العنوان الشيخ إبراهيم عزت في ذمة الله
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983
مشاهدات 70
نشر في العدد 634
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 23-أغسطس-1983
• نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
• تعلق قلبه منذ صغره بحب الله ورسوله، فضرب في الأرض قرابة خمسة وعشرين عامًا زار خلالها ثلاثة أرباع الدنيا، مبلغًا دعوة ربه داعيًا إلى توحيده حتى لقي ربه فجر الجمعة 21 رمضان سنة 1403 وهو محرم بالعمرة، فصُلي عليه بالمسجد الحرام ودفن بمكة المكرمة.
فقد العالم الإسلامي علمًا من أعلام الدعوة إلى الله، الداعية الكبير والمجاهد العظيم الشيخ إبراهيم عزت، وبموته فقد المنبر الإسلامي صوتًا طالما جهر بكلمة الحق وصدع بها مبينًا وشارحًا الطريق الصحيح إلى الله تعالى ومنهاجه في ذلك الكتاب والسنة.
وإن مجلة المجتمع ترى من واجبها نحو الإسلام والمسلمين أن تلقي بعض الضوء على جانب من حياة هذا المجاهد العظيم -رحمة الله عليه- ليكون في ذلك درس لإخوانه الدعاة وأبنائه السالكين لهذا الطريق، ومنبرًا ينير السبيل لمن وهب نفسه للدعوة لدين الله.
• ولد الشيخ في قرية من قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر سنة 1939م ونشأ نشأة طيبة في بيت مسلم كريم بين أبوين محافظين على تعاليم الإسلام، وكانت أمه تقيم الليل -وما زالت- وتحفظ القرآن الكريم، وتقول أمه إنها كانت تسكته وهو طفل حين يبكي بتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تلقى علومه في مصر حتى حصل على درجة الماجستير في الاقتصاد.
• كان والده يعمل مديرًا للتعليم الصناعي في المدينة المنورة، فكان الشيخ رحمه الله يقضي إجازة الصيف هناك، وكان كثير التردد على مسجد رسول الله والصلاة فيه وتردد كثيرًا على بيت الله الحرام خلال تلك الفترة مؤديًا العمرة والحج، مما كان له الأثر الكبير في تكوين شخصيته المسلمة، وغرس فيه التدين الصحيح والالتزام بالسنة المطهرة، وتمثل ذلك في حرصه على سلوكياته الخاصة في نفسه وفي أهله وفي صحبه، فعُرف بتقواه وورعه وحلمه وشفافيته وصبره وحبه الخير للجميع، وحرصه على أن يقام الدين كله -في الدنيا كلها- بين كل الناس، لذا أحبه الناس الذين عرفوه والذين سمعوا به والذين استمعوا إلى خطبه واعتبروه قائدًا صادقًا لدعوة الله. وهو يمثل أميرًا لجماعة الدعوة إلى الله في مصر، وقد حفظ القرآن الكريم في بداية شبابه وتعرف خلال دراسته على جماعة الإخوان المسلمين فأخذ منهم الشيء الكثير وأجاب دعوتهم وتربى بينهم، وانكب على قراءة كتب الشهيد سيد قطب وأعاد قراءة الظلال خلال حياته مرات كثيرة، مما ترك أثرًا واضحًا على خطب الجمعة له من منبر مسجد المدينة في مصر ومسجد أنس بن مالك، وله قرابة مائتي خطبة جمعة مسجلة على أشرطة. وقد اختار طريقه داعيًا إلى الله تبارك وتعالى معلنًا كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم عن طريق الخروج والهجرة في سبيل الله، فطاف أغلب بلاد العالم شرقه وغربه يبلغ دعوة الإسلام بإخلاص وصدق، مما كان له أكبر الأثر في نفوس محبيه ودخول كثير من الناس على مختلف مذاهبهم وجنسياتهم في دين الله أفواجًا.
• وقد كان لفترة السنوات الثلاثة التي قضاها في السجن الحربي على يد الطاغوت في مصر في الفترة من 65- 1968م ولقائه بإخوانه بين جدران «أبو زعبل» الحربي أكبر الأثر في تربيته على احتمال الأذى والصبر على ما يلقى الداعية في سبيل نشر دين الله، فلم يُثنه ذلك بعد خروجه من السجن عن عزمه على متابعة الدعوة إلى الله، بل كان منطلقًا له ليكون خطيبًا في مسجد صغير «مسجد المدينة» بمنطقة الدقي، ومن ثم انتقاله بفضل الله إلى مسجد أنس بن مالك الذي أقامه المحسن الكبير «الشيخ محمد إمام» على نفقته، ودعا الله في المسجد الحرام في رمضان أن يكون لمسجده هذا شأن في الدعوة إلى الله في مصر، فلا يمكن لأحد أن ينكر الدور العظيم الذي قام به هذا المسجد على مدى سنوات، حيث تمكن هذا الداعية الكبير أن يجمع المسلمين في مصر على مختلف أفكارهم واتجاهاتهم لمحبتهم إياه -جمعهم على الصلاة خلفه- كما أصبح هذا المسجد ملتقى كثير من الدعاة والشباب المسلم من جميع أنحاء العالم، حتى وصل الأمر بأن ضاق المسجد على سعته وتعدد طوابقه، فكان يصلي خلفه ما يربو على خمسة وعشرين ألفًا في صلاة الجمعة تضيق بهم الشوارع المحيطة بالمسجد، مشهد لا يستطيع القلم وصفه، آلاف المسلمين تكتظ بهم طبقات الجامع والميدان المحيط به وخمسة شوارع تؤدي إليه وكأنهم يعرفون بعضهم -يسلمون ويبتسمون لبعض ويفترشون الأرض للاستماع إلى خطبة الجمعة- وكثيرًا ما كانوا يبكون بكاء شديدًا لتأثرهم بما وصل إليه حال الأمة الإسلامية بعيدًا عن نهج شرع الله.
ولا أزال أذكر كلمة كان يرددها في معظم خطبه منذ بداية اعتلائه للمنبر: «إن قمة ما يمكن أن يصل إليه الداعية لله تعالى من تكريم ونجاح، هو أن يموت وهو في طاعة الله تعالى، ميتة فيها تكريم له، يموت وهو يدعو إلى الله».
• وفي العشرين من رمضان المبارك الماضي خرج -رحمه الله- في جمع كبير من إخوانه يريد مكة المكرمة معتمرًا لقضاء العشر الأواخر، وفي نيته الخروج بعد ذلك ليجوب الأرض لينشر دعوة الإسلام وكان معه ابنه «محمد»، أخذه ليعلمه طريق الدعوة.
ولكن الله تعالى شاء أن يجزيه بما نوى دون أن يكمل المسيرة، فكان أن كرمه فجر الجمعة 21 رمضان وهو محرم بالعمرة ملبيًا بها بأن توفاه على هذه الحال من الطاعة والعبادة لله تعالى على مشارف مدينة جدة، فحمله ابنه وإخوانه في الله إلى البيت الحرام في مكة المكرمة، حيث صلى عليه المسلمون هناك ودفن في مقبرة المصلى.