العنوان ثاني أمير للجماعة الإسلامية في باكستان.. وأحد مؤسسيها الكبار.. الشيخ طفيل محمد .. إلى رحمة الله
الكاتب عبد الغفار عزيز
تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009
مشاهدات 53
نشر في العدد 1859
نشر في الصفحة 32
السبت 04-يوليو-2009
- المودودي: قوة تنظيم الجماعة ونظامها المتين وأدوارها الفعالة.. يقف وراءها شخص اسمه طفيل محمد.
- كان محاميا شريفا لا يقبل قضية إلا إذا تأكد أن صاحبها على حق وليس فيها ما يخالف تعاليم الإسلام.
عن عمر يناهز 96 عامًا، وفي مساء يوم الخميس 2 رجب 1430هـ، الموافق 25 يونيو 2009م، وقبل أن يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة مع أذان المغرب لفظ الشيخ طفيل محمد أنفاسه المباركة بمستشفى الشيخ زايد بمدينة «لاهور»؛ بعد إصابته - قبل وفاته بأسبوعين - بجلطة دماغية أفقدته الوعي، فانتقل إلى رحمة ربه .. وكانت صلاة الجنازة في اليوم التالي بعد صلاة الجمعة، وشهدتها جموع غفيرة رغم الحر الشديد، وكان من بين الحضور قادة جميع الأحزاب السياسية، يتقدمهم محمد رفيق تارر الرئيس الأسبق لجمهورية باكستان الإسلامية.
وقد واصل الجمهور والشخصيات العامة تقديم العزاء خلال ثلاثة أيام متواصلة، وكان منهم يوسف رضا جيلاني رئيس الوزراء مع العديد من الوزراء ومسؤولي الحكومة ... كما حضر الآلاف من العلماء والكتاب والمفكرين ورجال الأعمال مراسم العزاء وشهد له العدو قبل الصديق أنه كان رجلا والرجال قليل.
طفولته وتعليمه
كان الشيخ طفيل محمد ثاني أمير للجماعة الإسلامية، وقد ولد في نوفمبر عام 1913م في ولاية «كبورتلا»، وكان والده معلمًا في مدرسة القرية.
واصل طفيل دراسته الأولية في مدرسة القرية، ثم في مدارس وكلية مدينة «كبورتلا» (عاصمة الولاية) حتى نال شهادة البكالوريوس في علوم الفيزياء والرياضيات عام 1935م، وعندما عاد إلى قريته قال له أعيانها : «إن الهندوس يزعجون أهالي القرية وينتزعون منهم أراضيهم بالتزوير في أوراق الملكية أو في سجلات محكمة الأراضي، ولا يوجد في المنطقة أي محام مسلم يدافع عنهم، فهل تستطيع دراسة القانون لتتولى هذه المهمة؟!».
لم يكن أمام طفيل محمد إلا أن يلبي طلب شيوخ القرية وأعيانها؛ فالتحق بكلية الحقوق وتخرج منها بامتياز عام 1937م... ويقول الشيخ عن تلك الفترة: «لم أكن أرغب في الحصول على وظيفة رسمية تحت ظل الاحتلال البريطاني؛ لذلك بدأت أعمل في مكتب للمحاماة ثم فتحت مكتبًا خاصًّا بي وكنت أول محام مسلم على مستوى الولاية كلها».
وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن يقبل أية قضية إلا إذا تأكد تمامًا أن صاحبها على حق، وأنه ليس فيها ما يخالف تعاليم الإسلام.
في عام 1941م، قررت أسرته تزويجه وفي طريقه إلى بيت العروس قابل أحد أصدقائه، وعرف أنه ذاهب إلى مدينة «لاهور»؛ حيث دعا الشيخ أبو الأعلى المودودي إلى اجتماع لتأسيس جماعة إسلامية صالحة.. فكر العريس: هل يواصل السفر ليفوز بعروس الدنيا أم يؤجله ويغير وجهته إلى سفر يفوز فيه بالدنيا والآخرة معا؟ وبعد دقائق معدودات غيّر وجهته، ووصل إلى مدينة «لإهور» ليحضر اجتماع تأسيس الجماعة بدلا من أن يحضر زوجته!
كان المجتمعون خمسة وسبعين رجلاً، وكان طفيل محمد الوحيد من بينهم الذي يرتدي ملابس غربية، ويحلق لحيته، ويعمل محاميا.. واعترض الشيخ «منظور النعماني» قائلا: «كيف نقبل شخصا يحمل أدران الثقافة الإفرنجية عضوًا بجماعة تستهدف إقامة شرع الله؟».. فقال المودودي الذي انتخب أميرًا للجماعة الوليدة: «أعطوه مهلة ستة أشهر، فإذا استطاع تغيير نفسه فأبقوا على عضويته، وإلا فتسقط العضوية».
وجد المحامي الشاب نفسه أمام اختبار صعب، لكنه لم يتردد كثيرًا، واختار الطريق... قرّر أن يترك مهنة المحاماة لأن المحاكم التي يتعامل معها إنجليزية تحكم بقانون يتعارض مع الشريعة الإسلامية.
وقد أدى الشيخ طفيل محمد مسؤوليات كبيرة في صفوف الجماعة الإسلامية وتم اختياره أمينًا عامًا للجماعة عام 1944م، وقال عنه الإمام المودودي: «إنكم تشهدون قوة تنظيم الجماعة والجميع يبدي إعجابه بنظامها المتين وبرجالها الأبطال، وبأدوارها الفعالة ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن كل هذه الجهود وراءها شخص اسمه ميان طفيل محمد».
مواقف مؤثرة
بعد تأسيس باكستان عام 1947م، تركزت جهود الجماعة في جعلها دولة إسلامية حقيقية، وكان ذلك يقتضي بذل جهود متواصلة على جميع الجبهات الفكرية والدستورية والسياسية والاجتماعية، وكان الشيخ المودودي فارس كل تلك الجبهات، لكنه اختار «طفیل محمد» ليكون تركيزه الأساسي على تقوية الجماعة، ونشر دعوتها، وإعداد رجالها، وتفعيل نشاطها وتحقيق أهدافها.
وقد واجهت الجماعة الإسلامية في سبيل ذلك تحديات جسيمة من الحظر والإغلاق والاعتقالات والتضييق، وتحمل الشيخ طفيل وإخوانه من الرعيل الأول كل تلك التحديات بثبات منقطع النظير .. يقول عنه الشيخ القاضي حسين أحمد الأمير السابق للجماعة: «لقد اختار الشيخ طفيل محمد هذه السبيل ثم لم يلتفت يمنة ولا يسرة، فكان حنيفًا مسلمًا، وظل كذلك حتى آخر أنفاسه».
وفي عام 1972م، طلب الإمام المودودي التنحي عن إمارة الجماعة، وقال: «إن صحتي لا تطيق تحمل هذه الأمانة، وإني أريد تسليم الراية إلى من بعدي، فاختاروا من بينكم من ترونه كفوا لهذه المسؤولية».
رفع الشيخ طفيل سماعة الهاتف، وكان الشيخ المودودي على الخط، فأبلغه قائلا:
«لقد تم فرز الأصوات، واختارك إخوانك أميرا لهم»... وكان الرد التلقائي والفوري من الشيخ طفيل: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فرد عليه الإمام المودودي قائلا: «أما أنا، فأقول: الحمد لله، لقد اختاروا الأفضل، وهذا ما كنت أتوقعه، وسوف ينصرك الله، ويسدد خطاك لأداء الواجب».
وبعد أيام كان حفل أداء اليمين الدستورية، وانهمرت دموع الشيخ، وبكى بحرقة، ولم يستطع التلفظ بقسم اليمين إلا بعد جهد ومشقة، وتشجيع من الشيخ المودودي وإخوانه.
ميزات وسجايا
زاهدًا كان الشيخ طفيل - يرحمه الله - في حياته، حريصًا على الفوز في الآخرة فكان يتقرب إلى ربه في كل حين، ويعبده كأنه يراه.. بلغ من العمر ستة وتسعين عامًا، وفقد بصره قبلها بأعوام، لكنه ظل مواظبًا على أداء الصلوات في جماعة حتى آخر يوم في حياته، وقبل أن يدخل في الغيبوبة صلى المغرب والعشاء في المسجد.. وحتى صلاة التراويح واظب عليها، فكان يصلي عشرين ركعة قائمًا، بجزء كامل من القرآن.
كنت قد أجريت معه حوارًا في شهر رمضان الماضي (1429هـ) بمناسبة مئوية الإمام «حسن البنا»، وكان من ضمن ما قال: أسأل ربي أن يمنحني رمضان آخر أصلي فيه وأصوم، ثم أسلّم بقضاء ربي.
يقول الشيخ القاضي حسين أحمد: «جاء إليّ، وعانقني بقوة، ودعا للأمير الجديد سید منور حسن وللجماعة الإسلامية ثم ذهب.. وعندما سمعت بمرضه في صباح اليوم التالي فهمت مغزى ذلك العناق، لقد كان يودعني ليذهب إلى الرفيق الأعلى».
كان الشيخ طفيل محمد - يرحمه الله - مثالاً للالتزام، فكان إذا حدد موعدًا لم يتأخر عنه دقيقة واحدة.. قال للوالد ذات مرة، وكان صديقه الحميم: «إنني أتناول هذه الأدوية منذ اثني عشر عامًا، ولم أتأخر عن موعد تناولها ولو لمرة واحدة».
وكان صبوراً؛ لم يشكُ يومًا من أذى أصابه.. حدث أن وقع على الأرض في الحمام فانكسرت بعض عظام ضلوعه وبعد الحادث بيومين أو ثلاثة أيام كان يوم الجمعة، فأصر أن يذهب إلى المسجد، وكنا نری آثار الألم بادية على وجهه، ولكن كل من سأله عن صحته أجابه: «إنني بخير والحمد لله، وأسأله العافية».
وكان الشيخ طفيل عضوًا في عدد من المنظمات الإسلامية الدولية، منها: مجلس أمناء الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمجلس العالمي الأعلى للمساجد برابطة العالم الإسلامي، وكان يحضر معظم المؤتمرات التي تنظمها هذه المنظمات، باستثناء السنوات الأخيرة بسبب مرضه.
وكان - يرحمه الله - صارمًا في قول الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان يقول الحق وإن كان مُرًا، وقد أدت هذه الصفة إلى اعتقاله عديدًا من المرات.. تغمده الله بواسع رحمته.