العنوان الشموع والبخور والكحل.. سموم خفية في البيوت!
الكاتب وجدي عبدالفتاح سواحل
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1591
نشر في الصفحة 63
السبت 06-مارس-2004
كشفت الأبحاث العلمية الحديثة أن هناك مصادر للأخطار البيئية والصحية مازالت خافية عن أعيننا، وأن علينا أن نتحرى الدقة أكثر، ونلتزم الحرص الشديد في كل ما يتصل بما نأكل ونشرب ونتنفس.. ونرتدي. ونتعرف هنا على بعض هذه الأخطار الخفية المتمثلة في الشموع والبخور والكحل وتأثيرها على الصحة العامة وكيفية الوقاية منها، بدءًا بمصادر الرصاص غير التقليدية من الشموع والكحل والبخور إلى مساحيق التجميل.
شاع استخدام مركبات الرصاص في كثير من الصناعات الحديثة، كمصافي تكرير البترول وصناعة البطاريات وبعض الأنابيب وغيرها. بل کثر استخدام بعض المركبات في الأغراض الشائعة الاستعمال كاللحام، وتحسين مواصفات الجازولين وقود السيارات / البنزين. وفي الوقت الذي يسود العالم فيه اتجاه عام نحو الحد من استخدام هذه المركبات الخطرة بعد أن تضاعفت نسبة وجودها في البيئة وزادت عن الحدود المسموح بها، وقد ظهرت بعض المصادر غير التقليدية في بيئتنا العربية.
فبعض المواد التجميلية مثل الكحل والبخور تحتوي على نسبة كبيرة ومتفاوتة من الرصاص تتراوح بين 4,6% إلى 91.8% فقد كشفت دراسة كويتية عن وجود ٢٤ حالة تسمم بالرصاص عند الأطفال ذوي أعمار تتراوح ما بين ستة شهور إلى عام واحد. وأفادت هذه الدراسة عن وجود نحو ٤ حالات وفاة، و6 حالات من الأعراض الثانوية «تخلف عقلي، انعدام الحركة، تأخر في النطق». وأثبتت الدراسة السابقة أن أربع حالات من حالات التسمم بالرصاص كانت نتيجة للتعرض لدخان البخور الذي يحتوي على نسبة من الرصاص أو كبريتيد الرصاص.
إن نسبة الرصاص في الكحل والبخور متفاوتة، وهناك أنواع منها لا تحتوي على الرصاص مطلقًا، كالكحل ذي اللون البني القاتم، ولكن يجب أن تخضع هذه المواد للمراقبة والتحليل المستمر تجنبًا لاحتمال تسرب بعض الأنواع الملوثة. فقد حذرت دراسة سعودية من أن أنواعًا من الكحل تضر بالعيون وتؤذي البصر وخصوصًا تلك الأنواع الشائعة في المنطقة العربية والخليجية لاحتوائها على نسبة كبيرة من الرصاص. فقد وجد الأطباء بعد تحليل عينات عشوائية من الكحل، الذي يباع عند العطارين والمتوافر في الأسواق والأنواع الهندية على الأخص أن نسبة الرصاص فيها تتراوح بين ٨٥ % إلى ۱۰۰ % في كل جرام من الكحل وأوضح الأطباء أن هذه النسبة من الرصاص تضر بالعيون وخصوصًا عند الأطفال بعد أن تبين وجود علاقة بين استخدام الكحل وتسمم الرصاص عند الأطفال وما يسببه من اعتلالات دماغية، ومثل هذه الاعتلالات يسبب زيادة نسبة الوفيات بين الأطفال إلى ٢٥% وينصح الاختصاصيون باستخدام أقلام الكحل التي تباع في الصيدليات، لأنها تحتوي على مادتي الكربون والحديد، اللتين لا يؤثران على العين وصحتها.
كما كشفت الدراسات العلمية الحديثة أن فتائل الشموع الأمريكية والصينية مخلوطة بعنصر الرصاص وذلك لإطالة عمر لهبها. ويتحرر عنصر الرصاص عند إشعال فتيل الشمعة وينطلق في الهواء المحيط بها، ويزيد من خطورة الأمر أن الشموع عادة لا تضاء إلا في مكان مغلق. حيث تعطي الشموع عند إشعالها، أعلى معدلات انبعاث لعنصر الرصاص في الهواء وتتراوح كميته بين نصف و۳۲۷ ميكروجرامًا في الساعة، وتأسيسًا على ذلك المعدل، فإن إشعال شمعة لمدة ساعة واحدة في غرفة مغلقة ينتج عنه تركيز يتراوح بين 0.04و 13.1 ميكروجرام من الرصاص في المتر المكعب من هواء تلك الغرفة، في حين أن المستوى المسموح به الذي حددته الهيئات الصحية العالمية لا يزيد على ١,5 ميكروجرام/م3. ويسهم التدخين في رفع كمية الرصاص الممتصة بجسم الإنسان إلى ٩,6 مليجرام عند تدخين ما يقارب ٣٠ سيجارة في اليوم، إضافة إلى مضاره الصحية الكثيرة الأخرى. كما تحتوي بعض مساحيق التجميل وأصباغ الشعر على نسبة مختلفة من مركبات الرصاص خاصة المصنعة في شبه القارة الهندية.
أضرار التعرض لمركبات الرصاص
يعتبر الرصاص ومركباته من أخطر الملوثات ضررًا على صحة الإنسان، وعلى صحة البيئة ذلك أنه سام من ناحية وله تأثير تراكمي من ناحية أخرى. وينتشر الرصاص ومركباته إما على شكل أتربة وغبار دقيق معلق في الهواء ينتقل عن طريق التنفس، أو ينتقل خلال الغذاء أو الشراب، أو عن طريق الملامسة المباشرة مثل الاستخدام الموضعي للكحل في العيون.
وقد أثبتت الأبحاث الطبية المتعددة أن للرصاص دورًا كبيرًا في التأثير على الجهاز العصبي المركزي وتدني مستوى الذكاء والقدرة على الإدراك، وتعتبر مركبات الرصاص مواد سامة، وتؤدي إلى نقص في كريات الدم الحمراء في جسم الإنسان، ويؤدي ترسبها في نخاع العظام إلى إرباك عمل الجهاز العصبي، إذ إن للرصاص تأثيرًا تراكميًا لا يزول بزوال المصدر الباعث له بل تظل نسبة منه مترسبة في جسم الإنسان إلى آخر حياته تنتقل بكميات مختلفة من موضع الآخر لتستقر في العظام والأسنان والأنسجة اللينة والمخ.
ويتأثر الأطفال بشكل مباشر وخطير بمركبات الرصاص، إذ يضعف لديهم الذكاء ويؤثر على الحالة العقلية. ويعود سبب تأثير مركبات الرصاص المتزايد على الأطفال لما يلي:
- سهولة إعاقة الرصاص لخلايا المخ وسائر الخلايا العصبية وهي في طور النمو، الأمر الذي يساعد على استمرار تعطل دور هذه الخلايا عند نمو الأطفال.
- نشاط الأطفال وحركتهم الدائمة يزيدان من إمكانية التعرض للأجواء غير النقية لاستنشاق كمية كبيرة من مركبات الرصاص العالقة في الهواء بطريق غير إرادي وابتلاع الأتربة.
خاتمة
الثابت أن عنصر الرصاص بعد واحدًا من أخطر السموم البيئية، إذ يؤثر في كفاءة كثير من العمليات البيولوجية والكيميائية بالجسم البشري، ويؤذي الجهاز العصبي المركزي في الأطفال وفي كل الأحوال، فإن الشواهد تدل على أنه لا شفاء من آثاره المدمرة لذا لا بد من ضرورة وضع الحلول العاجلة لوقف معدل زيادة تركيز هذه المركبات السامة والضارة محافظة على حياة الإنسان وحفاظًا على البيئة.
(*) المركز القومي للبحوث- القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل