العنوان الشيخ عبد الله المطوع. كما عرفته
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006
مشاهدات 78
نشر في العدد 1721
نشر في الصفحة 36
السبت 30-سبتمبر-2006
عرفته في أواخر الثمانينيات بصحبة الداعية الكبير المرحوم بإذن الله الشيخ عبد البديع صقر صاحب كتاب "كيف ندعو الناس"، وغيره من الكتب. وكان ذلك في بيته في مكة المكرمة أثناء موسم الحج، وتتابعت لقاءاتي به بعد، لا سيما بعد استيطاني الكويت منذ عام ١٩٩٣م بلدًا ثانيًا بعد بلدي الأول مصر. وقد تكونت لدي صورة واضحة عن أبعاد ومعالم شخصية هذا الرجل، ودونك هذه الأبعاد وتلك المعالم. وأهمها:
ثقافته الواسعة والواعية في نفس الوقت
يعرف ذلك من جالسه وناقشه، وكذلك من يسمع له أو يقرأ ما يكتب، ورأيه فيما يسمى بالإرهاب واتهام العمل الخيري ومن يخالفونه في الرأي خير شاهد على ذلك. وحسبه شهادة صادقة على هذا المعلم كلمة التحرير في مجلة المجتمع، إذ من يتابع كلمة التحرير هذه على مدى أعدادها يعرف عمق هذه الثقافة وسعتها ووعيها. وأتصور أن منبع ذلك لديه سعة الاطلاع والمتابعة لأحوال العالم، لا سيما الإسلامي، وحسن صلته بالله الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ «الأنفال: 29»
2. حسن صلته بالله عز وجل مع القبول عند الخلق
عرف عنه أنه اتخذ من الصلاة أساسًا لتنظيم حياته، فهو يصلي الصبح ويجلس في مقرأة قرآنية إلى طلوع الشمس ويصلي الضحى، ويعود إلى بيته فيتناول فطوره ويذهب إلى عمله، فيظل يديره إلى صلاة الظهر، فيصلي الظهر وبعد قليل ينصرف إلى بيته فيتناول غداءه ويأخذ قيلولته، ويستيقظ مع صلاة العصر ليصليها ويذهب إلى عمله، ويظل يديره إلى ما بعد صلاة العشاء، ثم ينصرف إلى بيته ليتابع شؤون أولاده، وينام مبكرًا ليأخذ حظه من الليل، وهكذا. ولم يصرفه ذلك عن مراعاة العلاقات الاجتماعية والسعي في حوائج الناس واستقبال الضيوف وإكرامهم. وله مع رمضان والحج والزكوات ونحوها صولات وجولات، وذلك كله لعله سبب قبوله عند الخلق.
3. حرصه على تعاطي الحلال ومبالغته في ذلك
عرفت ذلك منه من أكثر من موقف، فهو يرفض أخذ عائد البنوك وكل البنوك التي يتعامل معها إسلامية، وسنده في ذلك البعد عن الشبهات لا سيما في بيع المرابحة. وكان يطلب منه أولاده أن يسمح لهم بتصوير بعض الأوراق في مكتبه فيأذن لهم، ويحسب أجرة التصوير، ويضع أضعافها في حساب الشركة. ولما سُئل قال: هذه ليست شركتي وحدي، وإنما لي وللعائلة، وبالتالي لا يحل لي استخدام أجهزتها في مصالحي الخاصة إلا بالأجر. وهذا منه، والله، دليل الورع والمراقبة الشديدة لله عز وجل. وهو يرفض البيع بالأجل بحجة أن بعض الفقهاء يرفضه وهو يأخذ بهذا الرأي، ولذلك فإن كل من يشتري من شركته يأخذ بسعر واحد لا فرق بين تعجيل الثمن وتأجيله.
وتصوري أن حرصه على ذلك نابع من يقين كامل بثمرة أكل الحلال دنيا وأخرى، والواقعتان اللتان سأذكرهما تؤكدان ذلك: كان قد أودع في خزائن في بيته في مكة عدة ملايين من الدولارات، وجاء اللصوص لسرقة هذه الدولارات، ودخلوا البيت وكسروا الخزينة، وصارت أيديهم فوق الدولارات، ولم يروها، ولم يشعروا بها. واستمروا في مواصلة المحاولة لأكثر من ساعة، وفجأة سمعوا أصوات سيارات الشرطة، وإطلاق نار كثيف، فخافوا وتركوا الدولارات وفروا. فلما جاءته الأخبار بذلك ضحك وقال: "المال الحلال المزكى لا يُسرق، بل له حماية من الله بواسطة جنده الذين لا يعلمهم إلا هو."
وأرسل عشرين ألف دولار لجهة خيرية في لبنان كمساعدة، وقال الذي كان يحملها: وضعت المبلغ في حقيبة، وكان معه لاب توب. وقبل النزول في المطار فتحت الحقيبة وأخرجت منها هذا المبلغ واحتفظت به في جيبي، وقدر الله أن تضيع الحقيبة، وأن يضيع اللاب توب، وأن يبقى هذا المبلغ ليصل إلى الجهة الخيرية اللبنانية المرادة. ولما علم بهذه الواقعة ضحك قائلًا: "المال الحلال لا يضيع، بل له حماية من الله."
4. حسن تربية أولاده
لم تشغله تجارته عن حسن تربيته لأولاده، حيث تجلس معهم صغارًا وكبارًا، فلا ترى إلا حسن خلق وأدبًا رفيعًا، فضلًا عن تعويدهم على المسؤولية، إذ ما من واحد منهم إلا وهو مسؤول عن جانب من جوانب تجارة أبيه. ويدلك على حسن التربية هذا أنني اتصلت من مصر لأعزي الأستاذ عبد الإله أكبرهم، فكان آخر ما قال: "ادع لأبي، وسنمشي إن شاء الله على نفس الدرب الذي كان عليه الوالد المرحوم بإذن الله حتى يأتي أمر الله." إن هذا المعلم يدلك على أن الوالد المطوع كان شخصية فذة فريدة.
5. قوة العزيمة وصدق الإرادة وعلو الهمة
إذ لا يفوته مؤتمر من المؤتمرات الإسلامية في أي مكان في العالم إلا إذا كانت الضرورة قاهرة، ولا ينقطع عن عمله إلا أن يكون مريضًا أو مسافرًا أو في واجب اجتماعي، ولا يتوقف عن العطاء حتى لو خلت خزائنه. وكثيرًا ما يردد المقولة المشهورة والمحفوظة عنه: "إن ربي رحيم كريم، إني رأيت صدق قوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ «سبأ: 39»." رأيت ذلك رأي العين في كل ما أبذل وما أعطي، وهذا يحملني دوماً على مواصلة البذل والعطاء.
ويدلك أكثر وأكثر على قوة هذه العزيمة، وصدق هذه الإرادة، وعلو الهمة قوله دائمًا: رغم كبر سني فإني أشعر أن قلبي هو قلب ابن العشرين، ولا يتطرق إلى نفسي ضعف أو وهن في لحظة من اللحظات.
6. كثرة التحدث بنعمة الله تعالى عليه
إذ ما يجالسه أحد إلا ويراه دائم الثناء على الله أنه أعطاه الكثير والكثير: أعطاه العمر، والصحة، والمال، والولد، والوجاهة، والإسلام، والطاعة، وحب الخير للناس، وسلامة الصدر من الأحقاد، والعفو والمسامحة. هذا حديثه عن النعمة باللسان، أما حديثه عن النعمة بالسلوك، فأناقته، وحسن مظهره، ومس أطيب الطيب، والسيارة الفارهة، والمكتب المنظم النظيف، وكثرة العاملين لديه، وحسن معاملتهم وغيرهم من كل من يعرفه أو يتصل به. وحين يسأل يقول: "أعطانا الله، فلم لا نتحدث بنعمته؟ إننا إذا لم نفعل ذلك كأننا نشكو الله إلى خلقه أنه منعنا وضيق علينا، وذلك لا يليق."
7. مهارته في عمله
العم أبو بدر سليل بيت معروف بالتجارة، وقد أفاد من عيشه في هذا الوسط فضلًا عن الذكاء والفطنة، بحيث صار تاجرًا من أمهر التجار، مع مراعاة الضوابط الشرعية في هذه التجارة. وقد وصلت به هذه المهارة إلى حد أن كثيرًا من التجار يرجعون إليه يستشيرونه في كل ما يقبلون عليه، بل يرجع إليه من يريدون عمل مشاريع تجارية فيشير بالصواب، لا يبغي من وراء ذلك سوى رضا الله ثم مساعدة عباده، كأنه بذلك يمكن أن يلقب بنقيب التجاريين.
8. اشتغاله بالدعوة إلى الله واستصحاب نية الجهاد والشهادة
عرف عن العم أبي بدر اشتغاله بالدعوة إلى الله منذ نعومة أظفاره، ولقد كان مفهوم الدعوة إلى الله عنده العمل بكل الأساليب والوسائل الممكنة التي لا تتعارض مع مبادئ الشرع الحنيف على إبلاغ كلمة الله إلى عقول عباد الله، بل إلى قلوب المستعدين منهم للتضحية والبذل والعطاء. وطبق ذلك المفهوم من خلال ما كان يقوم به من أقوال وسلوكيات، سواء في بيته أو في عمله، أو مع كل من يتعامل معه، فهو بقوله داعية، وهو بإدارته لعمله داعية، وهو بقيامه بالآداب والعلاقات الاجتماعية داعية. وهو بأدائه للشعائر والعبادات المخصوصة داعية. وهكذا كان في كل ما يأتي به وما يدع داعية.
ومن عجب أنه فقه أن الدعوة لا تؤتي ثمرتها كاملة بالجهود الفردية، وإنما لابد من جهود جماعية، وقد حقق هذا في حياته، واستمسك به، فعمل لدينه من خلال كيان جماعي يساعده على تحديد الأهداف والغايات والأساليب والوسائل، ويأخذ بيده لتنفيذ ذلك عمليًّا. كما أنه استصحب في دعوته هذه نية الجهاد والشهادة، وكثيرًا ما كان يتحدث بذلك، ويطلب من جلسائه أن يخصوه بدعوة الشهادة في سبيل الله، وأظنه قد بلغ ذلك بهذه النية، للحديث: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» «أخرجه النسائي».
" استصحب العم «أبو بدر» في دعوته نية الجهاد والشهادة. وكثيرًا ما كان يتحدث بذلك ويطلب من جلسائه أن يخصوه بدعوة الشهادة في سبيل الله "
٩. سخاؤه الذي لا ينتهي. مع الوعي واليقظة
كما عرف عنه سخاؤه العجيب، فهو ينفق قائمًا وقاعدًا ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، مقيمًا ومسافرًا، ونفقته تشمل جميع الناس من غير تمييز بين عربي وأعجمي كويتي أو غير كويتي يعرفه أو لا يعرفه. ويستطيع أي إنسان أن يقف على هذا المعلم من خلال مراقبة من ينتظرونه عند باب داره أو عند سيارته أو عند خروجه من المسجد أو أي مكان يوجد فيه.
وكذلك من خلال مراقبته في شهر رمضان، فهو يجلس طوال النهار في المسجد المجاور لمكتبه لتوزيع العطاء الذي منَّ به عليه رب العزة. لكنه مع هذا السخاء الذي لا ينتهي يتمتع بوعي كامل ويقظة تامة بحيث لا يعطي من يعطي إلا بعد فحص أوراقه، ومعرفة حاله وهل هو محتاج حقيقة صادق فيما يقول أم أنه محتال كاذب فيما يدعي؟ ولذلك يستطيع المرء الحكم باطمئنان أن الفلس لا يخرج من يده إلى يد الغير إلا إذا كان يستحق ذلك.
وأيضًا من خلال الأعمال الخيرية التي قام بها في كل أنحاء العالم من آسيا إلى إفريقيا، إلى أوروبا، إلى أستراليا إلى أمريكا الشمالية وكندا، إلى أمريكا الجنوبية، إذ كلها ناطقة بما لهذا الرجل من أياد بيضاء على العمل الإسلامي في كل أشكاله وصوره.
١٠. وطنيته الصادقة
وكان العم أبو بدر وطنيًّا صادق الوطنية، فالإسلام وطنه الكبير العام والكويت وطنه الصغير الخاص. وقد تجلت هذه الوطنية في موقفه إبان الغزو العراقي للكويت، إذ وقف وقفة الوطني الصادق يواسي بنفسه وماله حتى انقشع العدوان الغاشم وعادت الكويت حرة أبية كما كانت. ولام بل قاطع من شجعوا الغزو العراقي للكويت، حتى لو كانوا من أصدق أصدقائه، إنها الوطنية التي كادت تتلاشى وتموت عند آخرين عمتهم الدنيا وغرتهم قوة الآخرين.
كما تجلت هذه الوطنية في الأزمة الأخيرة التي عاشتها الأسرة الحاكمة، إذ نهض وسوى الأمر إلى ما فيه مصلحة الأسرة، ومصلحة أهل الكويت جميعاً يؤازره في ذلك أهل الوجاهة والخير والصلاح في هذا البلد.
كما تجلت هذه الوطنية أيضاً في رعاية ذوي الحاجات من الكويتيين أولاً، ثم من غيرهم من باقي شعوب العالم. وهكذا تكون الوطنية الصادقة التي نرجو أن يتحلى بها كل إنسان وكل عاقل تجاه دينه وتجاه بلده.
١١. مراعاته العلاقات الاجتماعية
أما العلاقات الاجتماعية لديه، فكان لها المحل الأسمى في نفسه، فهو إما يعود مريضًا، أو يشيع ميتًا، أو يواسي في شدة، أو يهنئ بنعمة، أو يصلح بين متخاصمين، أو يقضي حاجة بنفسه أو بواسطة غيره، أو يرشد حائرًا إلى حاجته. ولقد كنتُ واحدًا ممن شملتهم هذه العلاقات الاجتماعية، إذ لما أصبت بفشل كبدي في عام ٢٠٠٥م، واعتراني نزيف حاد ألحقني بالعناية المركزة في مستشفى الصباح، قال الأطباء: إنني بحاجة إلى حقنة باهظة الثمن لإيقاف هذا النزيف، ولم نجدها في الصيدليات الخاصة ولا في صيدليات الدولة، وقالوا: إنه لا وجود لها إلا في المخازن الطبية. واتصل به الشيخ توفيق الواعي الداعية المعروف، وأيقظه في الثالثة بعد منتصف الليل ليتصل بدوره بوكيل وزارة الصحة ليوقظه فيأمر بصرف هذه الحقنة، ويظل يتابع إلى الصباح، بل طول فترة المرض ويزورني المرة بعد المرة حتى برئت من علتي. وهكذا كان أبو بدر المطوع.
ورجل هذه معالم شخصيته حقيق أن يبكيه كل الناس على النحو الذي شاهدناه في جنازته أو سمعناه وقرأناه لمن شاركوا في تأبينه. ولكن عزاءنا أنه قدم على رب كريم رحيم - كما كان يردد. نرجو منه أن يكرمه بالعفو والقبول وإنزاله منازل الشهداء. اللهم آمين.
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل