العنوان من المسئول عن تحرر المرأة
الكاتب فاطمة عصمة زكريا
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
مشاهدات 93
نشر في العدد 883
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
إذا عرف الرجل تطبيق القوامة فستكون هذه الفرس من ذلك الفارس
الأمُّ مدرسةٌ إِذا أعدَدْتَها *** أعددْتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء:1) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات:13).
قضية المرأة هي قضية كل مجتمع في القديم والحديث، قضية خالدة ما خلدت الإنسانية باقية ما بقي الدهر، يهتم الرجل بالمرأة وتهتم المرأة بالرجل ويهتم كلاهما بالحياة، حتى يبقى النوع، ويكثر النسل وتعمر الأرض: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم:30) ولا تقوم الحياة بالرجل وحده ولن تقوم، ولم تقم بالمرأة وحدها وما ينبغي لها، بل نفس واحدة خلق منها زوجها... وإذا النفسان عالم ضخم يموج بالأنفس ويزخر بالحياة ويكمل شطره الشطر الآخر على نسق عجيب فيه آيات للناظرين وهدى للمستبصرين.
فلا يقل أثر المرأة في الحياة عن أثر الرجل بحال، فلم تكن يومًا عاملًا ثانويًا، فهي تشكل نصف المجتمع من حيث العدد، وهي أجمل ما في المجتمع من العواطف وأعقد ما في المجتمع من حيث المشكلات!!
ولا أريد أن أتوسع في تبيان دور المرأة وما حباها الله تعالى بالإسلام من نعم، وكيف أثبت وجودها وأعطاها حقها كاملًا وكلفها كالرجل تمامًا وبين مكانتها ولا أدل على ذلك إلا قوله صلى الله عليه وسلم «إنما النساء شقائق الرجال» ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب «المرأة بين الفقه والقانون» للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي حيث أعطى الموضوع حقه من حيث البحث والتحليل والأدلة. وكذلك كتاب «خطاب التكليف للمرأة المسلمة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة» لمؤلفة مسلمة.
لكن ما يحز في نفس كل مسلم ومسلمة ما آلت إليه المرأة في العصر الحديث، فبدلًا من أن تشكر الله تعالى جزيل الشكر بالطاعة والعبادة على ما أعطاها وما حباها نراها اليوم وقد تبذلت وهدمت كل فضيلة ينبغي أن تتحلى بها المرأة المسلمة!! أصبحت سلعة، بل ألعوبة بيد أعداء الإسلام...!! يطعنون بها ديننا الحنيف الذي جاء إنقاذًا للبشرية جمعاء، باسم «التقدمية» و «المساواة» و «تحرير المرأة» وغيرها من الأسماء المزيفة التي هدفها واحد وهو القضاء على الإسلام والمسلمين وتعاليم الدين!!
ترى من المسؤول في استجابة المرأة المسلمة لمثل هذه التيارات المنحرفة والمبادئ الهدامة؟؟ ومن الذي ينبغي أن نحاسبه؟؟ هل المرأة المسلمة؟ أم الرجل المسلم؟؟
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾(النساء:34)، وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة:187)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع وهو مسؤول عن رعيته» الحديث.
فلما اختار الله تعالى الرجل لأن تكون له القوامة في بيته معناها أنه كرم المرأة وجعل عليها من يحميها، لأنه حسب تكوين المرأة وخلقتها لا تقدر أن تحمي نفسها بنفسها مهما ترجلت وتعنترت!!
لأنها أنثى مشحونة بالعواطف النبيلة التي بها تحنو على الزوج، وبها تربي الولد وبها تحترم الأب، فبغزارة العاطفة التي فطرت عليها وصفها صلى الله عليه وسلم بأنها «ناقصة عقل ودين» وهذا ليس امتهانا لكرامتها، فكيف تحمي نفسها وهي صاحبة العواطف النبيلة؟؟!! لذلك جعل الله تعالى من يحميها ويؤاخذه يوم القيامة إن فرط فيما وسد إليه من مهمة كلفه الله تعالى بها وهي «القوامة» فقوامة الرجل على المرأة إذن لا قوامة تسلط وتجبر، لكن قوامة حماية ورعاية... لذلك قال الله تعالى مخاطبًا الرجال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:6)، وأول ما أمر الله تعالى رسوله الكريم بتبليغ الدعوة أمره بالبدء بأهله فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء:214) ... فالرجل المسلم هو مفتاح الأسرة المسلمة وما يعطيها من فضائل، يردها إلى الصواب إذا انحرفت لطبيعة القوامة التي كلفه الله تعالى بها بالمودة والرحمة والعطف والتفاهم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم:21) وقال تعالى:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل:125)، فلما تشعر المرأة بمودة زوجها لها وخوفه عليها، وحرصه على استقامتها نراها تندفع بحكم أنوثتها وعاطفتها لتطبيق كل ما يمليه عليها قيم بيتها!! تريد أن ترضيه بشتى الوسائل لأنها تشعر أن رضاء الله تعالى يكون بإرضائه، إذ إنه العنصر الحامي لها ولأطفالها وأنها لا تستطيع الاستغناء عنه وهو ذلك الإنسان الذي همه إسعاد الأسرة من زوجة وأولاد وبنات!!... ولكن ويا للأسف لما تنازل الرجل عن تلك القوامة فتح للمرأة الباب على مصراعيه، فجعلها تنطلق بكل حرية لتتخبط في بحر الحياة الهائج مبتعدة عن الدين والأخلاق والفضيلة، لأنه أصبح لا محاسب لها ولا من يردعها أو يسألها!!
انطلقت المرأة وسكت الرجل، وهنا انبرى أعداء الإسلام بأساليبهم الهدامة يتلاعبون في عواطف المرأة ويتفنون في ضمها إلى صفهم بشتى أنواع الأسلحة ليحاربوا بها الإسلام، فلا تراهم إلا وقد أوهموا المرأة بأن تعاليم دينها تقيدها!! فجعلوها تتخلى عن حشمتها وعن حيائها، فأول امرأة لما نزعت الحجاب وألقته أرضًا بعد أن مزقته وقالت القصيدة المشؤومة:
مزقي يا ابنة العراق الحجابا.
وما وجدت هذه المرأة من يحاسبها من أب، أو زوج، أو أخ، أو قريب!! من يأخذ على يديها بضربة من حديد لأنها تحدت تعاليم الإسلام!! عندها تجرأت بقية النساء على تمزيق حجابهن مثلها وتحررن من تعاليم الإسلام ولا من متحرك!!
وكذلك في عهد سعد زغلول لما خرجت النساء ثائرات على الحجاب مطالبات بالمساواة بالرجل، ولسخفهن نسين أو تناسين أن الإسلام قد سواهن، بل أعطاهن أكثر من الرجل ونرى أيضًا من وصف المرأة بأنها «الغانية» كما في القصيدة المشؤومة.
خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجـ *** ـنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّه
عندها أصبح الاستعمار وأعداء الإسلام لهم القوامة الهدامة على المرأة المسلمة المسكينة الغزيرة العاطفة التي تسير مع الريح حيثما تحرك!! فجاء قاسم أمين وأمثاله حلفاء الشيطان وذرفوا دموع التماسي على المرأة المسلمة ليوهموها أنها مظلومة. بتعاليم دينها وأن الإسلام قد ميز الرجل عليها فكانت أمة له، ومقيدها بالحجاب ونفروها من الرجل، ليخرجوها من نطاق حشمتها وحيائها التي جملها بهما الإسلام، وكما قال صلى الله عليه وسلم في دلائل الساعة «يرفع الحياء من وجوه النساء»!! بل زين لهم الشيطان سوء أعمالهم.
أين أنت أيها الرجل المسلم؟ أين قوامتك؟ أين غيرتك على زوجتك وعيالك وأخواتك وأمك؟؟ أفقدت- النخوة؟ أم ماذا حل بك؟؟ تعلم من فصيلة الطيور. كيف يحمي رب الأسرة أسرته من الضياع!!
فالديك يسير أمام الدجاج ليحميهن من غدر غادر...!! أما أنت فتقدم زوجتك وبناتك. لأصدقائك لأنك «تقدمي» و «متحرر» وتسير خلف أسرتك لا أمامها!! فيا للعجب العجاب...!! لكنك لا تستطيع لأنك كنت أنت السباق في مجال التخلي عن مبادئ دينك...!! فأنت أحد اثنين إما رجل لم يفهم معنى القوامة فحسبها قوامة تسلط وتجبر، فجعلت زوجتك وعيالك ينفرون منك ويكرهون الساعة التي تدخل بها إلى البيت... ومثالي على ذلك حادثة من واقع الحياة: كنت للصدفة خلف ستار استمع إلى حديث أحدهم يدعي أنه «داعية» وأنه متفهم للإسلام، سأله أحد الحضور: أنا شاب أقدمت حديثًا على الزواج فكيف أتعامل مع زوجتي؟؟ ترى ماذا كان الجواب؟ إذا أردت الحياة معها فأجبرها على الطاعة المطلقة؟ قال: وكيف؟ أجابه: اقس عليها تجثو على ركبتيك، وإذا أردت أن تحرق قلبها فتزوج عليها، وإذا أردت أن تقضي عليها فطلقها واحرمها من أولادها!
مهلًا أيها الشيخ «الداعية» أهذا هو مفهومك للقوامة، وقد نصبت نفسك محدثًا؟؟! أهذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم:21)، أم أن مفهوم الحياة الزوجية عندك تسلط وتجبر؟؟ أفي معركة أنت أم في ساحة حرب وقد قال صلى الله عليه وسلم «رفقًا بالقوارير» وكانت كلماته صلى الله عليه وسلم في آخر حياته «أوصيكم بالنساء خيرًا»...!! مسكينة زوجتك وأمثالها، وحق لها أن تبحث عمن يفك قيد الذل والهوان الذي وضعته لها بحجة أنك تطبق الإسلام... فلا عجب إن كان قيم الدار بالدف عازفًا فما على أهل البيت إلا... أين الإيمان العميق عند هذه الزوجة الذي يجعلها تصبر على ما ابتلاها به الله تعالى من إنسان لا يفهم الإسلام؟؟ ستبحث عمن ينقذها من ورطتها لتشاهد أعداء الإسلام بأشعارهم وشعاراتهم ومبادئهم المزيفة وعطفهم عليها لتنطلق في ميادين التحرر من تعاليم الدين وترفض الكبت الذي سببه لها الرجل... فمن المسؤول الأول عن هذا التحرر والانطلاق؟؟؟ أليس الرجل؟!!
أو أنك رجل تخلى فعلًا عن القوامة ولا يريدها أصلًا، بل تنازل عنها لزوجته يعطيها المال لتنفقه واكتفى بذلك لأنه لا يريد المسؤولية، فما على هذه الزوجة إلا أن تذهب للسوق لتحضر حاجات الدار ومؤونة الحياة وكسوة العائلة، ترى ماذا اشترت هذه المرأة؟؟ هل أمنت حاجات البيت كما أمر الله تعالى ورسوله؟؟ أم برقت أمامها زينة الحياة الدنيا فاشترت لها ولبناتها من الثياب ما تتباهى به أمام زميلاتها؟؟ ورب البيت ساهر مع أصدقائه هارب من البيت ومسؤوليته!!... عاد إلى داره ليرى زوجته المسكينة مرهقة من شغل الدار «داخله وخارجه» متذمرة متعبة تريد أن تستريح، تريد أن تجلس مع من يؤانسها وتؤنسه يساعدها في تربية الأولاد وصخبهم!!
وحتى يسكتها الزوج ويرضيها، يحضر لها التلفاز ويعقبه بالفيديو إلى غير ذلك من وسائل الترويح لتتسلى بذلك وأولادها، دون أن يبالي بمخالفته تعاليم الإسلام... لأنه يريد رفع الواجب الذي عليه بأي أسلوب يريد تغطية تقصيره بأية وسيلة!!
أيها الإخوة المسلمون الغيورون على دينكم كتابًا ووعاظًا ومرشدين، أنتم الآن المسؤولون الفعليون عن تحرر المرأة من تعاليم دينها!! لأنكم فعلًا لم تسووا الرجل معها بالنقد والتوعية، أعلموا أن صلاح الأسرة بصلاح قيمها «فالفرس من الفارس».
أعيدوا الرجل المسلم إلى بيته وإلى زوجته وأطفاله ليعلمهم مبادئ الإسلام وفضائله، فليبدأ بنفسه أولًا فيصلحها مستعينًا بجوهرة القوامة التي منحه الله تعالى إياها وليمسك زمام بيته عن طريق تطبيق تعاليم الإسلام بأسلوب المودة والرحمة والتفاهم، وعدم التخلي عن بيته وأسرته أو إجباره المرأة أن تشاركه القوامة، مستعينًا بالله سبحانه لأن يقويه على نفسه ويجبرها على فهم الإسلام الصحيح الذي يريده الله تعالى، لا الذي يريده هو حسب أهوائه أو جهله، عندها ستشعر المرأة الضائعة أن قيمها فعلًا يريد لها الخير... وتنصاع لنصحه وتحترمه وتعلم أولادهما احترامه؛ لأنه بذر هو الفضيلة أولًا في أسرته، اعتمد على كتاب الله وسنة رسوله، فاستبدل التلفاز ببرامجه الهدامة والفيديو وبما يعرض به من خلاعة، بجلساته مع أسرته يتبادل معهم كتاب الله وسنة رسوله دراسة وفهمًا وتطبيقًا، عندها تنصلح الزوجة وتعرف كرم الله تعالى عليها وتحسن تربية أولادها لأنها فهمت وعرفت كيف تربيهم، وسيحترم الأولاد والديهم لأنهم فهموا من الأب والأم معًا ما هي واجباتهم تجاههما في هذه الحال سيجثو أعداء الإسلام التراب على رؤوسهم!!!... لأن المرأة ستصدمهم باحتقار مبادئهم المزيفة وستقول لهم بصوتها المرتفع: إنني امرأة مسلمة، كرمني الله تعالى بالإسلام وحشمني وحصنني وأعطاني المكانة السامية التي لا يستطيع أحد أن يهدمها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران:8).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل