العنوان الشعور بالمسؤولية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 53
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 66
السبت 16-أغسطس-2003
الشعور حالة نفسية تتكون من اعتبارات متعددة منها الخلقية الوراثية، ومنها الاكتسابية، كالاعتبارات الثقافية والتربوية والبيئية وغيرها.
والشعور.. صفة تلازم الإنسان في كل جانب من جوانب حياته، ومن ذلك الشعور بالخوف والثقة والقلق والاطمئنان.. إلخ.
وهو حالة نسبية تقوى وتضعف، تتقدم وتتأخر، تبعًا للمؤثرات والطوارئ والمتغيرات الاكتسابية.
وتتفاوت مشاعر الناس تفاوتا كبيرًا حيال ما يعرض لهم ويطرأ عليهم.. فهذا متبلد الشعور وآخر متقد وملتهب.. هذا يعيش هموم الآخرين يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وذاك لا يعيش إلا هم نفسه، يصدق فيه المثل القائل «أنا ومن بعدي الطوفان» ولفرط ما كانت عليه مشاعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من اتقاد وحيوية، قال: «والله لو عثرت ناقة في أقصى العراق لكان ابن الخطاب مسؤولًا عنها».
مفهوم المسؤولية: أما المسؤولية فهي الشعور بالتكليف، وبالنسبة للمسلم هو شعور بالأمانة الكبرى الملقاة على عاتقه المقصودة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72).
المسؤولية في الإسلام عامة وتطال الجميع، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «رواه البخاري ومسلم وغيرهما».
والمسؤولية فردية لأن التكليف فردي والحساب فردي مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم:93-94-95).
والمسؤولية نسبية وليست واحدة: فمسؤولية العالم غير مسؤولية الجاهل، ومسؤولية المعافي السليم غير مسؤولية المريض السقيم، ومسؤولية صاحب السلطان ليست كمن لا سلطان له، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء» وهي في الظروف الاستثنائية غيرها في الظروف العادية.
جوانب المسؤولية: والمسؤولية في الإسلام جوانب متعددة أشار اليها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك عليك حقًا، وإن لربك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»، ومن ذلك مسؤولية الانسان تجاه ربه وما عليه من واجبات تكليفية: عبادة وأخلاقًا وتشريعًا وجهادًا وإخلاصًا وصدقًا وطاعة وشكرًا.. إلخ.
ومسؤوليته تجاه نفسه بتزكيتها وتهذيبها مصداقًا لقوله تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7-10) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱).
وعن أولوية إصلاح النفس قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلم نفسه ومهذبها أحق من معلم الناس ومهذبهم». وإلى ذلك جاءت لفتة الرسول الله في قوله: «يا بن آدم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني».
ومسؤوليته تجاه أهله: إذ الأقربون أولى بالإصلاح والمعروف من عامة الناس، وما قيمة أن نصلح البعيدين والناس أجمعين إذا خسرنا أنفسنا وأهلينا والقربين، وصدق الله تعالى حيث يقول:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦).
مسؤوليته تجاه مجتمعه وأمته: من خلال دعوتهم وتوعيتهم واهتمامه بشؤونهم.. كما من خلال بذل النصح لهم والمشي في حوائجهم، وإلى ذلك كان التهديد النبوي صارخًا ومخيفًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
مسؤوليته تجاه حركته وجماعته: فهمًا لمشروعها، وحملًا لرسالتها، وطاعة مبصر لقيادتها والنصح لها، وعلى قاعدة ما أشار إليه الإمام الشهيد حسن البنا في قوله: «الإيمان العميق والتنظيم الدقيق والعمل المتواصل».
حوافز المسؤولية: وللشعور بالمسؤولية حوافز كثيرة، من شأنها أن تسهم في تقويتها وتنميتها، من ذلك:
حافز الشكر على النعم ويتمثل في قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧).
حافز الإصلاح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (هود: ۸۸).
حافز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم» وقوله: «من رأی منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يجد فبلسانه، فإن لم يجد فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان».
حافز الدعوة إلى الله استجابة لأمره ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) واتصافه بما وصف الله تعالى به الدعاة حيث قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
حافز التعلم والتفقه لقوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ويلهمه رشده» وقوله: «اطلبوا العلم من المهد الى اللحد» وقوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» وقوله: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
حافز الجهاد في سبيل الله بالمال واللسان والقلم والنفس.
المسؤولية تجاه السنن الإلهية:
بأن يأخذ المسلم مكانه وموقعه، وينهض بدوره ومسؤوليته عبر السنن الإلهية ومنها:
مسؤوليته حيال سنة التغيير، من خلال الانخراط في منهج ومشروع التغيير الاسلامي استجابة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱).
مسؤوليته تجاه سنة التدافع من خلال مشاركته في مقارعة الباطل، والتزامه جبهة الحق وحمايته ثغور الإسلام مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة:251).
مسؤوليته تجاه سنة التمكين وإعداد نفسه. لذلك، وليكون ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥5).