العنوان تعلمت من هؤلاء (1) الشهيد محمد عواد
الكاتب د. محمود عزت
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010
مشاهدات 56
نشر في العدد 1931
نشر في الصفحة 35
السبت 18-ديسمبر-2010
ممن التقيت بهم في بداية انتظامي في جماعة الإخوان، وكان لهم أثر كبير في نفسي: الشهيد محمد عواد.. كانت أول رحلة حضرتها مع الإخوان أذكر ربما في أواخر ١٩٦٣ أوائل ١٩٦٤م : كانت رحلة إلى « زوال القرية التي كان يعيش فيها الشهيد محمد عواد المدرس البسيط، لكن تستشعر أنك أمام قلب كبير وعزيمة قوية وذكاء.. كان نحيل الجسم، لكن كان فيه من المهابة والطمأنينة التي تجعلك حريصًا أن تتعرف إليه.
وكان النشاط التالي لي مع الإخوان نشاط المصيف أو المخيم، كان أيضًا مع الشهيد محمد عواد، ولأننا كنا في مصر الجديدة، فكانت كلمة «خنصيف أول ما يتبادر في أذهاننا أنه سيكون على الساحل، سواء شاليه أو فيلا، فلما دعينا إلى هذا المصيف الذي كان المسؤول عنه الشهيد كان عبارة عن «عشة مصنوعة من البوص على أطراف المصيف، مصيف بلطيم» وكان عواد في استقبالنا، وكان يدرك أننا أسرة مصر الجديدة، وقادمون ومعنا حقائب كبيرة جدا فيها لباس البحر وغيرها من ملابس كثيرة، فوجدنا الشهيد محمد عواد يستقبلنا ويحمل معه حقيبة، ليدخل في ذهنك المخيم التربوي، فلم نجد فيه شيئا إلا أخينا محمد فخلعنا الأحذية ونحن على الباب وتركناها وجاء بعد قليل، ولما رأى المنظر على هذه الحال قام بترتيب الأحذية، ثم نادى على كل واحد منا أن يأخذ حذاءه، فاستغربنا كيف عرف صاحب كل حذاء وكان عددنا ٩ أو ١٠ ولم يخطئ في ذكر واحد منا وذلك هو المشهد الثاني بعد مشهد لقائنا به.
في السجن الحربي
المشهد الثالث كان داخل السجن الحربي نحن أسرة مصر الجديدة مرة أخرى فقد تم إعتقالنا وإبداعنا السجن الحربي، وكنا مازلنا بملابسنا التي قدمنا بها، وبعد يوم أرسلت لنا ملابس عبارة عن ملابس نوم مكوية، ونظرنا إلى الشهيد عواد فوجدنا حوله أكثر من خمسة أو ستة جنود يحملون في أيديهم الكرابيج ينهالون عليه ضربًا، ومع ذلك فقد كان يشغله
في ذلك الوقت أمران:
الأول: ألا يصيبنا نحن بأي نوع من الأذى. فقد أنكر معرفته بنا، فكأنه لا يعرفنا رغم أننا كلنا قلنا: إننا نعرفه.
الأمر الثاني: كيف يستر عورته أثناء هذا التعذيب وظل على هذه الحال ٤٨ ساعة فلما يئس المحققون أمر ضابط التحقيق شمس بدران ورياض إبراهيم، وبقية المباحث العسكرية الجنائية، أمر صفوت إبراهيم الذي كان في ذلك الوقت رقيبًا أن يهشم رأسه في جدار فسقية في مدخل السجن الحربي.. ولا ترى من الشهيد محمد عواد إلا سكينة وطمأنينة وإصرارًا .
درس في الثبات لا تدركه إلا إذا شاهدته كيف أن الله يلقي على العبد من القوة ما يجعل الذي يقوم بالتعذيب في حالة إنهزام شديد حتى أن صفوت يقول: «لو أنا انضربت كرباجين من الكرابيج التي أضربها لكنت جئت بالآخر... ولكن الشهوة الحيوانية سولت لهم أن يقتلوا الشهيد عواد.
في النيابة
المشهد الرابع وأنا في النيابة، وهي تحقق في استشهاد أخي محمد عواد، وطلب وكيل النيابة شهادتي، فقصصت له القصة بالمشهد الذي رأيته، وكان ممنوعًا علينا أن نلتفت خلفنا أثناء التحقيق، حيث ندير وجهنا للحائط فاختلست النظر كي انظر لمن حولي فوجدت إثنين من الشويشية، واحد يقول للثاني : تعرف الواد اللي كان بيعذبوه البارحة وضربوا رأسه في الفسقية الواد مات من كده... فقلت هذه الشهادة وكان وقتها المستشار رفيق دهشان وأضاف كلمة الواد مات من كده أي من هذا التهشيم فاستوقفتني كلمة أن الشهيد عواد مات بسبب تهشيم رأسه، وأجزم بذلك، أنا أقول ما سمعته من العساكر.. فقد نال الشهادة آيا كان، ولا شك أن من يتحمل هذا الوزر ليس فقط من عذب لأن أحد هؤلاء الذين كانت دماء عواد على ملابسهم كان يسأل: أين المسجد الأصلي فيه؟.. هذا الجهل بالإسلام، وهذا الغسيل للمخ الذي كان يحدث لهؤلاء، وهذا النظام الذي أسس على الظلم والاستبداد وإلهاء الناس واستدراجهم إلى الشهوات واستدراجهم بالمناصب.. كل هؤلاء لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، نسأل الله تعالى أن يعلي من منزلة الشهداء، وأن يهيئ لهذه الأمة أمرًا ينقذهم به من عذاب أليم وانتقام شديد.
وكل دعائنا كان لهؤلاء الناس أن يعودوا إلى ربهم، فنحن نوقن بأن عذاب الله شديد، ونرجو أن يهيئ لهم توبة وأن يتحركوا نحو إزالة الظلم، وأن يجاهدوا في الله لا يخافون لومة لائم، نسأل الله أن يتقبل الشهيد وأن يجازي كلا بعمله ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ المائدة: 118]
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل