العنوان الشاعرة «علية الجعار» تتحدث لـ «المجتمع»، عن: معايشتها لتجربة حجاب الفنانات.. ومشاهداتها في البوسنة.. ودور المرأة المرتقب
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 69
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 61
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
- شاهدت في البوسنة الإسلام يولد من جديد والعقيدة تتفجر نورا
- المحن القادمة تستدعي إعداد المرأة ثقافيا ودينيا واجتماعيا واقتصاديا فهي المدرسة الأولى للأمة
هي شاعرة البوسنة.فمنذ أن تفجرت مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك وقلمها لا يكف عن كتابة القصائد الشعرية التي تلهب حماس الجماهير في المؤتمرات والندوات.. وزارت البوسنة وعاشت المأساة ورأتها بعينيها، وحاورت النساء المشردات والمغتصبات والاطفال اليتامى في الملاجئ ثم عادت وسطرت المزيد من القصائد وطافت البلاد الإسلامية تدعو الشعوب لمزيد من نصرة هذه القضية. وهي شاهدة عيان على ظاهرة حجاب واعتزال الفنانات بل كانت واحدة من صناعها.. وكان لها العديد من المواقف والحوارات والذكريات مع هؤلاء الفنانات. فقد تعاهدت مع شادية وعفاف شعيب ومديحة كامل ومها صبري وسهير رمزي في الأراضي المقدسة على الحجاب والاعتزال.ولذلك كان طبيعيا أن أطلب من الشاعرة علية الجعار سماع شهادتها في بداية هذا الحديث عن: ظاهرة اعتزال ووحجاب الفنانات خاصة أنها كانت ومازالت صاحبة دور بارز في صناعة هذه الظاهرة.
● علية الجعار: نعم.. أنا عاصرت ظاهرة اعتزال وحجاب الفنانات منذ البداية، وأشهد الله، وهذه شهادة ألقاه بها يوم القيامة - أن عودة هؤلاء الفنانات إلى بيوتهن وتركهن الفن كانت خالصة لوجه الله الكريم وأردن بها التفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى، وأن تساهم الأمهات الصغيرات منهن في تنشئة أبنائهن تنشئة إسلامية. وتؤكد أن هؤلاء الفنانات لم يردن أن يحرجن أحدًا ممن يعملون بالوسط الفني، فاكتفين بالاعتزال في صمت وسكون ولم تلجأ آية واحدة منهن إلى الإعلام لتفاخر بنفسها أو لتملأ الدنيا ضجيجا ذلك رغم أن الصحافة لم تتركهن وشأنهن.
● المجتمع: مع تسليمنا بصدق التوجه لدى هؤلاء الفنانات يبقى اللغط واللغو في دوافع الاعتزال والحجاب لدى كل واحدة منهن.. وأنت كواحدة من المعايشين للوسط الفني من جانب ومعايشة لهذه الظاهرة من جانب آخر نريد شهادتك ايضا في هذه النقطة؟
● علية الجعار: أنا أعمل في الوسط الفني منذ الستينات كاتبة أغان، وأعرف كل شيء تقريبا عن هذا الوسط وما يدور داخله بحكم وظيفتي في التليفزيون. وأعلم مدى معاناة الفنانة والأديبة لأن الشهرة لها ثمن كبير.. فإذا حازت الفنانة الشهرة.. وهي ذات بريق لا يقدر بمال - يكون من الصعب جدا أن تتخلى عن هذه الشهرة ولو كان المقابل هي الملايين، لأن الشهرة توفر لها ما تريد من ملايين ومجد فالشهرة غول لا فكاك منه، وإدمان لا علاج له ولا يستطيع صاحبه أن يفيق منه، فالتي تركل هذه الشهرة كلها بقدمها لابد أن يكون دافعها عظيما جدا جدا .. لا يقدر عليه مخلوق، بل يقدر عليه فقط الخالق العظيم.. ولذلك فعندما حاول البعض أن يفترى لتشويه هؤلاء الطاهرات ويشيع بأن حجاب الفنانات يحدث مقابل ملايين الدولارات تدفع لهن، وقد رددنا على ذلك وما زلنا نقول دلونا على دافع هذه الملايين واذكروا اسمه، ولكن الرد من هؤلاء على ذلك السؤال كان هو الصمت. وأنا مازلت أقول لهم دلوني على دافع هذه الملايين مقابل التوبة والحجاب لكي أقبل يده على ما فعل من خير ولكن لا إجابة وان تكون لأن المسألة من أساسها محض اختلاق.
● حوارات وذكريات:
● المجتمع: لا بد وأنت تعيشين هذه التجربة إنه كان لك حوارات وذكريات ورؤى مع بعض السيدات المعتزلات؟
● علية الجعار: نعم.. كانت لي حوارات وحوارات ممتدة مع بعضهن امتدت لسنوات قبل أن يعلن قرار الاعتزال، فالسيدة سهير رمزي كانت لي معها حوارات امتدت لأربع سنوات قبل إعلان اعتزلاها قبل عامين.. فقد قرأت معها الفاتحة عام ۱۹۸۸ في الأراضي المقدسة على الالتزام ولكنها ظلت تقاوم منذ ذلك التاريخ حتى استطاعت أن تنتزع نفسها من الشهرة وأعلنت قرارها عام ١٩٩٢.كما كانت لي حوارات أيضا مع السيدة مديحة كامل امتدت منذ عام ١٩٨٨ وذلك بناء على رؤيه رآها لها أحد الصالحين وفيها تحذير لها من الاستمرار في الفن، وروى لي الرؤيا فنقلتها لها .. وانفعلت بها جدا وبدأت مسيرتها مع التوبة بالصلاة والحج. بعضهن كان اعتزالها بأمر من الله سبحانه وتعالى - كما قلت مع السيدة مديحة كامل . وكذلك مع المرحومة مها صبري التي سمعت لها بأنني هاتف يأمرني بالذهاب إليها ودعوتها لحج بيت الله وهي في مرحلة حرجة من المرض... ولم تتردد في الحج رغم مرضها فور إبلاغها بما سمعت.. وهناك في الأراضي المقدسة كانت توبتها الخالصة وحجابها واعتزالها نهائيا.أما السيدة شادية فقد تعهدت أمامي وعاهدت رسول الله r أمام قبره أن تلتزم في أعمالها الفنية بما يرضي الله ولكنها بعد عودتها وغنائها لقصيدة خد بيدي، التي تشرفت بكتابة كلماتها أعلنت الاعتزال نهائيا .. وكذلك قرأت الفاتحة مع عفاف شعيب أمام الكعبة.. والمسالة كلها رضى من الله وتوفيق منه.
● دور الفنانة بعد الاعتزال:
● المجتمع: لكن يبقى للفنانة بعد اعتزالها وتوبتها دور أكبر أن تحتجب عن الناس وتلزم بيتها إلا يكون مطلوبا منها أن تقوم بأي دور إصلاحي أو خيري في المجتمع خاصة انه مازال لمثل هؤلاء الفنانات ثقل لدى جماهير الناس.
● علية الجعار: المسألة ترجع لكل واحدة وحياتها.. وما تتحدث عنه مسألة شخصية فمن تجد في نفسها القدرة على فعل الخير والإصلاح فلتفعل ومن تجد في نفسها القدرة على تقديم الفن النظيف.كتابة وإخراجا وأداء فلتفعل.. ولكن يبقى أن معظمهن تتحاشي مسألة الشهرة بل وتخاف منها.وعلى العموم فالحدث في حد ذاته كان بمثابة دعوة لكثير من النساء اللاتي التزمن وتحجبن وكان المفروض على صحافتنا إبراز هذا الحدث على أنه بشير خير للناس، ولكنها فعلت العكس وقامت ولم تقعد وأثارت الشبهات حوله وحاولت أن تسلبه نورانيته والهدف من ذلك معروف وهو . ضرب الإسلام ذاته، لأن حدثا كهذا لو أنه عولج المعالجة التي ترضي الله سبحانه وتعالى لفتحت أفاقًا رحبة لدخول الكثير من الفتيات إلى رحاب الإيمان.
● شاهدت في البوسنة:
● انتقلت في الحديث معها إلى شؤون أخرى تخص المرأة وكان الكلام عن نساء البوسنة وما شاهدته هناك خلال زيارتها الأخيرة للبوسنة ولقاءاتها مع النساء المشردات والمغتصبات في الملاجئ وبماذا خرجت من هذه المشاهدات واللقاءات.
● ● علية الجعار: ما خرجت به من هذه المشاهدات واللقاءات خلال هذه الرحلة الحزينة هو انطباع قوي بأن ما حدث في البوسنة يؤكد أن المرأة المسلمة وإن عاشت في مجتمع غير إسلامي أخفى معالم الإسلام وتعاليمه عنها فإن الإسلام كامن في قلبها وعقيدتها بشكل مكثف هذا ما لمسته من البوسنويات اللواتي عشن في ظل قهر الشيوعية ما يقرب من نصف القرن، وما إن انطمست معالمها في يوغسلافيا السابقة حتى تفجر بركان النور في نفوس المسلمين هناك. وعاشت المرأة المسلمة المحنة ولم تستسلم لها ... لجأت إلى ربها وتعمقت عبادتها واستخدمت سلاحا فعالا في المعارك هو سلاح الدعاء واحتضنت أبناءها وأبناء جيرانها وهربت بهم بعيدا عن جحيم العدو تاركة بيتها وأمالها إلى بلاد لا تحمل لها سوى الضغينة، فأقامت فيها في ملاجئ لا يستطيع الآدمي الحياة فيها ولكنها أسلمت أمرها لله ولجأت إليه طالبة النصر.
● تسابق على المصاحف وجهاد في الملاجئ:
هذا ما رأيته في المركز الإسلامي بزغرب عاصمة كرواتيا، وكان اليوم يوم جمعة، وما إن أديت الصلاة حتى التفت حولي النساء بشغف لأن زيي ينبئ أنني قادمة من بلاد الشرق المسلمة وهن يبكين.. وكل واحدة تحاول بلغة بوسنوية أن تحكي لي ما حدث لها، وإن كنت لم أفهمهن بأذني فإني وعيت ما يقولون بقلبيوزرت هؤلاء المجاهدات المهاجرات في ملاجئهن ومعي من يترجم لي وهناك عرفت قصصا دامية أبكت قلبي قبل عيني، ولكن المشرف في كل هذه المحن أن المرأة البوسنوية لم تحمل عقيدتها مسؤولية ما جرى لها ولكن بالعكس فقد عبرن عن أحاسيسهن بأن الله سينصرهن لأنهن يجاهدن في سبيل هذه العقيدة.كنت حينما أدخل الملجأ وقت الصلاة أجد الجميع رجالا ونساء يستعدون للصلاة ويقوم بالأذان والإقامة الأطفال.. الكثيرات منهن كن يتسابقن على ما كان معي من مصاحف، ويطلبن مني قراءة سورة «يس».على شهدائهم فلما اقرأ كنت أجدهن يرددن معي.. أنهن حافظات للقرآن.. وفوق هذا لم يتركن أبناءهم للضياع.
● واجب المرأة المسلمة تجاه البوسنيات:
● المجتمع: لا بد أن لك كلاما تتوجهين به إلى المرأة المسلمة في كل مكان.. بعد هذه الزيارة للبوسنة ومشاهداتك هناك؟؟
● ● علية الجعار: حديثي إلى المرأة التي تلهث خلف موضات باريس وأدوات زينتها .. وأقول لها نظرة وتأمل منك إلى هذه المرأة البوسنوية من أسمالها البالية والتي تأكل أوراق الشجر أحيانا وتنقب الأرض بأظافرها لتستخرج جذوع الأشجار للتدفئة في الشتاء القاتل. هذه المرأة التي تتزين بزينة التقوى.. طعامها تسبيح وأنفاسها دعاء إلى الله سبحانه وتعالى لم تزعزع المحن عقيدتها ولا إيمانها وتعمل ليس لكي ينتصر المسلمون على الصرب فقط ولكن لكي تعلو راية الإسلام من أرض البوسنة لتشمل أوروبا كلها .
● المجتمع: بعدما حدث لنساء البوسنة من اغتصاب وإذلال وتعذيب وهو ما يؤكد أن المرأة المسلمة في أي حرب قادمة مع أعداء الإسلام مستهدفة بالدرجة الأولى... ألا يستدعي ذلك اهتماما أكثر بقضية المرأة وإعدادها لكي تعي الدور المطلوب منها وطبيعة التحدي الذي يقابلها؟
● علية الجعار: لا بد أن تعلم المرأة أولا أنها في حالة جهاد، ولابد من إعدادها جيدا روحيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.روحيا بأن تدرس دينها دراسة وافية واعية بعيدا عن أية تيارات وافدة، وحتى تتمسك بأصول الإسلام وتهتم بزرع هذه المعاني القيمة في نفوس أطفالها. واقتصاديا بأن تحاول العيش طبقا للآية الكريمة وكلوا واشربوا ولا تسرفوا …واجتماعيا بأن تحاول العيش في مجتمع إسلامي تنبذ ما نهى الله عنه وتحاول أن تقيم مجتمعاً نظيفا تأمر فيه بالمعروف وتنهي فيه عن المنكر.. مجتمع يرضى الله عنه.. والأم والزوجة هي حجر الأساس في بناء هذا المجتمع. وثقافيا فهي المدرسة الأولى لأبنائها وهي التي تغرس المعلومات الأولى في أذهانهم فإذا كانت ذات ثقافة قيمة ونظيفة ورفيعة المستوى نشأ الطفل على نفس المستوى والعكس بالعكس ولعل وظيفة الأم في هذا الإطار هي أخطر وأهم وظيفة لها في الحياة..