العنوان معالم على الطريق.. الشعوب هي الحل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003
مشاهدات 53
نشر في العدد 1541
نشر في الصفحة 49
السبت 08-مارس-2003
الشعوب هي الحل، بعد أن يئس الجميع من جامعة الدول العربية، ومن المؤتمرات والمشاورات، ومن، ومن، وإذا لم تتخذ الشعوب موقفًا صارمًا فإنها ستكون الضحية الأولى.
يجب أن يرد الأمر إلى الشعوب فهي التي تضحي، وهي التي تحافظ على ثرواتها، وهي التي تقرر مصائرها التي وهي التي تخوض الحروب، وتدفع التكاليف الباهظة من الدماء والأشلاء، لابد للشعوب أن تنطق، ولابد لها أن تتقدم لترود المسيرة وترفع العلم وتمسك بالزمام لقد جربت الشعوب السكوت فكان وبالًا، وجربت تسليم مقاليدها لغيرها من المستعمرين فذاقت من الهوان ما ذاقت وجربت تنصيب السلطات من بني جلدتها، ونامت فحل بها من الكوارث ما حل، ونالت من الوبال ما حطم كل شيء، كرامتها واقتصادها وحضارتها وخيراتها ومقدراتها ومازالت بفضل مغاويرها الأشاوس عرضة للزوال والاستعباد، حتى مل الناس حياتهم، ويئسوا من عللهم وقممهم، وصدق القائل حين قال في مثل هذا الموقف في الأندلس:
وما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتصم فيها ومعتضد
نعم كانت ألقابًا دون محتوى، كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد.
وكأن الاختلاف على سلطاتنا قد كتب والظلم على بلادنا قد قدر، والضياع على أمتنا قد صار ضربة لازب.
أيها الناس: لمَ التنازع ونحن فاشلون، ولم التقاتل والتنابذ، وقد ذهب ريحنا ووهن جمعنا؟ أينتظر لنا في هذا الحال، وعلى هذا المنوال قومة أو حتى عيش، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ﴾ (الأنفال: 46) كان ينبغي لنا- وفي أسوأ الأحوال هذه- أن نثبت ونتماسك كل في يد أخيه حتى يرى أعداؤنا فينا بقية من ثبات وغلالة من قوة، ودخانًا من عزم، حتى نشم ويح نجاح أو نسيم فلاح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45) ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105).
ولكن أن نظل غثاء كغثاء السيل، فلا بد كما قال الأولون، وكما أشار الباحثون أن نعيش فترة غثائية وفقاعية تتجرأ علينا فيها حتى الهوام والذباب والجراثيم «توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ؟! قال: لا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
إن العالم اليوم يتكلم عن القتلى الذين ستخلفهم الحرب على العراق بالملايين ولكن الحديث عنهم في المحافل الدولية ليس أمرًا مهمًا، فهم رقم ضئيل في حسابات السياسة الدولية، وحينما تتحدث الدول حتى المعارضة للحرب، تتحدث عن ضرورة الحفاظ على وحدة مجلس الأمن، وتؤكد قلقها من نية الإدارة الأمريكية تهميش الأمم المتحدة، هذا وقد يكون ذلك من أعدائنا أو من الذين لا يكترثون لآلامنا او همومنا أو من الذين يبحثون عن مصالحهم فقط بصرف النظر عن الطوفان وعن الكارثة.
أما أن يكون هذا من بني جلدتنا ومن سلطات أمتنا، بل ومن بعض قممنا العربية، فهذا شيء محزن يروي أحد الصحفيين فيقول: أسر إلي أحد المتنفذين واشترط علي ألا أذكر اسمه بقرارات القمة قبل انعقادها فقال: تدري أن فرصة تجنب الحرب ضعيفة جدًّا وقد أظهر بيان وزراء الخارجية انقسامًا، كما كرر مواقف لا تقدم ولا تؤخر، وإنما هي مجرد دغدغة العواطف الغلابة المخدوعين كما قال القائل:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود
وتكون قرارات القمة على هذا الغرار شجب الحرب ويزاد عليها محاولة تشكيل وفد يزور العراق وواشنطن، وسينتهي الأمر، وليس في الإمكان أفضل مما كان.
إن صدام حسين كارثة، نعم وبكل المقاييس، لكن مصالح الأمة ومستقبلها، ودماء المسلمين أطفالًا ونساءً وشيبًا وشبانًا، إلى غير ذلك مما يتحدث عنه القاصي والداني، أليس له حل؟ وهل فعلًا الأنظمة العربية -دون استثناء- طاهرة نقية صالحة أطهر من ماء المزن وأحلى من الشهد، أم أن الأمر شيء أخر؟ وهل سنأخذ درسًا مما نحن فيه والذكرى تنفع المؤمنين، أم ندخل في عصر الفتن والهرج والمرج، ويبيع بعضنا بعضًا بعرض من الحياة الدنيا؟! قال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا».
وقد رأينا وسمعنا بعضًا من الأمم الإسلامية اليوم تساوم على العراق وشعبه فتعطى، وتطلب المزيد والمزيد لتشرب نخب دماء اليتامى والأرامل والثكالى، وترث من الأشلاء المحطمة بعض ثياب القتلى.
سلام على البشرية، سلام على الأخوة سلام على الإسلام، سلام على الرجال في عهود الضياع والخنوع ولا سلام على الأيام النحسات، إننا نشده وندهش عندما نرى الأمة في هذا الوضع البئيس الذي جعلنا كالأيتام على موائد اللئام، دون العالمين، لماذا نحن دون عباد البقر والأصنام والمادة؟ لماذا عقمت الأمة؟
كل الأمة تتساءل وتعرف الجواب وهذا مما يزيد الأمر حيرة وغرابة، والجواب أيها السادة هو أن تظهر رسالة الإسلام في الأمة من جديد لتنير الطريق للحائرين، وتوضح السبيل للضالين هي أن يقوم الرجال، ويتنادى الأبطال للعمل الجاد، وقيادة الشعوب التي هي القوة التي ترهب العدو وتزيح الركام، وتقشع القتامة وقد ظهرت الإرهاصات لذلك جلية واضحة، لأن هذه الأمة لن تموت والخير فيها إلى يوم القيامة يتجدد ويتدفق حتى يؤتي أكله إن شاء الله، ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)، نسأل الله العون والسداد إنه نعم المولى ونعم النصير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل