاطات السياسية؟.
فقال الرئيس: يا سعادة الشيخ السياسة لعبة قذرة، ولا يليق برجل صالح مثلك أن يخوض غمار هذا الميدان فرد عليه الوالد: ما رأيك أن ترك القذارة تستمر أم نفسح المجال لأناس صالحين من أصحاب الأمانة والصدق والإخلاص لتنتهي هذه القذارة وتصبح طهارة؟ فكما تفضلت يا سيادة الرئيس أصبحت السياسة أو حالًا فدخلتها لأطهرها من الأوساخ، وأجعلها نظيفة سديدة، لا تدنس الأجيال، بل تصبح رحمة على الوطن وأهله.
دع عنك أوهام السياسة إنها لغو، وإن إناءها مكسور.
ثم حاول الرئيس أن يشتريه فقال: يا سيدي الشيخ أهم مصانع باسم أولادك. وستقدم لك البنوك ما تريده من القروض. وتسهل لك ما تريده من الإجراءات الإدارية والإجازات والضمانات، واختر أي بلد عربي يعجبك لنبعثك سفيرًا لنا إليه.
كان الرئيس يقدم كل ما يستطيعه، لكنه لم يكن يدري أن من يجلس أمامه أية في الاستغناء عن الخلق، وأن دنياه لا تساوي في عينيه حبة خردل فلم يرد عليه الوالد إلا بجملة واحدة أطارت أحلام الرجل: أنت يا أيوب لم تفهمني بعد، وقد أهنتني!
لم تدركوا أن القضــــية عندنا | دين أغر يواجه الأصــــــــــناما |
وعقيدة كالطور تطلق خيلها | وتزيح عن درب الحيـــاة ركاما |
وبقي الرئيس فاغرًا فاء ينظر إلى والدي، فلعله عرف لأول مرة أن هناك من يستوي المال والتراب في عيونهم.
الإيمان بالغيب.
كتب والدي في إحدى رسائله الإيمان بالغيب صفة للقلب ينكر صاحبه المحسوسات والماديات لما ينتظره من الغيب فيضرب عن الفوائد الدنيوية طلبًا للسعادة الأخروية، ويبيع ويشتري فيما تعده الرؤية المادية خسارة جسيمة وقلبه مطمئن لما سيحصل عليه، في ظل الإيمان بالغيب يرى المرء من الدنيا ومن فوائدها وخسارتها الآفاق البعيدة جدًا، يرى الجنة وما أعده الله له فيها فيتقدم مطمئن البال سعيدًا، وكأنه يكاد يجني من ثمارها.. تتركز عيونه دومًا على الجنة ونعيمها على أنهارها وثمارها على لذاتها وألوان السعادة فيها، وكأنه يرى بعين البصر ما لا يراه الآخرون.
مخلفات الاحتلال!
وكتب الوالد في إحدى رسائله الفقر والجهل، وقرن ونصف القرن من العبودية للاحتلال الإنجليزي خطفت من معظم شعبنا عزته وكرامته وشرفه، وجعلته عبدًا لهواء: يحرص على رغيف الخبز وإن ضاع شرفه وكرامته تراه يحرك ذيل الطاعة كالكلب الجائع لكل من يلوح له بقطعة خبز أو شيء من زخارف الدنيا الفانية، ولا يبالي أن يضيع إيمانه وضميره، أو يفقد غيرته وكرامته، أو يخون شعبه في سبيل عبوديته.. تجربة قرن ونصف القرن كشفت لنا أن هناك المئات، بل الآلاف من الخونة والبغاة خرجوا من تحت رداء الإسلام، وبدؤوا يرفعون التقارير والوشايات للاحتلال الإنجليزي بل زادوا على ذلك، وخانوا دينهم وشعبهم. بأن أعانوا العدو المحتل، ووقفوا يريقون دماء إخوانهم بلا هوادة، ويرفعون أيديهم وأرجلهم في وجه شعبهم، ويصوبون سيوفهم وبنادقهم إلى صدور إخوانهم ابتغاء رضا سادتهم المحتلين.
زخرف زائل بعد ما عاد الوالد من السجن جاءنا أحد أقاربنا، وكان موظفًا كبيرًا في المصرف الباكستاني ليهنئنا بهذه المناسبة السعيدة، وفي يده علبة حلوى جلس الرجل صامتًا على غير عادته لا ينطق بشيء وانصرف بعد دقائق وكأنه بدا غضبان علينا بعد ما خرج تساءلنا عن سبب صمته، وما الجريرة التي تكون قد ارتكبناها في حقه ونحن لا ندري؟
فكشف لنا الوالد عن السر، قائلًا: في إحدى المرات التي أخذوني فيها إلى المحكمة العليا لأمثل أمام القضاء، وكان رئيس الشرطة يجلس بجواري في سيارة الشرطة انحدرت السيارة التي كنا فيها في شارع فرعي جهة. المحكمة، فإذا بصاحبنا هذا يقود سيارته وقد ظهر أمامنا لما وقعت عيناي عليه لم أشعر إلا ويدي ترتفع إشارة بالسلام عليه من بعيد، هذا المسكين لما رآني أسلم عليه خاف على سمعته ومقامه فولى وجهه جانبًا، ولم يرد على سلامي لئلا يراه رئيس الشرطة فيسأل عنه..
وعلق والدي على هذه الحكاية بأن قال: لم أذكر لكم هذا الموقف إلا لأنبهكم إلى حقيقة هذه الدنيا وتقلباتها لئلا تغتروا بزخارفها الزائلة، واعلموا أن كل الصداقات وصلات القرابة والمحبة تظهر وتعلو كلما كنت في حالة جيدة، وكانت الدنيا في يديك فإذا ذهبت الدنيا من بين يديك ترى كل هذه المعاني تتلاشى كالظل الزائل ولا يبقى منها أي أثره.
ولم تكن بحاجة إلى تنبيه الوالد، فقد علمتنا التجارب الكثيرة السابقة ألا تنخدع بهذه الظواهر الخادعة عندما يكون والدنا بيننا نكون نحن أولاد السيد الشيخ.. وعندما يتم القبض عليه تشعر وكأننا نكرات في هذا العالم لا يعرفنا أحد، وبعد خروجه ترى الناس مرة أخرى يجتمعون حولنا، ويبدون استعدادهم للتضحية من أجلنا، ويكثرون يومًا بعد يوم، وقد يبلغون المئات والألوف ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أننا كنا نعتز بأنفسنا فلا نبادر أحدًا بالسؤال أو الكلام، وكنا ننتظر أن يسأل الناس عنا، ولعلهم كانوا يروننا مغرورين أو غير اجتماعيين أو أنهم كانوا يتجنبون الاتصال بنا لئلا تسد في وجوههم أبواب الترقي الإداري ويفقدون مناصب يسعون إلى نيلها. أو لئلا يجروا إلى دهاليز المخابرات، ومنذ طفولتنا ترسخت فينا معاني العزة والاعتماد على النفس وعدم المبادرة إلى الاختلاط بالناس، وأصبحت عادة فينا لا نستطيع التخلص منها الآن، وإن حاولنا ذلك!
أفضل العلوم
كل العلوم سوى القرآن مشغلة | إلا الحديث وعلم الفقه في الدين |
العلم ما كان فيه قال حـــدثنا | وما سوى ذاك وسواس الشياطين |
بعد أن دخل والدنا السجن للمرة الثالثة عام ١٩٦٤م، حصل أخي أحمد فاروق، على درجة البكالوريوس في الطب العام بتقدير ممتاز، وبعده بأسبوع حصلت على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي بتقدير ممتاز كذلك.. كدنا نحن الاثنان نطير فرحًا، وطالبنا أمنا بهذه المناسبة السعيدة أن تقدم لنا جائزتين تليقان بنا لكنها ابتسمت ولم ترد علينا بشيء.
مر على نجاحنا يومان أو ثلاثة، ولم تشاهد أي اهتمام من الكبار في الأسرة بهذا الأمر، وساءنا تجاهل أمرنا، وقلنا: بغضب شديد: لم تقدرونا أبدًا، ويبدو أننا ليس لنا قيمة عندكم، فلم ترد علينا أمنا، وفي المساء احتضنتنا وقبلت جباهنا، وأجلستنا عندها، وقالت لنا في لطف ورقة ولين لا يوصف: يا أحبتي: هذا بيت عالم دين، وفي هذا البيت يعلو العلم والعمل ولا قيمة لهذه الشهادات والأوراق عندنا، نحن لا نبجلها ولا نرفع من شأنها كما يصنع عامة الناس، فأفضل العلوم عندنا هو علم الدين، وفهم القرآن، والحديث النبوي، وهو الذي تعتز به وتعلي من شأنه، فإذا فرغ الإنسان من علم الدين ولم يأخذ لنفسه من ذلك حظًا يليق به، وبدأ يلهث وراء الشهادات، ويجمع الأوراق على الأوراق، فهذا عندنا ليس إلا كمن يضرب أصفارًا في أصفار، فلا يتجاوز الصفر البتة.
أثلجت هذه النصائح قلوبنا، وشعرنا باطمئنان وراحة لا مثيل لهما، وتلاشت أحلامنا الصبيانية من أمام عيوننا كالسراب!
الهوامش
(1) توفيت في ديسمبر عام ١٩٥٧م، بعد علة خفيفة.
(۲) توفي في ٢٠ أبريل ١٩٧٤م.
(۳) توفي في ٢٦ نوفمبر ١٩٦٧م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل