العنوان الشيخ الغزالي.. والصحوة الإسلامية
الكاتب رمضان خميس الغريب
تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010
مشاهدات 60
نشر في العدد 1904
نشر في الصفحة 51
السبت 29-مايو-2010
اهتم الشيخ الغزالي بالصحوة الإسلامية كجزء من قطاع الأمة العريض، ونظر إليها نظرة الخبير بها، والذي يتحدث من الداخل يقول عن ذلك: «لست بعيدًا عن هذا الميدان ميدان العمل الدعوي، بل أحسبني واحدا من الكادحين في جنباتها، تلقيت العلم عن مجاهدين ذوي صلابة، ثم قمت بتعليم شباب سبقوني في إحراز الرضوان الأعلى سبقًا بعيدًا ؛ لأنهم ماتوا شهداء في سبيل الله» (1)، «إنني لمست بيدي صحوة الإسلام في هذه الأيام، وصافحت بحرارة وحب رجالًا يقاتلون عن بقايا الإسلام في الفلبين وعلى شواطئ الهادي، ورجالًا آخرين يحرسون مواريث الإسلام على شواطئ الأطلسي، وبين الشاطئين المتباعدين قامت مدارس تجاهد بالقلم، وكتائب تجاهد بالسلاح، وترد الغزوين الثقافي والعسكري عن أراض فيحاء، نام ساستها حينا من الدهر فدفعوا ثمن نومهم ذلا فادحا، واستعمارًا فاضحًا» (2).
والشيخ - يرحمه الله - ما يزال يذكر هذه الصحوة بما يراد بها وبنيها لكي تأخذ حذرها من أناس كرسوا لها مكر الليل والنهار، وأن هؤلاء المتربصين بها يجمعون أخلاطًا من الناس ممن تفرق جمعهم إلا علينا فصرنا كالفريسة للذئاب.
ولكن يصبح كل ذلك المكر هباء إذا أوجدت العقول الفاهمة الشاربة من الينبوع الصحيح للإسلام، يقول الشيخ في ذلك: «والحق أن الصحوة الإسلامية المعاصرة تكتنفها أخطاء هائلة، شارك في صنعها مبشرون ومستشرقون أدباء وإعلاميون وساسة وعسكريون، ومصارحون ومداهنون، أناس غرباء عنا، وأناس من جلدتنا، ولست أخاف أولئك كلهم يوم يكون قادة الصحوة الإسلامية من معدن إسلامي»، ولذلك فهو ينظر باهتمام شديد إلى الجو الفكري الذي يسود ميدانها ويتابع بقلق مده وجزره، وخيره وشره، وخطأه وصوابه.
أسباب تأخر الأمة الإسلامية
وعرض الشيخ الغزالي لتشخيص أمراض الأمة رغبة في الإصلاح والخروج من التخلف الذي أزرى بها في العالمين، ولم يكن «ليمل السعي في تبصير الأمة بشؤونها العامة، وبحقوقها وواجباتها، والعمل على تنشئة الشباب المسلم على معرفة مطالب الأمة، والمشاركة فيها بأفق مستقبلي واسع وعقلانية خصبة، وتربص في انتظار الجولات والنتائج» (3)، ويطالب المسلمين كذلك بإلحاح أن يبدؤوا فيغيروا فكرهم عن الدين والدنيا فإنهم بهذا التفكير القاصر سوف يجرون الهزائم على أنفسهم في ميادين كثيرة ويذكر من تجاربه في الدعوة وإصلاح الأمة أنه «وجد شبابا مخلصًا، وحماسًا لله رائعًا ورغبة في افتداء الدين عميقة، ولكن هذا يحتاج إلى توجيه وإلى رسم الخطط السليمة على نحو سليم سديد» (4)، وفي الوقت الذي يرى فيه الشيخ هذا الحماس الشديد في جانب من جوانب العالم الإسلامي يجد في جانب آخر صنفًا ذا ضجيج عال ونواح كبير ولكنه لم يقدم السبل التي يصل من خلالها إلى ما يريد يقول - يرحمه الله: «في تنقلي بين أرجاء العالم الإسلامي سمعت نواح باكين على الإسلام، فلما استكشفت ما حولهم وجدت عوجًا يتطلب التقويم، ثم قلت لهم: لماذا لا تصلحون هذا؟ فلم أتبين إجابة شافية، إنهم سلبيون يثرثرون بالنقد ولا يتحركون للبناء يحسنون مضغ قضايا بالية، ولا يبصرون ما جد من أحداث، وهؤلاء أصحاب الشعارات العريضة والأعمال التافهة لا تصلح بهم أمة ولا يرقى بهم دين».
ويرى أن الأمة تراكمت عليها الأخطاء والأهواء، وشرعت القافلة المتدفقة تخلد إلى الراحة والعجز وآل المسلمون إلى ما نعلم، ويرى أنه كان من الممكن أن تداوي العلل العارضة، ويستأنف المتوقفون سيرهم الراشد لكن ذلك مستحيل في غيبة أولي النهى فالعودة الطبيعية أساسها أن يتذكر الناسي وأن ينتظم الفوضوي، وأن يقتدر العاجز، وأن يهتدي الحائر، فالجهاد المنشود بذل الوسع في إنعاش أمة وقعت في غيبوبة طويلة وفاتها الكثير من ميادين السلام والقتال على سواء وذلك في نظر الشيخ - يرحمه الله – يتطلب الصمت أكثر مما يتطلب من الضجيج (5).
وإلا فهو يحذر على الأمة من فناء ذريع يجتاحها، خاصة مع هذا الاسترسال في الغفلة والجهل بما يحاك ضدها من مؤامرات وعجزها الشائن عن رد عدوان يوشك أن يأتي عليها من القواعد، وينادي الأمة بأن الحل الأول هو الحل الأخير، وأن التعاليم التي صنعتها قديمًا هي التي تصوننا الآن، وأن التفريط في الإسلام محو لكياننا (6).
وينعى الرجل على الأمة أن يكون لديها
هذا الوحي ومع ذلك لا تحسن صحبته، ولا تستضيء بسناه، ولا تتعرف على حقوق الله وحقوق الناس، بل ينظر الناظرون إليها فيجدونها متخلفة عن الركب الإنساني السائر، يجود هذا عليها بآلة، وذاك برغيف أو يمتن هذا عليها بدواء تعالج بها عللها، أو سلاح تذود به العادين عليها، أما إنتاجها لنفسها ودينها فـ «صفر» (7)، ويستعرض الشيخ الغزالي حال الأمة طولا وعرضا فيجد أنها خمس العالم من ناحية التعداد، وهي مع ذلك كما يقول: «تبحث عنها في حقول المعرفة فلا تجدها، وفي ساحات الإنتاج فلا تحسها، وفي نماذج الخلق الزاكي والتعاون المؤثر والحريات المصونة والعدالة اليانعة فتعود صفر اليدين بماذا شغلت نفسها؟ بمباحث نظرية شاحبة وقضايا جزئية محقورة وانقسامات ظاهرها التدين وباطنها الهوى واستغرقها هذا كله فلم تعط عزائم الدين شيئًا من جهدها الحار وشعورها الصادق، فكانت الثمرات المرة أن صرنا حضاريًا وخلقيًا واجتماعيًا آخر أهل الأرض في سلم الارتقاء البشري»(8).
الهامش
- وقد ضرب الشيخ الغزالي مثالًا لهؤلاء بالشهيد أحمد حمدي، الذي كان يصلي معه في مسجد عمرو بن العاص وراح شهيدا في معركة العبور.
- مائة سؤال عن الإسلام، ص ٤٩٤.
- انظر: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص ۱۲، بتصرف يسير.
- انظر إسلامية المعرفة العدد السابع السنة الثانية، رمضان ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧م. ص ١٣٦ بتصرف.
(5-6) جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج، ص ١٣٠.
(7) انظر الطريق من هنا، ص ١٥٤، بتصرف يسير.
(8) الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، ص ۱۰۷.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل