العنوان الشعر الإسلامي المعاصر في مواجهة الأفكار الجاهلية- «الجزء الأول»
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979
مشاهدات 60
نشر في العدد 446
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-مايو-1979
- الشاعر الجاهلي يحلق في جو غير الجو الذي يعيشه شعبه وتحياه أمته
جاء الإسلام بنظرية جديدة للحياة تناقض في جوهرها نظرية الجاهلية، وكان من الطبيعي أن يهب الجاهليون للدفاع عن قيمهم، وكان من الطبيعي أيضًا، في ضوء ما ظهر من عجز هذه الجاهلية أمام الإسلام وقيمه، أن تكون مقاومتها متصفة بالعناد والصلف.
وقد خاض الشعراء الجاهليون الحرب إلى جانب معتقداتهم وقيمهم. وتصدى لهم شعراء الإسلام ففندوا آراءهم وسفهوا معتقداتهم، ثم عرضوا الأفكار السامية التي جاء بها الإسلام ووضعوها إزاء الأفكار الجاهلية، فبان الفرق الشاسع والبون الواسع. وكان من نتيجة هذه المعركة، أو المعارك، أن تراجعت الأفكار الجاهلية إلى جحورها. وثبتت القيم الإسلامية أقدامها ثم انطلقت في طريقها.
على أن الجاهلية في هزيمتها أمام الإسلام لم تستسلم نهائيًا، بل تراجعت تنتظر فرصها. وقد وجدت هذه الفرص في كثير من العصور. فرفعت رأسها ونشرت أجنحتها. وفي كل مرحلة من هذه المراحل كان الإسلام يتصدى للجاهلية، فيقص أجنحتها، ويجبرها على التراجع. وهكذا بقي الصراع بين الإسلام والجاهلية مستمرًا حتى عصرنا الحاضر، وسيبقى مستمرًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وفي كل هذه الحقب كان الشعر ميدانًا رحبًا للأفكار الجاهلية، فتصول فيه وتجول. وتحاول من خلاله أن تنشر أفكارها وتحقق أهدافها، وفي كل جولة كان الشعر الإسلامي يتصدى بحزم، ويقف بجدارة في مواجهة الشعر الجاهلي.
ويتسم العصر الذي نعيشه بالهجمة الشرسة للجاهلية، مستخدمة في هجمتها الجديدة كل الوسائل. ومستغلة كل المذاهب، وكان أكبر ما استخدمته واستغلته الشعر الجاهلي، فكان له في هذه الهجمة المعاصرة باع طويل في بث الأفكار الجاهلية وتزيينها والدفاع عنها.
وأمام هذا الهجوم الجاهلي العنيف. وقف الشعر الإسلامي المعاصر يذود عن القيم الإسلامية، ويبين عوار الدعوات الجاهلية، ويلقي الضوء على سمو الفكر الإسلامي والأهداف الإسلامية.
ووقف معسكر الشعر الإسلامي بشعرائه موقفًا رائعًا إزاء معسكر الشعر الجاهلي، فتناول الشعراء الإسلاميون الأفكار الجاهلية في الشعر منذ الجاهلية الأولى حتى الجاهلية المعاصرة، وردوا عليها وكشفوا زيفها وضلالها.
وأول ما عابه الشعراء الإسلاميون على معسكر الشعر الجاهلي هذا الإحساس المتبلد أمام القضايا الأساسية للأمة، فالشاعر الجاهلي يحلق في جو غير الجو الذي يعيشه. شعبه وتحياه أمته، وهو يهيم في واد غير وادي وطنه وأهله، فهو وأن قال الشعر بأوزانه وقوافيه إلا أنه ليس بشاعر بالمعنى الحقيقي للشعر. إذ أن الشعر الحق هو الذي يعبر عن مشاعر الأمة ويعيش آمالها وآلامها ويحيا مع أمانيها وتطلعاتها ويسعى جاهدًا لتحقيق أهدافها ومثلها، لهذا كله أنكر الشاعر الإسلامي المعاصر أحمد الصديق أن يكون شاعرًا من لم يترجم شعره هذه المعاني جميعها:
هل شاعر من عاش عمر الهوى يغرد.
وحوله المظلوم والمكلوم والمشرد.
وأمة منكوبة ووطن مقيد؟ هل شاعر من يبصر الجرح الذي يتقد
فيغمض العينين لا يأسو ولا يضمد
يضن حتى بالشعور حين ضنت اليد
كالسم يسري في النفوس لحنه المعربد
يدنس الحرف الذي يرغمه فينشد
كأنه للهدم في بلاده مجند
أما الشاعر الحق عند أحمد الصديق- وعند جميع الشعراء الإسلاميين- فإنه ذلك الذي يعش آلام وطنه وتأوهات شعبه، يخط ببيانه طريق العلا، ويهدي قومه سبيل الحق، ويرفع لواء الخير لتسير أمته في ظلاله، ويسير أغوار القلوب فيتعرف على معاناتها ومكابدتها، فيصوغ لها حلقات المجد لتتعلق بها، ويفتل لها حبل الأمل فتمسك به، ويكون شعره النداء الذي ينبه العابثين ويوقظ النائمين:
الشاعر الحق الذي نصبو له وننشد
جناحه نحو العلا يسمو بنا ويصعد
هواه للحق الذي بنوره يسترشد
يفيض وعيا ملهمًا قصيده المخلد
يغوص في أعماقنا، يوقظنا فنولد
وعلى هذا الدرب، وبهذا المنطق. سار الشعراء الإسلاميون يهدمون صروح الجاهلية، وينقضون بناءها. ويحطمون نصبها التي تحاول بعون من أنصارها، وعلى رأسهم شعراؤها، أن تقيمها في وجه الإسلام لتوقف زحفه وتقدمه.
وفيما يلي صور من أفكار الجاهلية التي تصدى لها الشعر الإسلامي المعاصر، وفيها القديم والجديد إذ ما فتئت الجاهلية تلقي بحبالها وتجددها وتزيد عليها، وهي لن تتوقف عن ذلك، والشعر الإسلامي سيبقى لها بالمرصاد.
وهذه الصور التي سنعرضها سوف تفيد القارئ وتمتعه. وتشده إلى جو المعارك الشعرية الدائرة أبدا بين الجاهلية والإسلام.
عرف المسلمون السجدة من القرآن الكريم، وعرفوا أن السجدة تكون عند آية من آيات الله يخر لإعجازها الإنسان ساجدًا لله، معترفًا بعظمته مقرًا بجلاله.
وعرف المسلم السجود لله شكرًا على نعمة أنعمها عليه، وعلى خير وفقه إليه.
هذه اللفتة الإيمانية، وهذا الإقرار الإنساني الذي يتجلى بالسجود لله، وضعه شاعر أموي عرف بانحرافه السلوكي وتمجيده المعالم الجاهلية، في غير موضعه.
هذا الشاعر هو الفرزدق همام ابن غالب التميمي.
جاء في أخبار هذا الشاعر أنه أنشد في مجلسه معلقة لبيد بن ربيعة العامري، فلما وصل المنشد إلى قول لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها ***زبر تجد متونها أقلامها
خر الفرزدق ساجدًا!
فقيل له: ما هذا يا أبا غالب؟!
فقال. بصلف جاهلي ذميم أنتم تعرفون السجدة من القرآن، وأنا أعرف السجدة من الشعر، وفي هذا البيت واحدة من سجدات الشعر!
هكذا أحب أن يعبر الفرزدق عن إعجابه بهذا البيت، فلم يوفق، إذ خالف الذوق الإسلامي العام، وتصرف بجفاء جاهلي ممجوج.
أما الشاعر المسلم الحق فإنه ينظر إلى مثل هذا الأمر نظرة مختلفة فهو يعيش في جو الإسلام، ويرفل في فكره النير، ويعب من معينه الفياض، ويهتدي بنوره الذي لا يخبو.
والشاعر الإسلامي يقول شعره وفي عاطفته حب الله، وفي قلبه عظمة الدين، وهو إذا هزه الشعر يسجد. ولكن شكرًا لله، واعترافًا بتوفيق الله.
روى الشاعر الإسلامي المعاصر أحمد فرح عقيلان طرفًا من معاناته الإيمانية أثناء إنشائه لقصيدته المعروفة «البردة الجديدة»، فقال: كنت أود أن يوفقني الله لمعنى جديد اسلكه في قصيدتي، وكنت شرعت في نظم مقطع أتحدث فيه عن نكبة فلسطين وإخراج أهلها وتشريدهم. وأخذت في بث الهمة والعزيمة في نفوس أولئك المشردين حتى لا تخور عزائمهم ويستسلموا للهزيمة، فأتيت بأمثلة من سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أدعم بها موقف الصبر على الشدائد ومواجهة النكبة.
والصبر على لاوائها، والعمل على تجاوزها، فقلت:
تفهموا خلق الهادي وسنته *********** فالنصر في ديننا للمسلم الفهم
لا تذهبوا النفس أحزانًا فكم عرضت **** للمصطفى محنة بالصبر لم تدم
فإن تكونوا خرجتم من مساكنكم **** قسرًا، فقد أخرج الهادي من الحرم
وأن تجوعوا فخير الخلق قاطبة ******** قضى الطفولة بين العدم واليتم
سلوًا بلالًا وعمارًا ووالده**************** عن السلاسل والرمضاء والألم
أن عذبوا الجسم، فالإيمان معتصم ****بالقلب، مثل اعتصام الليث بالأجم
فلما وصلت إلى هذا البيت: أن عذبوا الجسم.. أيقنت أن الله وفقني إلى معنى سام في هذا المجال.
فخررت ساجدًا لله شكرًا على ما ألهم ووفق.
هذه سجدة من شاعر مؤمن في موطن الاعتراف بنعم الله ومنه في مجال الإلهام والموهبة وتلك من الفرزدق في طريق الجاهلية.
وسجدة الشاعر المسلم أحمد فرح. وإن لم تكن ردًا مباشرًا على تلك السجدة الجاهلية، ألا إنها رد في صميم الهدف، ودعوة لكل شاعر أن يتبع القيم الإسلامية في مجال الشعر.
ومن الأعراف الجاهلية في الشعر، والتي انتشرت بين الشعراء انتشارًا واسعًا، أن لكل شاعر نابغة شيطانًا يلهمه الشعر!
وقد وصل الأمر في بعض الشعراء أنهم ذكروا أسماء لشياطينهم المزعومة، فعبيد بن الأبرص شيطانه هبيد، والأعشى شيطانه مسحل السكران بن جندل، وأمرؤ القيس بن حجر الكندي شيطانه لافظ بن لاحظ، والنابغة الذبياني شيطانه هاذر بن ماذر!
وهكذا فقد أبى الفكر الجاهلي ألا أن ينسب العبقرية والموهبة إلى شياطين الجن، ويجرد الإنسان من كل هذه النعم الإلهية.
وأي فضل إذن لهذا الإنسان الذي لا دور له في هذا الشعر إلا ترديده وترجيعه؟ ولماذا نلهج بمدح هؤلاء الشعراء ونضعهم على قمة الشعر العربي ما داموا لم يقولوا هذا الشعر ولم يبدعوه؟ أليس هؤلاء الشياطين أولى بالثناء والمديح لو كان ما يزعمونه
من نسبة هذا الشعر لهم حقًا؟! ولست أدري كيف تسنى لهؤلاء الشعراء أن يقبلوا أن تذوب عبقرياتهم في ظل شيطان؟
وأي حق لهؤلاء الشعراء في التفاخر في مجال الإبداع الذاتي والتفجر البياني والعطاء الإنساني؟!
وإذا كان هذا الابتداع مجرد اصطلاح فني وتقليد جاهلي، فأي فن في هذا الاصطلاح؟ وأي طرافة في هذا التقليد؟
وإذا كان الأمر كما يدعون من أن هذا مجرد صورة فنية تفتق عنها ذهن الشاعرية لتقوم للشعر في أذهان الناس صورة قدسية ومثالية غيبية فإن الأولى بالشعراء لو ادعوا أن ملهميهم ملائكة لا شياطين، ولكان ذلك أروح للنفس وأحرى بالقبول!
وكنا نظن أن هذه المزاعم الجاهلية سوف تتلاشى بظهور الإسلام، ولكن بعض الشعراء ممن تعمقت نفوسهم بأوهام الجاهلية استمروا يتشبثون بهذه المزاعم، واستمروا ينسبون نعم العبقرية والإلهام إلى شياطين الجن، وقد تمادوا في جاهليتهم فزعموا لأنفسهم اتصالات ومسامرات مع هؤلاء الشياطين ودبجوا في ذلك قصصًا وخرافات، بل إن الفرزدق ذهب في تماديه كل مذهب فزعم أن ملهمه شیطان ذكر بينما ملهم عدوه جرير بن عطية أنثى! فقال في معرض فخره الجاهلي على خصمه جرير:
"شيطانه أنثى وشيطاني ذكر"! ويقف الشعر الإسلامي المعاصر في معرض حديثه عن الإلهام والموهبة موقفًا مضادًا، فالشعر عند الإسلاميين ثورة خواطر وبث نفوس شفافة، وهو نبع الروح وفيض القلوب، ولا صلة عندهم بين الشعر والشياطين، وإذا ذكر الشاعر المسلم في مجال الإلهام الشعري ما يشجعه على القول ويهزه للإنشاد والتلحين فإنما يذكر الملائكة التي تلازم الإنسان في حركاته وسكناته، فهي جند الله الموكلة بحراسة الإنسان أكرم خلق الله على الله.
وفي هذا المعنى يقول الدكتور يوسف القرضاوي:
ثار القريض بخاطري فدعوني*** أفضي لكم بفجائعي وشجوني
ما حيلتي والشعر فيض خواطر ******** ما دمت ابغيه ولا يبغيني
واليوم عاودني الملاك فهزني******* طربًا إلى الإنشاد والتلحين
ألهمتها عصماء تنبع من دمي****** ويمدها قلبي وماء عيوني
فالشعر نبع من عواطف الشاعر نفسه وليس من قول شيطان رجيم.
والشاعر يتفاعل بالملائكة الأطهار وتأنس نفسه بذكرهم فتفيض عبقرية وشاعرية، وأنى لشياطين الجن عبقرية وشاعرية كعبقرية الإنسان وشاعريته؟!
فلله دركم يا شعراء الإسلام!
ولا در درکم يا شعراء الجاهلية إذ لا تقدرون عبقرية الإنسان حق قدرها!