العنوان الشيخ الجليل موسى كاظم الحسيني
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 76
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
يوم الجمعة الثالث عشر من أكتوبر عام ۱۹۳۳م كانت فلسطين على موعد مع انطلاقة الشرارة الأولى للانتفاضة ضد سياسة السلطات البريطانية في فلسطين والتي تمكن لليهود وتضعف شوكة أصحاب الديار وتدفعهم دفعًا إلى خارج بلادهم لإخلائها أمام الغاصب الجديد.
ولم يملك أهلنا في فلسطين في ذلك الوقت من وسيلة غير الاحتجاج السلمي، فلا سلاح في أيديهم ولا جيوش تحميهم، ولم يكن باستطاعتهم سوى إعلان المقاطعة للمنتجات البريطانية ولحكومة الانتداب البريطاني، لكن المحتل الإنجليزي لم يعبأ بذلك وواصل سياساته الممكنة لليهود في فلسطين، بينما واصل حصار العرب بحرمانهم من ثروات بلادهم، وإثقال كاهلهم بالضرائب، وسارت الأمور على هذا المنوال الرديء حتى فوجئ الرأي العام بالإعلان عن أن عشرة آلاف يهودي دخلوا فلسطين بطريقة التهريب، وأنهم سيمكثون بها، وأن آلافًا آخرين حصلوا على تأشيرات دخول من حكومة الانتداب، بينما أعلن مؤتمر الصهيونية المنعقد في ذلك الوقت في براغ عن ضرورة فتح الأبواب على مصراعيها للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ازداد الغليان في الشارع الفلسطيني لكن أحدًا لم يستطع أن يقاوم ذلك العدوان أو حتى يعبر عن احتجاجه، فقد كانت حكومة الانتداب تحرم على العرب التظاهر، وتمنع عنهم حمل السلاح، في حين كانت تقوم بتسليح اليهود وتمنحهم الحق بالتظاهر في أي وقت شاءوا.
كان الشارع العربي المتفجر غضبًا في ذلك الوقت قد تجمع تحت لواء قيادة من المجاهدين الأبرار الذين أعلنوا تحديهم لحكومة الانتداب الظالمة، وقرروا بدء حملة تظاهرات احتجاجية دون ترخيص أو استئذان، فجن جنون سلطات الاحتلال الإنجليزي وأعلنت أنها ستصفي أي مظاهرة، لكن عشرات الآلاف من المسلمين ومعهم جمع كبير من المسيحيين احتشدوا بالمسجد الأقصى المبارك في ذلك اليوم «۱۳ أكتوبر ۱۹۳۳م» وانطلقوا كالبركان يتقدمهم الشيخ المجاهد موسى كاظم الحسيني، فتصدت لهم قوات الاحتلال بالرصاص لتسقط منهم ٣٥ جريحًا، ولم يرهب ذلك المجاهدين وإنما زاد من إصرارهم على المقاومة، والتفت فلسطين بأهلها جميعًا حولهم، وأعلن المجاهدون عن مظاهرة أخرى في مدينة يافا غير عابئين بتهديدات المندوب السامي البريطاني. وفي الموعد المحدد «الجمعة ٢٧ أكتوبر ۱۹۳۳م» كان أهل فلسطين يتدفقون من كل فج صوب «يافا» ليحتشدوا في مسجدها الكبير، وهناك وأمام أبوابه حيث كانت مشاة الجيش وخيالته ومدرعاته تحاصر المصلين، وقعت المجزرة عندما هاجمت هذه القوات الهمجية المصلين فأسقطت منهم اثنين وثلاثين شهيدًا، ومائة وسبعة وستين جريحًا، وأصيب الشيخ الجليل موسى كاظم الحسيني في رأسه إصابة خطيرة ظل يعاني آثارها حتى توفي شهيدًا في ٢٦ مارس عام ١٩٣٤م.
كانت تلك بدايات الشرارة الأولى لانتفاضة أهلنا في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي، وقد تطورت تلك الانتفاضة من التظاهر إلى جهاد العدو بالسلاح في عمليات استشهادية بقيادة الشهيد عز الدين القسام طيرت ألباب اليهود وأفقدتهم صوابهم، ولولا خيانة العملاء في كارثة عام ١٩٤٨م لطهر المجاهدون فلسطين من الرجس اليهودي إلى الأبد.. لكن القدر لم يمكنهم من ذلك، وتلك من حكم أقدار الله يصرفها كيف يشاء.